fbpx

قصة مكان : قصة تدوين الوقائع السورية

يحلو لي أنْ أبْدَأ القصَّةَ من أوَّلِها... لا كسلًا أفْعَلُ، ولا قِلَّةَ همَّةٍ، ولا تَهَرُّبًا مِنْ الإحراجاتِ التي ليسَ لكتابٍ يتصدّى لتدوين الوقائع السورية بين 2011 و2015 من وُجْهَةِ نَظَرِ «الثورة» أنْ يخْلو مِنها. ثُمَّ كلّا، لا أفعلُ لأنَّ ما سَوْفَ أقُصُّهُ عليكم هو «الحقيقة»، وإنما لأنَّ هذه الحَقيقةَ تُغازِلُ الخَيال!

يحلو لي أنْ أبْدَأ القصَّةَ من أوَّلِها… لا كسلًا أفْعَلُ، ولا قِلَّةَ همَّةٍ، ولا تَهَرُّبًا مِنْ الإحراجاتِ التي ليسَ لكتابٍ يتصدّى لتدوين الوقائع السورية بين 2011 و2015 من وُجْهَةِ نَظَرِ «الثورة» أنْ يخْلو مِنها. ثُمَّ كلّا، لا أفعلُ لأنَّ ما سَوْفَ أقُصُّهُ عليكم هو «الحقيقة»، وإنما لأنَّ هذه الحَقيقةَ تُغازِلُ الخَيال!  
شأنُ الكتابِ، أيَّ كتاب أعني، أنْ يُقْرَأَ ــ بكلام أوضح: أن يُسْتَهلكَ من طريقِ القراءة… وهذا ما كان مني يومَ أنْ تَناوَلْتُ «قصَّة مكان قِصَّة إنسان».
أقولُ ما أعني وأعني ما أقول: حَمَلْتُ على مَحْمَلِ الجَدِّ أنَّ هذا الكتابَ يُقْرَأ فَقَرَأت. قَرَأْتُ المقدمةَ، واسْتَوْقَفَني فيها ما استوقفني، وقرأتُ إدلبَ، الفصل الأوَّلَ من الكتاب، وقرأتُ بابا عمرو، الفصلَ الثاني، وبانياس، الفصلَ الثالثَ، ولعلي وصلتُ في قراءتي إلى تدمر، (الفصلِ الثامنِ منه)، أو لعلي وصلتُ إلى الحَسَكَةِ (الفصلِ الثاني عَشَرَ)، عندما كُشِفَ لي، نعم كُشِفَ لي كما يكون لأهل العرفان، «ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها»، أنني، في الحَقيقةِ، لا أقرأ وإنما أشاهِدُ، وأنَّ صفحاتِ الكتابِ الذي بين يدي تَطَّرِدُ وتتوالى، صورًا ومشاهِد، لا أزداد معها عِلمًا بما كان ــ بما كان هنا أو كان هناك أو هنالك ــ مِقْدارَ ما أزدادُ دهشةً بأنَّ الناسَ، أبطالَ هذه القصَّةِ، إذ لا قِصَّةَ بلا أبطال، ــ بأنَّ هؤلاء الناسَ صبروا على كلِّ هذا الاطِّرادِ والتوالي ــ وليسَ أيَّ صبرٍ وإنَّما صَبْرُ المجتهدِ المواظِبِ المثابِرِ الذي لا يأخُذُه في عمله تكاسُلٌ أو تَثاقُلٌ أو فُتور …
أٌجامِلُ، بل أكْذِبُ، إنْ زعمت بأنَّني قرأتُ هذا الكتاب، بل أتحدّى كائِنًا من كان بأنْ يَقْرَأَهُ، أو بأنْ يزعم بأنَّه قد قرأه، بَيْدَ أنني لا أُجافي الحقيقةَ في شيءٍ إنْ قلتُ بأنني قضيتُ ساعاتٍ أُشاهِدُ حَلْقاتِه، بالمعنى «المُسَلْسَلِيِّ»، إنْ جازت النِّسبَةُ… ولمَ لا تجوز! ــ مشاهدةَ العابِثِ الذي لا يتورَّع، في مقعده الوثير، مِنَ التَّحَكُّمِ، مِنْ بعيد، بما يَعْبُرُ أمامَه على الشّاشَة، وأسيحُ، على غير هدى، بين البلدانِ السّوريَّةِ، المشهور منها والمغمور، التي يسرد الكتابُ سيرَتها بين مطالِـعِ الثَّوْرَةِ وخواتيمِ عامها الرّابع.
وإذ هو كذلك فلسببٍ وجيهِ مفادُهُ أن الكتابَ لا يُخفي خِطَّتَه على القارئ: فكلُّ فصل من فصوله الخمسين، على ما يأتي في المقدمة، «يبدأ بتقديم لمحة عن المكان [المعني] ثم يتم توثيق الأشهر الأولى من الثَّورة» ويلي ذلك «توثيق رد فعل النظام [و] تحديد تاريخ بدء ظهور العمليات الحربية/العسكرية» ويُخْتَمُ، كُلُّ فصل، بما في سجل المكان المعني من أعمال «الحراك السلمي» الإعلامية والثقافية والفنية، ويُغْلَقُ على «عدد الضحايا والمعتقلين».
ولأن الكتابَ لا يُخفي خطته، ولا يملك أصْلًا أن يخفيها نزولًا عند قواعِد اللعبة التوثيقيَّة ــ وأصرُّ على أنَّ في التَّوثيقِ شيئًا من اللَّعِبِ والدَّد ــ  لا يَسَعُ القارئَ/المشاهِدَ إلّا أن يخترع لنفسه، الفَصْلَ تلو الفصل، الحَبْكَةَ/الحَبْكات التي يرتأي ويشاء.
من إدْلِبَ إلى يبرود، بالترتيب الألفبائي لأسماء الأمكنة التي يَقُصَّ الكتابُ سيرتها، مُحاولًا من خلال هذه السِّيَرِ أنْ يَقُصَّ أثَرَ «ثورة» تبدَّدَت، كما تَـتَبّدَّدُ الثوراتُ غير مأسوفٍ عَليها، في البدء كانَ المُظاهرة! والمظاهرةُ من سِفر التكوين هذا هي الكلمة ــ الكلمة التي لا تكتملُ إلّا بأن تُضافَ إلى كلمة أخرى وهكذا دواليك. وهذا ما يكون في سيرة المعظم من أمكنة الكتاب الخمسين: مظاهرةٌ فقتيلٌ يَستنفِرُ تشييعه إلى مثواه الأخيرِ مظاهرةً أحْشَدَ وأغْضَبَ، فقتلى فمظاهراتٌ وهكذا دواليك إلى أن يتبرَّع جماعةٌ من المدنيين بالانشقاقِ عن المتظاهرين بحجة حمايتهم، ويأتلفون في جماعة مسلحة، أو، إلى أن يتبرع جماعة من العسكريين بالانشقاقِ عن الجسم الذي كانوا عضوًا من أعضائه ويلتحقون بجماعة المدنيين مع الحرص على الاحتفاظِ برتبهم.
عندها، في لحظة الانشقاقِ هذه، سِيّان سبق إليها مدنيون هنا أو عسكريون هناك، تنتهي قصةٌ وتبدأ قصة أخرى من الواضح، بِشهادةِ الكِتاب ــ ومن المفهومِ بلا شهادةٍ من كتابٍ أو مِنْ أحدٍ ــ بأنَّها أحرج على السَّرد، وأحيانًا، أشق. فعند هذا الحَدِّ تنتهي «الثَّوْرَةُ» ويبدأ شيءٌ آخَرُ لا عَجَبَ أنْ تَبْدوَ تَسْمِيَتُهُ باسْمِهِ افتراءً على الثَّورة: الحَرب (الأهلية)…   
ما تقدم نموذج من الحبكة/الحبكات التي تدعو إليها المطالعة في هذا الكتاب قراءة أو مشاهدة (أو حتى استماعًا حيث إنَّ الكتاب يَضِجُّ بالأصواتِ والهتاف والأزيز والانفجارات).
وكَشأنِ الحبكةِ المُحْكَمَةِ، فما إنْ يُزَيَّنَ للمُتَصَدّي لِفَكِّها بأنَّهُ وَجَدَ طرفَ الخيط، حتى ينعقد طرفُ الخيط هذا على حبكة/حبكات ثانية وهكذا. مرات قليلة، (حماة مثلًا والقابون)، تَرْفَعُ «اللمحةُ» التي تُقَدِّمُ للمكانِ المعني نَسَبَ المُظاهرةِ الابتدائيَّة، مظاهرة 2011، إلى مظاهراتٍ أو احتجاجات سابقة؛ وإذ تُكْتَبُ هذه النَّزاهةُ في حسناتِ الكتاب، فإنَّ «وَضاعَةَ نَسَبِ» مظاهرات 2011، بمقدارِ ما تُثْبِتُ، وتؤكِّدُ، أنَّ لهذه المظاهراتِ، من السوريين الذين شاركوا فيها، مَحَلَّ الكلمةِ من فِعْلِ الابتداء فهي تقول، أيْضًا وأيْضًا، إنَّ غايَةَ هذه الكلمةِ أنْ تَصْدَعَ بين ما قبلها وما بعدها صَدْعًا لا تَمْلِكُ، هي، أن تملأه بالكامل ولا أن تتحَكَّم بما قد يمتلىء به. ولا عجب في ذلك ولا من يعجبون: حتى اللَّـهُ الذي قال «كن» فكانت الخليقة لم يستطع، مِنْ بعد أن قالَ الكلمةَ الفَصْلَ، أنْ يُوصِدَ الباب بوجه «الشَّرّ» وأن يحفظ عياله من الوقوع فيه، بل من الاتجار فيه.
لا أريد من قولي هذا، ومن مضاهاةِ المظاهرات التي بدأت الثورة بالـ«كُن» الإلهية أن أخَفِّفَ عن أصدقائي السوريين والسوريات الذين لا يكادون أن يملكوا، اليومَ، لبلدهم ضَرًّا ولا نَفْعًا بل أنْ أمتدح في فِعْلِ التَّوْثيقِ، طالما استوفى هذا الفعل الحدود الدنيا من شروط النزاهة، ما يُـمْكِنُ أن يترتب عليه من رمياتٍ لا رام لها.
مع المظاهرة الأولى، أو بعدها بقليل، يسقُط القتيل الأول. تمييزًا لَهُ عَمَّنْ يليه من القتلى، واعترافًا له بالـ «سَبْقِ» إلى الموت، ولو الموت قتلًا وغيلة، يَخُصُّهُ الكتابُ برتبة «شهيد» مكتفِيًا للآخرين، جميعًا، برتبة «ضحية». لا يعنيني، في الحقيقة، أن أُسائِلَ هذا الخِيارَ «الطَّبَقِيَّ» في ترتيب القتلى تحت عنوانِ سَدادِه أو عَدْلِه بل يعنيني منه ما يَشي بِهِ مِنْ شعور بالدَّيْنِ لهذا الفلانِ، (أو لهذه الفلانَةِ)، الذي لولاه/لولاها لما اسْتَخْرَجَتِ المظاهرةُ الثانيةُ، مِنْ تردُّدِهِم ومن بيوتهم، عددًا أكبرَ من الناسِ للمُشاركة فيها. بهذا المعنى، نعم، لا يُشْبِهُ القَتيلُ البِكْرِيُّ من يليه من قتلى؛ فهو، دونهم جميعًا، مَنْ يأتي بالبرهانِ على أنَّ المظاهرةَ كلمةٌ لا نوبةَ غضبٍ عابرة، بل قل: مَنْ يأتي بالبرهانِ على أنَّ المظاهرةَ بشارةٌ تُدَشِّنُ زمنًا يفترض به أن يكون جديدًا.
تتوالى المظاهرات ويتوالى سقوط القتلى ولا يأتي الملكوت فَيَهُبُّ مَنْ يَدَّعي بأنَّ لديه الوَصْفَةَ السِّحْرِيَّةَ التي تُسَرِّعُ مَجِيءَ الملكوت، فيضغطُ على الزِّنادِ دفاعًا عن المُظاهراتِ وترجمةً لما يُريده شعب المتظاهرين، وإذ يُسْرِعُ «القِتالُ» ــ والقتالُ هنا هو الضِّدُّ مِنَ «القَتْلِ الحَميدِ» الذي سَقَطَ معه «الشهيدُ» مضرجًا بدمائه ــ الشهيد بالمعنى المذكور أعلاه طبعًا ــ أقول: وإذ يُسْرِعُ «القِتالُ» إلى السّاحَةِ، ويَحْتَلُّها، لا يبقى من محل، بالمعنى الحرفي للكلمة، للتَّظاهُرِ فيأوي المتظاهرون إلى مساكنهم ولكِنْ هَيهات أنْ تمنع المساكِنُ أهلها أو ألّا تضيقَ بهم… بَلْ تَضيقُ فَتَدَعُ لِباطِنِ الأرضِ أن يفترسَ «الضحايا» وتُبَعْثِرُ الأحياء منهم أيدي سبأ.
الأرجح أيْضًا أنَّني أسأت استعمالَ الحريةِ التي تُنْعِمُ بها القراءة/المشاهدة فقرأت، في هذا الكتاب، وشاهدت، ما يَستجيبُ لِوَساوِسي وهَواجِسي، ولا أخفيكم أنها وساوس، وهواجس، «لبناني» لا يَفْهَمُ، حتى السّاعة، أو لربما لا يُريدُ أن يفهم، كيف فاتَ «السوريين»، يوم خرجوا على «النِّظام»، نِظامِهِم، أن هذا النِّظام، بشهادة عُقودٍ من الحربِ والسِّلْمِ اللبنانِيَّيْنِ كانت له يد طولى فيهما، أستاذٌ في الحروب الأهلية…
أعرف أنَّ حديث «الحَرْبِ الأهليَّة» لا يَروق لكثير من «السوريين»، وأنَّ الحنين إلى «الثورة»، كالهوى، غلّاب، ولكن أعرف أيْضًا، وهذا الكتاب أمْثولَةٌ على ذلك، أنَّ كتابَةَ الحنينِ أوَّلُ الشِّفاء منه!
*قصة مكان قصة إنسان : بدايات الثورة السورية 2011 ـ 2015
كتاب صادر عن موقع الذاكرة الإبداعية للثورة السورية ومؤسسة فريدريش إيبرت – بيروت 2017

 

 
      
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني