fbpx

ماذا تبقى من الأمازيغية في تونس؟

"أنتم لستم عرباً، أنتم أمازيغ" هكذا غرّد مواطنون إماراتيون في إطار مناوشات افتراضية بينهم وبين ناشطين من تونس، على خلفية إشكال حدث مؤخراً بسبب قيام دولة الإمارات المتحدة بإصدار قرار يقضي بمنع التونسيات من دخول أراضيها. النقاش سرعان ما تحول إلى معركة استخدمت فيها لفظة "الأمازيغية" كشتيمة عرقية وعنصرية من طرف أفراء إماراتيين، قابلتها ردود تونسية عالية النبرة.

“أنتم لستم عرباً، أنتم أمازيغ” هكذا غرّد مواطنون إماراتيون في إطار مناوشات افتراضية بينهم وبين أفراد من تونس، على خلفية إشكال حدث مؤخراً بسبب قيام دولة الإمارات المتحدة بإصدار قرار يقضي بمنع التونسيات من دخول أراضيها. النقاش سرعان ما تحول إلى معركة استخدمت فيها لفظة “الأمازيغية” كشتيمة عرقية وعنصرية من طرف أفراد إماراتيين قابلتها تونسية عالية النبرة.
“تونس عربية أم أمازيغية”، هو تساؤل متكرر تفرزه الأحداث العرضية دورياً، ويأخذ حيزاً من النقاشات السياسية عبر وسائل الإعلام أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليختفي ثم يعود من جديد دون أن يحفر عميقاً في أصل وتبعات هذا الإشكال. البعض يرى أنه موضوع تجاوزه التاريخ، ولا يصل في تونس إلى مستوى “المشكل” ،عكس ما هو حاصل في الجزائر والمغرب، نظراً لتقهقر أعداد الناطقين باللغة الأمازيغية، واندماج قراهم الصغيرة التي تتواجد أغلبها في بعض مناطق الجنوب التونسي مع محيطها، من خلال تعلمهم للغة العربية، واستخدامها كلغة ثانية أساسية.
صحيح أن القراءات التاريخية مختلفة، ولكن تتفق جميعها على أن العرب جاؤوا من الجزيرة العربية إلى تونس سنة 647 م في إطار الفتوحات الإسلامية، ووجدوا مقاومة كبيرة من “البربر” (الأمازيغ) السكان الأصليين لتونس، قبل أن ينجحوا في السيطرة عليها ونشر الإسلام واللغة العربية فيها. ويعتبر بعض التوانسة اليوم، أنهم ضحية “الاحتلال” العربي لتونس، في حين يعتز آخرون بهذا التعريب لأسباب دينية، حيث يرون أن الدين أهم من العرق، وهو ما تم لاحقاً تأكيده في الفصل الأول من دستور تونس الجديد، الذي ينص على أن “تونس دولة حرّة، الإسلام دينها، والعربية لغتها”.
الحديث عن الهوية في تونس يحدث بشكل هادئ وبحسب المناسبات حسب رأي الكاتب الصحافي الهادي يحمد، الذي يؤكد في تصريح لـ “درج”، أن “هذا الصراع يقع استخدامه أحياناً لغايات سياسية”، ويوضّح يحمد بالقول، “هناك صراع هوية في تونس، البعد الأمازيغي / العربي خافت ولا يمثل قطب الصراع. الصراع هو بين أنصار الدولة المدنية العلمانية وأنصار الدولة الدينية المحافظة. مشكلة الهوية التونسية تتخذ أدوات وتفرعاتها للصراع الأصلي الذي ذكرته آنفاً. بمعنى أن هناك جمهور واسع من المثقفين والنخب التونسية، ممن يركزون على الهويات المتعددة المشكّلة للشخصية التونسية، من أجل إضعاف حجج التيار الهوياتي العروبي الإسلامي الذي يركز على عنصر واحد ويعتبره رئيسي لهوية التونسي”.
ويعتبر الصحافي في جريدة، المغرب، حسان العيادي، من أهم المدافعين عن الثقافة الأمازيغية في تونس، ومن المنادين بالمحافظة عليها وإحيائها. وفي حديث له مع “درج”، يقول العيادي، إن “ملف الأمازيغ في تونس من الملفات المسكوت عنها بتوافق بين أجهزة الدولة والأحزاب والنقابات، فمنذ الاستقلال، أُلبست تونس جبة “العروبة”، وباتت عربية الأصل واللغة والعرق، وفق الرواية الرسمية التي تقول، إن تاريخنا ينطلق منذ 820 قبل الميلاد. رواية جعلت التونسيين يؤمنون أنهم عرب وأن أجدادهم كانوا من ناشري الإسلام، وهذا تحت تأثير المناهج الدراسية والخطاب الرسمي للدولة، التي أرادت بعد الاستقلال أن تخلق هوية زائفة لتونس، مع تجنب الصدام مع النزعة القومية العربية، التي انتشرت في المنطقة لهذا اختارت أن تؤصل الهوية العربية لتونس وتدافع عنها. لكن الحقيقة بعيدة عن كل هذا، فتونس جزء من أرض تامازغا، وسكانها الأصليين من الأمازيغ. قبل وبعد كل عملية استعمار تعرضت لها، حافظت تونس على هويتها الأمازيغية إلى غاية سنة 1700 م، لتكون العربية لغة الدولة والعبادة أما المنطوق اليومي فكان الامازغية بكل لهجاتها”.
وحول واقع الأمازيغ والأمازيغيين اليوم في تونس، يوضّح العيادي، “اليوم تبقّى في تونس حوالي 500 ألف ناطق بالأمازيغية ينتشرون في أحياء محددة بالعاصمة تونس وفي مدن متفرقة على غرار السند في قفصة، تكروان في زغوان، الزريبة البيضاء أو القديمة في تمزرط، ومطماطة وشنيني وعشرات القرى الصغيرة المنتشرة في تونس. هي قرى صمدت أمام عمليات التعريب التي قادتها الدولة والوزير الأول السابق محمد مزالي، الذي يعتبر أب تعريب تونس ما بعد الاستقلال، حيث انتهج سياسة تقوم على إجبار سكان القرى الأمازيغية الجبلية، على ترك منازلهم واستيطان مدن جديدة لإعادة تحديد هويتهم على أنهم عرب”.
العيادي تحدّث أيضاً عن إشكال قانوني حيث أكّد أنّه، “قانونياً لا تعترف تونس بالجذور الأمازيغية ولا بالثقافة الأمازيغية، وهو ما يمثل عقبة أمام بعض الناشطين من أجل إحياء الثقافة الأمازيغية، باعتبار أن عدم الاعتراف اقترن بمنع التحركات التي تهدف إلى الإقرار بالهوية الأمازيغية لتونس، وكتابة التاريخ الرسمي بمصداقية وتجاوز أكذوبة أن تونس كانت أرضاً قاحلة جرداء، قبل دخول الفينيقيين. ومن الطريف أيضاً أن التصرفات الفردية لأعوان الدولة وأجهزتها. هي ما يمثل عائقاً، أمام تواصل الامتداد الروحي للجذور البربرية، فعدد من ضباط الحالة المدنية يرفضون أحياناً تسجيل المواليد بأسماء أمازيغية”.
من جهة أخرى يرى الصحافي والناشط السياسي، سميح الباجي، أن الحديث عن إلغاء متعمد للهوية الأمازيغية فيه الكثير من المبالغة ويوضّح بالقول، “أولاً الحديث عن عمليّة طمس فيه الكثير من التجنّي، حيث لم تشهد البلاد عمليّة تصفية ممنهجة للإرث الأمازيغي، الذّي ما يزال حاضراً في العديد من مناطق البلاد خصوصاً في الجنوب التونسي. بل يقع دعمه واستثماره على المستوى السياحي. ولا توجد مساع رسمية اليوم لاستهداف التاريخ الأمازيغي للبلاد، لكن قد أوافق نسبياً الرأي القائل بأن المسألة سياسيّة بامتياز في مرحلة ما بعد الاستقلال وبناء الدولة، أو المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الموحدّة، حيث تمّ تهميش الإرث الأمازيغي واللغة الأمازيغيّة خلال تلك السنوات. ولكنني أعتقد أنّ المسألة لم تصل إلى حدّ وضع سياسة رسمية ممنهجة للطمس أو الإلغاء بقدر ما هي تجاهل أو جهل”.
ويضيف الباجي، “لا بدّ من الحذر من مثل هذه الدعوات التي توجه النقاش نحو التقسيم وتأجيج الحقد واستحضار معارك السالفين وتوظيفها اليوم لخلق نقاشات جانبيّة. ردّ الاعتبار والتعريف بإرث البلاد وماضيها ومراحل تشكّل الكيانات السياسية والبنى الثقافية التي مرّت بها أمر حتمي لكن من الخطأ توظيفها سياسياً، وتبقى مسألة الهوية مرتبطة بالتوازنات الديمغرافية المتغيّرة خلال القرون السابقة والقادمة وشبكة المصالح السياسية والاقتصادية التي تحدد الانتماء إضافة إلى ضرورة الأخذ بالاعتبار ما تفرزه هذه التوازنات من هيمنة ثقافية متغيّرة”.
“بعيداً عن الصراعات السياسية والعرقية لازالت الجذور الأمازيغية جليّة في تونس، نراها في وشم الجدّات على الجبين، في الملابس التقليدية المزركشة باللونين الذهبي والأحمر، في المصوغ الأمازيغي الذي اعتمده أهمّ مصممي الأزياء في العالم، في زرابي القيروان الفريدة، في اللهجة التونسية المحببة التي يصعب على بقية الشعوب فكّ شفراتها، في أكلات “الكسكسي” و”الزميط” و”الببوش” و”الترفاس” و”البسباس” و”اليازول”، في أهازيج الأعراس التي تتغنى بعودة الفارس إلى الديار سالماً، وفي روح التونسي الذي حرر بلده من الظلم والطغيان، فكلمة أمازيغي تترجم إلى العربية ب”الرجل الحر”، هكذا لخصت “حازّة”، وهي فتاة أمازيغية من مدينة مطاطمة بالجنوب التونسي ،اعتزازها بجذورها وأضافت “لا يمكن قتل الهوية فهي جزء من الروح، فمهما غيرنا الشكل تبقى الروح صامدة”.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني