fbpx

مقدونيا : قصة نجاح نادرة في البلقان فهل تلهم دول الشرق الأوسط؟

المقصود هنا الدولة التي كانت تعتبر منذ مطلع القرن العشرين "تفاحة الشر" و "برميل البارود"، لكثرة ما أثارت من النزاعات بين الدول المجاورة (بلغاريا واليونان وصربيا وألبانيا) وتدخلات الدول الكبرى. وهذه المفارقات انعكست في حرب البلقان الثانية (1913)

المقصود هنا  الدولة التي كانت تعتبر منذ مطلع القرن العشرين “تفاحة الشر” و “برميل البارود”، لكثرة ما أثارت من النزاعات بين الدول المجاورة (بلغاريا واليونان وصربيا وألبانيا) وتدخلات الدول الكبرى. وهذه المفارقات انعكست في حرب البلقان الثانية (1913)، وفي الحربين العالميتين، إلى أن أصبحت مقدونيا إحدى جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي في 1945 واستقلت عنه في1991، ومن ثم تم قبول مقدونيا في الأمم المتحدة بـ “اسم مؤقت فيروم FYROM (اختصار “جمهورية مقدونيا اليوغسلافية السابقة”)، وذلك بسبب اعتراض اليونان المجاورة على اسم مقدونيا، الذي تعتبره من تراثها القومي ولا تسمح لدولة أخرى أن تدّعيه لنفسها .
ومع أن العاصمة المقدونية سكوبيه، كانت حتى انتهاء الحكم العثماني في البلقان (1912) مركزاً لولاية كوسوفو التي تضم خليطا من السكان والأديان (السلاف الأرثوذكس والألبان المسلمون والصرب والأتراك الخ)، إلا أن الايديولوجية القومية المسلحة بخرائط الماضي، جعلت من كل دولة قومية تطمح إلى أن تكون  مقدونيا جزءا منها . فالاسم (مقدونيا) كان يكفي لكي تطالب بها اليونان، كما أن بلغاريا كانت تعتبرها قلب الامبراطورية البلغارية في القرون الوسطى، وكذلك الأمر مع صربيا التي توج ملكها دوشان في سكوبيه عام 1448 “امبراطور الصرب والبلغار واليونان والألبان”.
من هنا ولدت الجمهورية المستقلة وسط تحديات كبيرة على رأسها رفض اليونان لها، والحصار الاقتصادي باعتبار أن ميناء سالونيك كان المنفذ البحري لها ، ثم تفاقم النزاع بين المكوّنين الأساسيين (السلاف الارثوذكس والألبان المسلمون) في تسعينات القرن الماضي، حتى وصل إلى حافة الحرب الأهلية في 1999-2000 التي تم تفاديها بتدخل سريع وقوي للاتحاد الأوروبي،  ومن خلال فرض “اتفاقية اوهريد” على الطرفين التي أرست مبدأ الشراكة في الحكم.
ومع أن “اتفاقية أوهريد” ألغت اللجوء إلى النزاع المسلح كحل للمشاكل، إلا أن تباعد المواقف بين الطرفين بقي يسمح بمشاكل عديدة حول فهم هوية الدولة والمواطنة والشراكة. فمقدونيا بحدودها الحالية، جزء صغير من مقدونيا التاريخية، وهي بمكوناتها الإثنية لاعلاقة لها بمقدونيا الاسكندر الكبير، حيث أن السلاف والألبان والأتراك حلّوا محل السكان القدماء . وفي حين كانت صوفيا تموّل الحركة القومية في مقدونيا في نهايات الحكم العثماني لكي تصبح لاحقا جزءا من “بلغاريا الكبرى”، كانت بلغراد تطلق على هذه المنطقة اسم “صربيا الجنوبية” وتسعى بدورها لكي تكون جزءا من “صربيا الكبرى” ، وكذلك الأمر مع الألبان و”ألبانيا الكبرى”.
وفي الحقيقة ولدت الجمهورية الجديدة ضمن الإطار اليوغسلافي في 1945 بحدود مصطنعة، جمعت بين السلاف الأقرب إلى البلغار في الشرق، والألبان في الغرب الذين كانوا جزءا من ولاية كوسوفو العثمانية، لكي تصبح “دولة قومية للأمة المقدونية. هذا الأمر أثار انزعاج بلغاريا التي تعتبر السلاف في هذه الجمهورية جزءا من الأمة البلغارية، وانزعاج اليونان بسبب اسم الجمهورية الذي تعتبره من تراثها القومي . ولكن القيادة السياسية للجمهورية الجديدة سعت بدعم من المركز (تيتو)، لجعل السكان ينسجمون بالتدريج مع هذه “الدولة القومية”، وذلك بالضغط على الألبان والأتراك للهجرة من البلاد طيلة خمسينات وستينات القرن الماضي مما أوجد أغلبية سلافية مقدونية وأقلية ألبانية مقدونية .
ولكن بعد الاستقلال والتحول إلى الديموقراطية اختلف الوضع وبدأ الألبان (20-25% )، يطالبون بالمشاركة وبالدولة المدنية (عوضا عن القومية الواحدة)، ووجد من يدعمهم في الجوار والخارج لاعتبارات تتعلق بـ “لعبة الأمم”، وصولا إلى اندلاع النزاع المسلح في 1999 . ومع تدخل الاتحاد الأوروبي وفرض “اتفاقية أوهريد”،التي نصّت على تعديلات دستورية وإصلاحات قانونية في اتجاه “دولة المواطنة”، بقيت الخلافات قائمة بشأن كيفية تحقيق ذلك على أرض الواقع من خلال القوانين بين الأحزاب التي تمثل الطرفين أو التي تمثل اليمين واليسار .
في غضون ذلك  كان الحزب القومي اليميني “الاتحاد الديموقراطي للوحدة القومية المقدونية ” برئاسة نيقولا غرويفسكي، يلعب بورقة الخوف على فقدان الغالبية السلافية على امتيازاته،ا للفوز في الانتخابات والاستمرار في الحكم خلال 2007-2016 ويستفز اليونان  بإقامة تمثال ضخم للاسكندر الكبير في قلب العاصمة سكوبيه وإطلاق اسمه على مطار سكوبيه ، مما جمّد تماما أي حل لمشكلة الاسم الرسمي لهذه الجمهورية التي بقيت بـ “اسم مؤقت” (فيروم) منذ 1991، كما جمّد أي تقدم لهذه الدولة باتجاه الاتحاد الأوروبي مع وجود الفيتو اليوناني .
ولكن السنوات الأخيرة كشفت عن فساد كبير وحتى عن دولة موازية تحت الأرض تتقنّع بالايديولوجية القومية، وهو ما أطلق المظاهرات الاحتجاجية منذ 2015 وأعاد الزخم لليسار الممثل في “الاتحاد الديمقراطي الاشتراكي”، برئاسة الزعيم الشاب زوران زائيف الذي تمكن من الفوز في الانتخابات المبكرة  في نهاية 2016 ليشكل في 2017 حكومة ائتلافية مع الأحزاب الألبانية، أطلقت الأمل في تحول “برميل البارود” إلى “سويسرا البلقان” .
في هذا الإطار ستكون 2018 سنة تاريخية لأنها ستشهد تكريس تفاهم داخلي بين المكوّنين الرئيسيين في الداخل، وإقرار اتفاق تاريخي مع اليونان يسمح باعتماد اسم جديد للدولة، “جمهورية مقدونيا الشمالية”، أو “جمهورية مقدونيا الجديد”، وإطلاق مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي قد تسمح بإخراج هذه الدولة الغنية بمواردها من عزلتها ومشاكلها، التي جعلتها في مؤخرة القطار البلقاني المتجه إلى بروكسل.
في هذا السياق يمكن إعتبار مطلع عام ٢٠١٨ بداية تاريخية، بعد أن أقر البرلمان في العاصمة سكوبيه القانون الجديد الذي جعل الألبانية لغة ثانية في الدولة، على الرغم من تصعيد اليمين لمخاوف الشارع، على اعتبار أن هذا يهدد الدولة بالانقسام من خلال الفدرلة. وعلى العكس من ذلك، فإن هذا القانون هو البديل عن الفدرلة وهو التعبير عن وحدة الدولة مع الاعتراف بمكوناتها الاثنية والثقافية، وهو ما يمكن أن يكون ملهما لبعض دول الشرق الأوسط مثل تركيا والعراق وسوريا فيما يتعلق بالأكراد .
في انتظار المزيد من الاستقرار، الذي يسمح بإجراء إحصاء سكاني حسب المعايير المهنية، أي بدون تزوير أو تلاعب بالأرقام ، فقد أخذ القانون الجديد بواقع أن الألبان يشكلون أكثر من 20% من سكان الدولة وبالتالي تصبح الألبانية لغة رسمية ثانية في الدولة . ولكن بسبب تصعيد اليمين للشارع ومقاطعته للجلسة التي تم فيها إقرار القانون الجديد بـ 69 صوتاً من أصل 120، فإن القانون الجديد جاء ليمثل الروح البراغماتية، التي تتفهم تركة الماضي وتتطلع إلى المستقبل ، ومن هنا الفرق بين “اللغة الوطنية” و “اللغة الموازية” و “اللغة الرسمية” و “اللغة الثانية” . صحيح أن القانون الجديد لم يرض بعض المتشددين في الطرف الألباني ولكن هذا أقصى ما يمكن أن تسمح به الظروف بعد عقود من النزاعات.
وهكذا وبحسب القانون الجديد، سيصبح في الإمكان استخدام الألبانية سواء في الحديث أو في النصوص في الحكومة وفي البرلمان (إذا كان رئيس الجلسة ألبانيا) وفي أجهزة الحكومة والمؤسسات . وعلى الرغم من هذه الوضعية الجديدة للغة الألبانية في البرلمان والحكومة والمؤسسات العامة، إلا أن القانون قيّد ذلك في المحافظات التي يشكل فيها الألبان أكثر من 20%، أي في “مقدونيا الغربية”، ذات الغالبية الألبانية التي تضم العاصمة سكوبيه أيضا. ومن هنا فإن الألبانية ستكون حاضرة في المحاكم وأجهزة الحكم والمدارس والجامعات  وأزياء الشرطة والإطفاء ولوحات المؤسسات وإشارات الطرق في المحافظات، التي يشكل فيها الألبان أكثر من 20% من السكان ، ولكنها لن تكون حاضرة في أوراق النقد . وبدلا من ذلك ستحمل أوراق النقد الجديدة رموزا تدل على الحضور الألباني التاريخي في هذه الدولة . أما فيما يتعلق بالأقليات الصغيرة على مستوى الدولة ، كثل الأتراك (حوالي 4%) و الغجر (حوالي 3% والصرب (حوالي 2%) ، فيمكن أن تتمتع بحق استخدام لغاتها إذا شكلت 20% في أية محافظة .
لاشك  أن هذا القانون يمثل قطيعة مع الماضي الايديولوجي، والمفهوم الأحادي للدولة، ولذلك لن يمر بسهولة ولن يكتمل تطبيقه بسرعة . ومن هنا فقد منح القانون أجهزة ومؤسسات الدولة ستة شهور حتى تتكيف مع هذا القانون وتطبقه ، وإلا تتعرض المؤسسة إلى غرامة مالية تتراوح بين4-5 آلاف يورو في حال التخلف عن تطبيقه .
هل يفيدنا هذا بشيء في الشرق الأوسط!
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني