fbpx

مكافحة الإلحاد.. ضمائر المصريين في قبضة الدولة

في خطوة لم يفهم كثيرون مصدرها أعلن عمر حمروش، أمين سر اللجنة الدينية بالبرلمان المصري، عزمه تقديم مشروع قانون يجرم الإلحاد ويعاقب عليه بالسجن والغرامة. وانتقد معلقون وحقوقيون ومواطنون على وسائل التواصل الاجتماعي ما رآه البعض مخالفة صريحة للدستور، الذي يكفل "حرية الفكر والرأي"، وينص على أن "حرية الاعتقاد مطلقة".

في خطوة لم يفهم كثيرون مصدرها أعلن عمر حمروش، أمين سر اللجنة الدينية بالبرلمان المصري، عزمه تقديم مشروع قانون يجرم الإلحاد ويعاقب عليه بالسجن والغرامة. وانتقد معلقون وحقوقيون ومواطنون على وسائل التواصل الاجتماعي ما رآه البعض مخالفة صريحة للدستور، الذي يكفل “حرية الفكر والرأي”، وينص على أن “حرية الاعتقاد مطلقة”.
وفي اتصال تليفوني له ببرنامج “كلام تاني” على قناة “دريم”، قال حمروش إنه “ليس هناك تعارض بين قانون الإلحاد المقترح وحرية العقيدة المنصوص عليها في الدستور، لأن المادة الثانية بالدستور تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع”. وزاد النائب البرلماني أن الإلحاد يضاهي في خطورته الإرهاب، “الإلحاد خطر لا يهدد الإسلام فقط، بل الأديان السماوية كافة، بل ويعطي ذريعة للإرهاب”.منذ أن أطلق حمروش دعوته، تتفاعل ردات فعل ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي.  دعا البعض لتطوير مقترحات للكشف عن الملحدين من أجل تطبيق القانون عليهم، من قبيل إجراء تحليل دم في نقاط التفتيش الأمنية، أو تخصيص موظفي دولة يمرون على المنازل للكشف عن نسبة إيمان الأسر المصرية، أثناء تسجيل معدلات استهلاك الكهرباء والمياه.

ولكن آخرين لم يجدوا في هذه الخطوة مادة للتندر بل مصدراً للقلق. وفي حوار مع “درج” قال المدون ألبير صابر، “نحن نعيش عصر محاكم تفتيش مكتملة الأركان ولا تحتاج للمزيد.. أنا عليا حكم صادر بالسجن”.
وكان جيران صابر قد حاصروا شقته على مدى يومين في شهر سبتمبر/ أيلول عام 2012 بسبب اعتراضهم على ما يكتبه على فيسبوك، وحاولوا مهاجمته هو ووالدته. وقبضت الشرطة على صابر واحتجزته في مركز أمن، حيث يقول إنه تم الاعتداء عليه من قبل عناصر الأمن والمساجين بآلات حادة، نجم عنها جرح قطعي بالرقبة، ورغم مطابقة كلامه تقرير الطب الشرعي، إلا أن النيابة حفظت التحقيق في الاعتداء على صابر في مكان احتجازه ووجهت له اتهامات بإثارة الحفيظة الدينية، لأنه أعلن إلحاده على حسابه الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي. ثم قضت محكمة جنح المرج خلال شهور بسجن صابر ثلاث سنوات، بعد محاكمة وصفتها مؤسسات حقوقية بأنها مليئة بالأخطاء الإجرائية والتجاوزات القانونية. وسافر صابر خارج مصر قبل تنفيذ الحكم، حيث يأمل أن تقبل أعلى محكمة في مصر –محكمة النقض- طعنه في الحكم وتعيد محاكمته. وقال صابر: “انتظر قرار محكمة النقض يوم ٢٦ يناير/ كانون الثاني الجاري، ولكن هناك بالأساس قوانين تعيق حرية التفكير والتعبير وتحتاج لمراجعة. ومازال عمرو عبد الله، شاب شيعي، مسجون لأنه ذهب للاحتفال بيوم عاشوراء فقط.”
ومنذ السبعينيات تشهد مصر محاولات متكررة لوضع ضمائر المصريين وأفكارهم ومعتقداتهم في قبضة الدولة، بمساندة قطاع ليس صغيرًا في المجتمع يدعو إلى مصادرة كتب، ومنع عرض أفلام، وملاحقة المبدعين قضائياً. ووصل الأمر في حالات اختلاف فكري، أو ادعاءات حول الميول الدينية والإنتاج الفكري أو الإبداعي، إلى التشهير بأصحابها والاعتداء عليهم، فلقي فرج فوده الكاتب النقدي ضد الأصوليين مصرعه بوابل من الرصاص في 8 يونيو 1992، وطعن أصولي جهادي الأديب نجيب محفوظ –صاحب نوبل- في عنقه بسبب ما سمعه عن هرطقة مزعومة في رواية “أولاد حارتنا”. ومع صعود التيارات الإسلامية السلفية في مصر منذ منتصف السبعينيات، وعلاقتها الملتبسة مع النظام الحاكم جذباً وشداً، بصفتهم يقفون في صف النظام ضد اليساريين والإخوان، ازداد الخناق على الفكر الديني المستقل أو المختلف. ورغم أن القانون المصري لا يجرم الاعتقاد والتفكير، إلا أن بعض المحامين المحسوبين على التيار الديني وجدوا ثغرات ينفذون منها إلى  مقاضاة المختلفين معهم في الرأي أو الممارسات. وكانت أهم هذه الثغرات قضايا الحسبة، التي يقوم فيها أحد المواطنين برفع دعوى نيابة عن المجتمع، الذي يزعم أنه تضرر من ممارسات معينة. وعلى هذا استندت –مثلاً- القضية التي رُفعت ضد الباحث المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، حيث طالب محامي حسبة تفريق أبو زيد عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس، لأن كتاباته تجعله خارجاً عن الملة بينما زوجته مسلمة. وغادر أبو زيد مصر بعد الحكم بتفريقه عن زوجته في عام 1993، ولم يعد إليها إلا قبيل وفاته في يوليو 2010.
وفي مقابلة مع “درج”، قال سامح إسماعيل، مدير الأبحاث في مركز دال القاهري، إن “الدولة بدلاً من أن تمارس دورها الاعتباري لإدارة التنوع الثقافي والديني، باتت تمارس دور كبير الكهنة، لملاحقة المارقين والخارجين عن رؤيتها.” ويرى إسماعيل أن مشروع القانون “تطور خطير جداً لتوغل الدولة في المجال الديني، يعيد الذاكرة لمحاكم التفتيش وملاحقة الساحرات في العصور الوسطى … وينم عن تردي المؤسسة التشريعية، وممارستها لأدوار غير التي جاءت من أجلها… نحن بصدد فتح باب جديد من أبواب الجحيم”. وأصدر مركز دال تقريرًا في سبع مجلدات بعنوان “الحالة الدينية في مصر: دراسة ميدانية” مطلع العام الماضي.وينظر عمرو عزت، المسؤول عن منتدى الدين والحريات في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إلى مشروع القانون – في حال كان التفكير في إصداره جديا- نظرة أكثر تشاؤمية، باعتباره، “تقنيناً لعقاب المواطنين على عقائدهم المختلفة”، حيث رصد من خلال القضايا المتعلقة بالحريات الدينية في المحاكم المصرية العديد من المخالفات القانونية والإجرائية، وتجاهل للأدلة والشهود في إثبات أو نفي الوقائع المادية، مما يجعل إجراءات المحاكمة والأحكام الصادرة بحق المتهمين في المطاف النهائي عقاب وتنكيل على اعتناقهم أفكار مختلفة، والتي لم يثبت أحيانا أنهم قاموا بالتعبير عنها علنًا أو بوسيلة نشر عامة.
ومن خلال أكثر من قضية، يظهر أن تطبيق القانون يستبطن تسامحاً مع الاعتداءات على أصحاب الأفكار والعقائد المختلفة، فلا يتم اتهام أي من المتجمهرين للاعتداء على شيعي أو بهائي، أو من يزعم المعتدون أنه ملحد او يهين الدين الإسلامي. وتتعامل حيثيات الأحكام القضائية مع المتهمين المدانين على انهم أخلوا بالسلم والنظام العام، الأمر الذي يؤدي إلى فرض عقاب على  صاحب الفكر المختلف عليه، لأنه أثار حفيظة المتدينين، وأخل بثوابت المجتمع، مثلما حدث في قضية صابر وقضايا عدة مشابهة. وتتجاوز تحقيقات النيابة الوقائع لتتناول بل وتركز على افكار وعقائد المتهمين. وعادة ما يطلب محامو المبادرة المصرية في مثل هذه القضايا من المحكمة قبول مذكرة تطعن بعدم دستورية المادة (98/و)، التي صدرت وفقها معظم أحكام قضايا “ازدراء الأديان”، ورفعها للمحكمة الدستورية العليا، ولكن لم يتم قبول مثل ذلك في أي قضية حتى الآن.ووُضعت مواد ازدراء الأديان في قانون العقوبات المصري في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، عقب اعمال عنف طائفية واسعة النطاق قتل فيها عشرات الاقباط وعدة مسلمين في منطقة الزاوية الحمراء في القاهرة سنة 1981، وكان الغرض منها الحيلولة دون استخدام منابر المساجد للتحريض على العنف الطائفي. ولكن، للمفارقة، صارت المواد الهادفة لحماية الأقليات سيفاً مصلتاً تستعمله مؤسسات الدولة ومواطنين فيها، ضد هذه الأقليات والمختلفين مع الآراء الدينية السائدة.
وفي تقرير للمبادرة المصرية بعنوان “حصار التفكير: قضايا ازدراء الأديان خلال عامين من الثورة”، رصدت المبادرة المصرية 48 حالة واجهت ملاحقات أهلية وقضائية بسبب أفكارهم منذ يناير 2011 وحتى نهاية 2013  منهم روائيون، وكتاب، ومدونون، ولم يستثن حتى الأطفال، ولو كان كل ما اقترفوه تمثيل مقطع ساخر لإرهابي يقطع رؤوس أسراه. وربما كان لهذه اللعبة أن تمر لو لم يقم مواطن مستاء شاهد المقطع المصور على هواتف الأطفال المحمولة وابلغ عنهم أجهزة الامن. ولكن من يتحمل المسؤولية: المواطن المستاء الذي يدعي وقوع ازدراء لدينه، أم وكيل النيابة الذي يتعامل مع هكذا بلاغ بجدية، أم المحكمة التي تتعامل مع كل هذا، مستندة على نص فضفاض وغامض للقانون وإجراءات مهتزة وتقضي بسجن الاطفال؟من المفارقة أن تشهد مصر تزايد الإجراءات الرسمية لقمع التفكير وحرية الاعتقاد عقب ثورة كان أحد مطالبها الثلاثة: “الحرية”.  لكن الباحث المصري علي الرجّال، المتخصص في الشؤون الأمنية، يرجع ذلك إلى “انفجار كل آليات الضبط والسيطرة على المجتمع بعد الثورة، فأصبحت الدولة الجريحة ومعها القوى المحافظة في صراع مع الزمن لإعادة الأمور إلى ما قبل ثورة يناير”. حتى الآن لم يخرج قانون مناهضة الإلحاد إلى النور، لكن ما بات تحت ضوء الدولة وفي قبضتها أكثر من ذي قبل، هو عالم أفكار المواطنين ومعتقداتهم. ويبدو أن هذه القبضة سوف تشتد في السنوات القادمة.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
انفجار بيروت الذي انقض على أفراحها الصغيرة وتلك الكبيرة أيضاً، لم يسلم منه أحد، لم يسلم منه شيء، حتى اللوحات الهانئة والتحف الفنية… فيما الدولة غائبة، تتصرّف وكأنّ لا شيء حدث، تشتري المزيد من الوقت على حساب خسائرنا، وحسب.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني