عن أعداء الكرد ولغتهم…

أقرّت قبل أيام وزارة التربيّة العراقيّة تدريس اللغة الكرديّة كلغة أساسيّة ثانيّة في البلاد. فهل تتمكن هذه الخطوة للتمهيد لعلاقات أفضل بين الكرد والعرب؟

أقرّت وزارة التربيّة العراقيّة في الأيام الأخيرة من العام 2018 تدريس اللغة الكرديّة، كلغة أساسيّة ثانيّة في البلاد ضمن مناهج المرحلة الابتدائيّة والمتوسطة والاعداديّة، على أن تعامل اللغة الكردية كمادة مرسّبة. وقالت وزارة التربيّة في وثيقة إعلانها القرار إن غرض الوزارة هو تعليم الطلبة للغة الكردية وزرع روح الأخوة والمحبّة بين الشعب العراقي.
الكردية والدستور
ينصّ الدستور العراقي الدائم على أنّ اللغتين العربيّة والكرديّة هما لغتان رسميتان في البلاد.وفي زمن عراق الديكتاتور صدام حسين، كان نظام التعليم أقل تشدداً حيال اللغة الكردية من أنظمة الحكم في سوريا وتركيا، بل إن صدام حسين نفسه كان يسعى لأن يتعلّم اللغة الكرديّة في نفس الفترة التي كان يقصف فيها القرى الكرديّة ويسعى الى تغيير ديموغرافيا المناطق الكردية. ففي اللحظة التي كان يبثّ فيها التلفزيون العراقيّ مشاهد مصوّرة لتعلّم صدام اللغة الكرديّة، كانت هناك مشاهد مقابلة لضحايا الحرب الشرسة التي شنها صدام ضد الكرد، لكن تلك المشاهد لم تكن تظهر على التلفزيون العراقي.
المفارقة هي أن صدام لم يصهر اللغة الكرديّة ضمن منظومة “العروبة” التي كانت شعاره، ولم يجعلها كذلك، بل كان يعترف بوجودها ويحاربها في آنٍ.
على عكس الوضع العراقي، كان الكرد في سوريا، عربٌ سوريون، وفي تركيا كان الكُرد، أتراك نسوا هويتهم في الجبال، وفي ذلك أيضاً حربٌ موازية.
العراق، في عهوده الملكية والجمهوريّة، وفي زمن سيطرة البعث السنيّ العربيّ ولاحقاً في زمن سيطرة الميليشيات الشيعيّة الإيرانية، بدا وكأنّه تخلّص من قضية إنكار الكُرديّة كقوميّة ولغة وثقافة وجغرافيّة مستقلّة. لا يعني هذا أن التمييز تراجع…


قبل عقودٍ من الزمن أقرّ الدستور المؤقّت للعراق عام 1958 بالشراكة في الجمهورية بين العرب والكُرد في مادته الثالثة. هذا إقرار دستوريّ لطالما سعى إليه الكُرد في سوريا، بل وأقلّ من ذلك، دون جدوى.
كانت الدساتير العراقيّة في تطوّر مستمر، حتّى خلال حكم البعث. كانت دساتير العراق تعتبر القوميّة الكرديّة قوميّة رئيسيّة في البلاد، واللغة الكرديّة رسميّة إلى جانب العربيّة في مناطق الحكم الذاتيّ الكُرديّ. تقدّم الدستور بشكلٍ أقوى بعد الاحتلال الأمريكيّ للعراق. صار اسم منطقة الحكم الذاتي إقليم كردستان- العراق، لها برلمان ورئيس إقليم وجيش خاص ومناطق مُتنازع عليها مع المركز.
على العكس من ذلك، كانت الدساتير والقوانين السوريّة والتركيّة دساتير طاردة للوجود الكرديّ فيها ولوجود جغرافية كردستان. تلك الدساتير صيغت بنفسٍ عرقي عربي وتركي فكان يُنظر إلى الكُرد فيها كجزء من الهويّة العربيّة والتركيّة. في سوريا كانت الأسماء باللغة الكُرديّة محرّمة دستوريّاً، والموسيقى واللباس والفولكلور واللغة والهويّة، كلّها محرّمة وفق الدستور. كان النسيج السوريّ يُعرّف بأنّ الكُرد هم عربٌ سوريون أصلاء.
يمكن أن نعرّف طغيان بغداد تجاه أكراد العراق بالطغيان الايجابي إذا جاز التعبير، وهذا عكس ما مورس ضدهم في سوريا وتركيا وإيران أصحاب الطغيان السلبيّ. فقد ظلّت الدول الثلاث وتكرّس الصهر القوميّ والنفيّ والتدمير تجاه الكرد وهويتهم القوميّة دون الاعتراف بوجود هذه الهويّة في الأساس. أمّا العراق فمارس القتل والتدمير وكلّ أشكال الجرائم، لكن مع الاعتراف بوجود قوميّة كرديّة وبشراكة هذه القوميّة في تكوين هويات البلاد. هويّة تُحكَم لا تَحكُم.
والنتيجة أنّ “عيراق”، كما يكتبها الكُرد في العراق، صدام حسين وعبد الكريم قاسم ونوري المالكي أفضل من سوريا الأسد وتركيا الأردوغانيّة وإيران الخامنئي من جهة الاعتراف بالقوميّة الكرديّة وكردستان. العراق، حكومتها، أفضل الأعداء السيئين للكُرد ولكردستان.
يقود الحديث باللغة الكرديّة في المدرسة والجامعة في سوريا إلى الرسوب الحتميّ، واعتبار المتحدّث خطراً على أمن الدولة السوريّة. في المستوى ذاته، صار عدم التمكّن من الحديث باللغة الكرديّة في المدرسة والجامعة في العراق يقود إلى الرسوب الحتميّ كونها لغة إجبارية.

 

إقرأ أيضاً:

تحية من كردي إلى اللغة العربية

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

شربل الخوري – صحافي لبناني
ما قصة التضامن من خلال الجثو على قدم واحدة وكيف بدأت؟
باسكال صوما – صحافية لبنانية
يبدو “قانون قيصر” كأنه الضربة الأخيرة للنظام السوري وداعميه ومموليه، مع استمرار الشكوك حول إذا ما كانت بالفعل ضربة قاتلة، أم أنها ستدخل تاريخ المساومات والمراوغات…
ماريا جميل – صحافية سورية
“اللبنانيون يكرهوننا، نحن السوريين، أنا آسفة للغاية لأنك مضطرة لمواجهة ذلك”. لم تنجح هذه الكلمات قط في مواساتي. من هم هؤلاء اللبنانيون والسوريون المبهمون الذين يحاربون بعضهم بعضاً، وأين مكاني في هذه الثنائية؟
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
إذا كانت عبارة “لا أستطيع التنفس” هي العبارة التي تقودها التحركات الغاضبة اليوم في الشوارع الأميركية ضد العنصرية، فلا أحد في الشارع العربي يجرؤ على إطلاق مثل هذه الصرخة.
خالد منصور- كاتب مصري
يظهر لنا الغضب في مينيابوليس ومدن أميركية أخرى من جديد عمق العداء المتفشي للسود. هذه الخصومة العميقة تنبع من قلب الاجتماع الأميركي بل كانت عاملاً مؤسساً للولايات المتحدة حيث السود لم يصبحوا أبداً من البشر!
باسكال صوما – صحافية لبنانية
من نكد الدهر أن يُطرح قانون العفو العام في البرلمان اللبناني قبل طرح قضية استقلالية القضاء وقبل رفع أيدي الزعماء السياسيين عن المحاكمات.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني