fbpx

حرب ترامب على الصحافة تتبع خطى موسوليني وهتلر

خلف الجنون والأكاذيب التي حفلت بها سنة ترامب الأولى في الحكم؛ كان قرع الطبول في الخلفية ثابتاً، وراسخاً، ومستمراً. وانكشف في يوم 22 يناير/ كانون الثاني عام 2017، حين أعلنت مستشارة الرئيس كيليان كونواي مصطلح "الحقائق البديلة" للمرة الأولى. إن احتقار دونالد ترامب للغة، والآثار المتنوعة لذلك بدأت قبل ذلك بكثير. لكن هذا المفهوم كان سطحياً، ودرامياً، وصريحاً بشكل لا تطرف له عين لدرجة أنه أسس قواعد للاعتداءات التالية. تماماً كالصافرة الأولى لوابل من قذائف المدفعية التي تشير لبدء معركة ستسفر عن الكثير من الخسائر...

خلف الجنون والأكاذيب التي حفلت بها سنة ترامب الأولى في الحكم؛ كان قرع الطبول في الخلفية ثابتاً، وراسخاً، ومستمراً. وانكشف في يوم 22 يناير/ كانون الثاني عام 2017، حين أعلنت مستشارة الرئيس كيليان كونواي مصطلح “الحقائق البديلة” للمرة الأولى. فاحتقار دونالد ترامب للغة، والآثار المتنوعة لذلك بدت قبل ذلك بكثير. لكن هذا المفهوم كان سطحياً، ودرامياً، وصريحاً بشكل لا تطرف له عين لدرجة أنه أسس قواعد للاعتداءات التالية. تماماً كالصافرة الأولى لوابل من قذائف المدفعية التي تشير لبدء معركة ستسفر عن الكثير من الخسائر. علينا أن نواجه الأمر، لقد اتخذت اللغة الإنجليزية شكلاً عنيفاً منذ ذلك الحين، أصبحت الأكاذيب تتدفق من البيت الأبيض بمعدل مذهل: قدّرت صحيفة “الواشنطن بوست” المزاعم الكاذبة أو المضللة التي قالها ترامب في أول 355 يوم من ولايته بما يزيد على ألفي معلومة بمتوسط خمسة يومياً. قضى ترامب عامين يشيّطن فيهما وسائل الإعلام “غير الصادقة” على حد وصفه، واستطاع إقناع الملايين من الأميركيين، بمساعدة متعصبي اليمين البديل في “بريتبارت”، أن صحيفة “نيويورك تايمز”، و”واشنطن بوست”، و”سي إن إن”، وMSNBC وسائل إعلام مثيرة للفتنة، وتعمد لتدمير وتشويه الرجل الذي انتخبوه.
إنه لمن المفزع كم كان سهلاً له أن يحقق ذلك، ومدى سهولة التشكيك في مصداقية الصحافة المستقلة المهنية، ومن المفزع أيضاً أن أياً مما فعله لم يزعج الحزب الجمهوري. ولنكن واضحين؛ إن حماية استقلال الصحافة ليست مهمة يضطلع بها السياسيون أو العامة، وعلى الرغم من ذلك كان هذا العام قوياً بالنسبة للصحافة، لاثنتين من الجرائد على وجه الخصوص (نيويورك تايمز وواشنطن بوست)، إذا أعادتا تعزيز مكانتهما في مواجهة إساءة استغلال السلطة، مثلما كان الوضع إبان فضيحة أوراق البنتاغون وفضيحة “وُوتر غايت”.

لماذا استطاعت هاتان الجريدتان، على وجه الخصوص، إظهار أفضل ملكات الصحافة الأميركية، من جديد؟ إنه الحظ بقدر ما. أُنقذت “البوست” على يد جيف بيزوس، الذي استطاع برؤوس أمواله استعادة مصادر غرفة الأخبار من جديد. وتحت رئاسة تحرير مارتي بارون، كانوا في موقع يسمح لهم باقتناص الفرصة وتغطية “حكم ترامب” وأعادوا اكتشاف فن التحقيق الاستقصائي من جديد. ومرت “التايمز” بأوقات عصيبة، على نحو مشابه، فقد عانت لتجد نموذجاً جديداً للأعمال يناسب العصر الرقمي ووجدته في النهاية لتعيد غرفة أخبارها بمقر واشنطن إلى الصدارة من جديد. ويؤكد ذلك على مدى هشاشة اعتماد الصحافة على حظوة المتنورين، فملاك هاتين الجريدتين تحديداً، وهما بمثابة صرح قومي في مكانتهم وفاعليتهم، لم يؤثرا على استقلال السياسة التحريرية والسلطة التي يتطلبها هذا المنصب. وعلى جانب آخر، لم تتمتع “وول ستريت جورنال”، بنفس القدر من الصيت، رغم التغطيات الجيدة التي قدمتها على مدار العام؛ وذلك لأن مالكها هو روبرت موردوخ، التابع لترامب بشكل فج. ورغم ذلك لم تنتهِ المعركة بعد، ولن تنتهِ إن لم تُتوخ الحيطة. ولكي ندرك عمق ما نحن فيه، نحتاج سياق أطول مما نراه في التاريخ الحديث، علينا أن ننظر للماضي في تاريخ إيطاليا في العشرينيات وألمانيا في الثلاثينيات. ففي كلا البلدين صعد طاغية، وفي طريقه للاستحواذ على السلطة، عمد للتحقير من الصحافة المستقلة وتدميرها بشكل شديد السهولة. في إيطاليا، وصل بينيتو موسوليني للسلطة في 22 أكتوبر/تشرين الأول 1922. في عمر التاسعة والثلاثين كان رئيس الوزراء الأصغر على الإطلاق، رجل صاحب كاريزما ومليء بالطاقة. كما كان حريصاً أن يتحرك بهدوء، أو يتسلل خلسة على الأغلب، لبناء دولة جديدة غير ليبرالية.

وفي بلد عانت لسنوات من عدم الوحدة، قدم منحى جديداً للقومية: هو نفسه، أن يكون هو “إيطاليا”. وصف البرلمان العاجز بسبب انقسامه الحزبي بأنه “تجمع للحفريات القديمة”. أما سلطات البرلمان وحرية الصحافة فقد سلبت تماماً. قال موسوليني في يوليو/تموز 1924، “في المرات العديدة التي تحدثت فيها إلى الشعب عن قرب، لم يطلبوا مني، أبداً، أن أحررهم من طاغية لم يشعروا بوجوده يوماً؛ لأنه ليس موجوداً. ولكنهم سألوني أن أوفر سكك الحديد، والمنازل، ومصارف المياه، والجسور، ومياه الشرب، والطرق والإنارة”. في ذلك العام، فازت الفاشية بما يزيد على 65 بالمائة من الأصوات في الانتخابات القومية.  وتبدت سيطرة موسوليني الكاملة على السلطة في الثالث من يناير/ كانون الثاني 1925، حين قال “أنا، وأنا فقط من أحدد المسؤولية السياسية والأخلاقية والتاريخية لكل شيء حدث. إن إيطاليا بحاجة للسلام والهدوء، وأن تنعم بالعمل والراحة. وسوف ألبي هذه الاحتياجات بالحب ما أمكن، وبالقوة إن لزم ذلك”. كمحرر ناجح، لجريدتين في ميلان، وصاحب موهبة في الجدل الشعبوي، استطاع موسوليني، بمهارة أن يستخدم الصحافة لتحقيق أهدافه الخاصة. وكله ثقة من أن أحداً لن يتبع خطاه. ففي خلال سنوات قليلة كانت كل صحف إيطاليا تحت سيطرة الحزب، أو تم قمعها. بينما سمحوا لبضعة صحف صغيرة، تزعم أنها مستقلة، بأن تبدو معبرة عن حرية الرأي بينما كانت في الحقيقة الورقة الأخيرة التي تغطي نهاية حرية الصحافة. وبلا أي تحديات كبرى، ازدهر جنون العظمة عند موسوليني. وكانت الجماهير التي تحتشد لخطاباته تهتف “يا دوتشي، نحن معك للنهاية”.ولم يسلم أحد من نزواته، لا الوزراء، ولا موظفي الدولة أو أعضاء الحزب الكبار. كان مصيباً دوماً وأي أحدٍ يعارضه سوف يُطرد. كان موسوليني، على التوالي، رئيساً للوزراء، ووزيراً للخارجية، ووزيراً للداخلية، ورئيس أركان الجيش، ورئيساً لقطاعات الجيش كلها: المشاة والبحرية والقوات الجوية. إلا أن هذه التجاوزات الصارخة لمؤسس الفاشية في أوروبا، بدت فيما بعد بهلوانية إذا ما قورنت بآلة الإرهاب الدموية الباردة التي بناها هتلر، سريعاً في ألمانيا. لكن ما شهده الإيطاليون في العشرينيات لم يكن كوميدياً: لقد قدموا كلقمة سائغة لرجل مختل، ومختل يفهم أن الدولة يجب أن تسيطر على كل وسائل الإعلام، بما فيها تفاصيل كإصدار مرسوم يقضي بأن لاعبي المنتخب الوطني للتنس يجب عليهم ارتداء قمصان سوداء. وفي ألمانيا عُين جوزيف غوبلز، وهو الرجل الذي عرفه التاريخ بكونه العبقري الشيطاني صاحب الحقائق البديلة، وزيراً للرأي للتوعية والإعلام في الرابع عشر من مارس/آذار 1933، بعد شهر من تولي هتلر للسلطة في برلين. قال غوبلز إنه يريد وزارة “قومية اشتراكية (نازية) بالولادة”. ولكي يؤسس غوبلز هذه الوزارة، كان ذكياً بما يكفي للضغط على أكثر الآثار المدمرة للمزاج العام آنذاك: كانت الضغينة، واسعة الانتشار، بشأن انزلاق ألمانيا نحو فوضى الاقتصاد مخلفةً عدداً من أفضل الشباب تعليماً بلا وظائف حكومية وبلا رواتب جيدة.

ومن هذه المجموعة، وظَّف غوبلز شباباً متعصباً للحزب، كانوا أصغر وأذكي من غيرهم من مسؤولي النازية. وحدد غوبلز أنه يريد هؤلاء الذين يتمتعون بالحماس، والشغف، ومثالية لا تشوبها شائبة. (عند مشاهدة اللقاء الكلاسيكي الفوري بين جاك تابر مذيع CNN ومستشار ترامب للسياسات، ستيفن ميلر، يمكن للمرء أن يلحظ أن ميلر كان سيصبح مرشحاً مثالياً لغوبلز). كانت أولوية غوبلز هي السيطرة الفورية على الصحافة، أملى على طاقمه التالي “إن الصحافة يجب أن تكون كالبيانو، إن جاز القول، في يد الحكومة. كانت صحف ألمانيا رسلاً للاضمحلال، أضرت المعتنقات، والعادات، والفخر القومي للألمان الطيبين”. وفي خلال عام، كانت كل أهداف غوبلز قد تحققت. اندمجت ثلاث صحف مستقلة لتصبح وكالة أنباء حكومية واحدة “وكالة الأنباء الألمانية”. وخضعت جميع الصحف لقانون Gleichschaltung الذي يفرض عليها اتباع منهج الحزب في كل القضايا. كان رؤساء الصحف في السابق، هم المسؤولون قانوناً عن كل ما ينشر، فأصدر غوبلز مرسوماً يقضي بأن المحررين مسؤولون بشكل مماثل وأن أي محرر سيعارض القانون سيتم فصله، وسوف يرسل المتمردون لمعسكرات الاعتقال. وعلى الرغم من ذلك أدرك غوبلز، كسلفه موسوليني، أن الصحافة الألمانية يجب أن يترك لها صوت خافت من الاستقلال الظاهري. فسمح لمجلة Frankfurter Zeitung باستمرار النشر حتى عام 1943، وهي صحيفة ليبرالية كبرى لها متابعون دولييون. وطور محرروها شكلاً من التغطية المشفر بما يشبه الحيادية، مما سمح للقراء ذوي الخبرة أن يعرفوا حقيقة ما كان يجري.

أما رافدي وسائل الإعلام الجديدة شديدي الأهمية: نشرات الأخبار المتلفزة والراديو، فقد وضعا بالكامل تحت سيطرة غوبلز. وقال “لا شك في أن الراديو يخصنا ولا يخص أحداً آخر، وسوف نوظفه لخدمة أفكارنا، ولن يعرض أية أفكار أخرى”. وكان انهيار استقلال الإعلام سريعاً وتاماً. لكن رغم كل هذه المقارنات التاريخية، يمكن لهذه المرة أن تندفع أبعد أو أكثر. إذ أن أميركا في 2018، بوضوح، ليست أوروبا في الثلاثينيات، وبارانويا الليبرالية نفسها لا تعتبر قاعدة معقولة لقياس مدى خطر الهجوم على الصحافة وما قد يتحول إليه.كان هتلر، في 1933، على شفا إنشاء آلات دولة إرهابية، ونحن بعيدون عن هذا الحد. لكن الصادم، الآن، هو قدر غياب الدعم للصحافة. لم يحارب أحد انفراد غوبلز بالإعلام، وحصل موسوليني على فرصة مساوية، ما سهل له إصدار مراسيم تغلق الجرائد الناقدة له على خلفية “إثارة الفتنة”. وربما يبدو هذا صادماً في دولة كألمانيا؛ لديها نخبة من أهم مثقفي أوروبا. لكن الجامعات كانت متوقفة، وكان البرجوازيون والارستقراطيون وأباطرة الصناعة كلهم منهكين من الاستقطاب العنيف في جمهورية فايمار بين الفاشية والشيوعية. وبالنسبة لهم؛ كانت حرية الصحافة اهتماماً ثانوياً بالنسبة لمصالحهم الشخصية كوجود الوظائف، أو تكوين الثروات من إعادة تسليح الجيش، بالنسبة لرجال الصناعة. ولا يعرف ترامب، بالطبع شيئاً عن تاريخ أوروبا، أو غوبلز، إلا أن استخدامه للتغريدات يعكس أحد التعاليم  الأساسية لغوبلز حول الدعاية “تحتاج برلين للشعور بالعاطفة كاحتياج السمك للماء. وأي دعاية سياسية تفشل في إدراك هذا فسوف تخفق في تحقيق أهدافها”. وفيما يتعلق بإدارة الإعلام، فقد انتهج ترامب- بالفعل، ما أحياه غوبلز. فقد نصب نفسه الديكتاتور الأكبر للعملية الإخبارية. ولكي يحقق هذا لم يحتج للاستعانة بأي متخصص في فنون الدعاية لأنه يتحرك بدعم من خصلتيه الشخصيتين الأهم: النرجسية والبارانويا.

 

ولم يتوقف ترامب إثر الإشارة إلى هذه الأكاذيب. قد تختلف دوافعه عن دوافع موسوليني وهتلر، لأنه لا يتبع فكراً مذهبياً. ولكن في حالته ستكون الغرائز الاستبدادية بمثابة المحرك النفسي نحو السعي إلى الجشع وحماية كبريائه المطلق العنان والمثير للسخرية، إلا أن الافتقار إلى الأيديولوجية لا يجعله أقل خطورة.

 

وصار كل حدث تقريباً يظهر وفقاً لاستجابته له، ولم يعد بالإمكان تداول تلك الأحداث في وسائل الإعلام لمدى زمني أطول من مدى اهتمامه بها المشابه للبعوضة. وصارت تغريداته غريبة للغاية، ومشوشة ومتكررة، لدرجة مربكة بالنسبة لمعظم وسائل التغطية اليومية المتنافسة. وعندما يواجه ترامب سرداً إخبارياً لا يمكنه إخراجه عن مساره، مثل تحقيق مولر، يعتبره انتهاكاً لسلطاته الخاصة كما يتخيلها، بدلاً من سلطاته الموجودة بالفعل بموجب الدستور. فعل موسوليني الشيء نفسه، في وقت مُبكر للغاية من حكمه، وهو مساواة نفسه مع الأمة، وأن أي إهانة له تمثل إهانة لإيطاليا. القاعدة الأساسية الراسخة في عقل ترامب أنه يمثل رمزاً للأمة دون غيره، وهو اعتقاد تعززه باستمرار شبكة “فوكس نيوز” الإخبارية، التي تعتبر تلك القاعدة بمثابة منجم ذهب لمعدلات مشاهدتها. وقد نجح ترامب وأذنابه في “شبكة فوكس”، في المساواة بين احترام هذا النوع من الحقيقة التي تستند على التعلم والقدرة على تنظيم الحقائق مع الحقيقة التي تستند على التركيبات السُكنية البسيطة: فهي مقصورة على النخب في المُدن الكبرى. ويستند هذا الأسلوب، على الأقل جزئياً، على شرط وصفه دانيال كانيمان، العالم النفسي الحائز على جائزة نوبل، الذي يطلق عليه مصطلح “السهولة الإدراكية” وينص على أن البشر يميلون إلى تجنب الحقائق المزعجة أو التي يتطلب فهمها بذل الجهد.
وقد فهم غوبلز أن تعزيز العنصرية هو سلاح مُسكر للدعاية. فبفضل الرسالة الصحيحة، يُمكن إقناع الأقليات المتضررة والمستاءة بالاندماج في كتلة حرجة من النشطاء. وقد قامت قاعدة ترامب على هذا المبدأ. كما أنها تشعر بالامتنان لقيادتها من قِبل هذا الرجل الذي يُمكنهم معرفته بسهولة، على الرغم من أن مصالحه الحقيقية (الإثراء الشخصي) هي عكس مصالحهم. ولكن ربما الجانب الأكثر غرابة من تصور ترامب لدوره ومنصبه هو أن في ذهنه، يرتبط مصيره ارتباطاً وثيقاً بوسائط الإعلام الرئيسية مدى الحياة أو حتى الموت. ويعتبر ذلك تصوراً جديداً. فلم يرَ أي قائد شعبي في التاريخ الحديث أن فعالية دوره تترابط وتتداخل مع قوة يدعي في معظم الوقت أنه يحتقرها. ويمكن الأخذ في الاعتبار الطريقة التي صاغ بها هذا الاعتقاد عندما سجل مايكل شميت من صحيفة “نيويورك تايمز”، واحدة من أكثر المقابلات غرابةً معه في مطعم “جريل روم”، في نادي الغولف الذي يملكه ترامب في مدينة “ويست بالم بيتش”، التي تقع في مقاطعة “بالم بيتش”، بولاية فلوريدا، خلال عطلة الأعياد: “سنفوز في الانتخابات بأربع سنوات أُخرى لأسباب كثيرة، أهمها هو أن بلدنا بدأ في تحقيق النجاح مرة أخرى، وتحقيق الاحترام مرّة أخرى. ولكن السبب الآخر الذي سيرجع إليه فوزي بأربع سنوات أخرى هو أن الصحف والتلفزيون وجميع أشكال وسائل الإعلام ستفشل إذا لم أكن موجوداً لأنه بدوني ستهبط معدلاتها إلى القاع. وبدوني، لن تكون صحيفة “نيويورك تايمز”، في الواقع “نيويورك تايمز” التي أوشكت على الفشل، بل “نيويورك تايمز” التي فشلت بالفعل. ولذلك ينبغي عليهم أن يسمحوا لي بالفوز. وفي نهاية المطاف ربما قبل ستة أشهر من الانتخابات سوف يتوددون إلى بقولهم: “من فضلك، من فضلك، لا تخسر دونالد ترامب”.

وكان معظم ما تبقى من المقابلة عبارة عن هرطقة وهمية والتي قدمت نظرة متعمقة مثيرة للقلق عن وظائفه الذهنية، في الواقع، كانت بمثابة نوع من الإحماء الارتجالي قبل الكشف عن كتاب مايكل وولف، وهو نهج صحافي مثل الإعصار المتفجر. ما قدمه وولف بين أغلفة كتاب كان تغطية متفجرة عالية التركيز للأحداث والتي لا يمكن تحقيقها من خلال دورة الأخبار اليومية. ولم يختلف أسلوبه في الواقع عن ذلك الذي استخدمه بوب وودوارد في كُتبه، ولا سيما التي تتناول أصول الحرب على العراق، إذ أُعيد بناء مشاهد كاملة مع الحوار دون ذكر سندها، ولكنها تحمل طابع المصداقية. ولكن يُعد الفرق في التأثير العام هو أن وودوارد تناول الأحداث بعد وقوعها في حين أن وولف يتناول الأحداث بينما لاتزال الجريمة قيد التنفيذ، إذا جاز التعبير. ولم يتوقف ترامب إثر الإشارة إلى هذه الأكاذيب. قد تختلف دوافعه عن دوافع موسوليني وهتلر، لأنه لا يتبع فكراً مذهبياً. ولكن في حالته ستكون الغرائز الاستبدادية بمثابة المحرك النفسي نحو السعي إلى الجشع وحماية كبريائه المطلق العنان والمثير للسخرية، إلا أن الافتقار إلى الأيديولوجية لا يجعله أقل خطورة. لا يمتلك ترامب وقتاً للتردد. ولأن محاميه غير قادرين على إيقاف كتاب وولف (هل يمكن أن تكون فكرة حرق الكتاب بعيدة عن تفكيره؟) فقد هدد مرة أخرى بتعزيز قوانين التشهير لمنع “التشهير” بالأشخاص أمثاله. ويحاول منع اندماج شركة “إيه تي آند تي”  وشركة “تايم وارنر” على أمل أن تضطر شركة “تايم وارنر” إلى تجريد نفسها من شبكة “سي أن أن”،  التي يكرهها بشدة، على أمل أن يتولى أمرها شخص أكثر تعاطفاً معه، وعلى الرغم من أن روبرت مردوخ، المرشح الواضح، يقول إنه غير مهتم. ومن الواضح أنه قد بحث عن طرق لمعاقبة جيف بيزوس لأنه أعاد تقديم الدعم المادي لصحيفة “واشنطن بوست”، وذلك عن طريق إدخال تغييرات على قانون الضرائب من شأنها أن تؤثر على شركة “أمازون”.
ينبغي أن يكون كل ذلك مُثيراً للقلق للغاية، علاوة على أن ترامب يعمل في ميدان مُتساهل بشكلٍ مُقلق. ولا يوجد، على ما يبدو، معيار عام مستقر للحقيقة في أميركا اليوم. تلك الثقافة التي تُكذب فيها الحقائق العلمية إذا كانت غير ملائمة ويُعزز فيها الجهل. (يعتقد43 بالمائة من الجمهوريين أن التغيرات المناخية لا تحدث). تعتبر أحد أسس السياسات الغربية العلمانية هي أن الحقيقة لا يُمكن أن تستمر إلا من خلال الصدق في اللغة، وأن اللغة يجب أن تستخدم للتحقق من المعلومات بشكلٍ حاسم، بغض النظر عن مصدرها.

تُمثل الصحافة في هذا الصراع خط دفاعنا الأخير الذي يُمكن الاعتماد عليه. وليس من قبيل المبالغة، القول بأن صحة وأمن وسلامة الجمهورية مُعرضة للخطر. إذ أن التاريخ يعتبر قاضياً لا يرحم، ومثلما يكشف تاريخ أوروبا في العشريينات والثلاثينيات، عن إخفاقات مُخزية في المؤسسات الديمقراطية، سيحكم على الأزمة الأميركية الحالية من خلال مدى فاعلية أو على نحوٍ مختلف، من خلال طريقة عمل المؤسسات التي تهدف إلى حماية الديمقراطية. ولا يمكن لأي مؤسسة أن تحقق ذلك دون أن تكون قادرة على العمل على أساس الحقائق المتفق عليها بشكلٍ عام، والتي من أهمها الحقيقة الوحيدة المترتبة على ذلك هي أن الرئيس غير مؤهل تماماً للمنصب. والحقيقة الثانية هو أنه يظل باقياً في منصبه بفضل القيادة الجمهورية الخانعة التي لا تزال فاترة الهمة حتى بعد الغضب العارم الذي اندلع حيال تصريحاته التي وصف فيها دولاً أفريقية وهايتي بـ “الأوكار القذرة”.
ومن بين هذه الشخصيات المُتملقة السيناتور تشاك غراسلي، عن ولاية آيوا، والسيناتور ليندسي غراهام، عن ولاية كارولينا الجنوبية، اللذان لاحقا الجاسوس البريطاني السابق كريستوفر ستيل، الذي كشف فضائح ترامب بدلاً من متابعة التحقيق مع ترامب. ويدعو الجمهوريون الآخرون إلى “التخلص” من تحقيق مولر – مستخدمين مصطلحاً أعتاد موسوليني وهتلر وستالين استخدامه لحماية أنفسهم. ثم هناك فلسفة كرة التحطيم للروائية آين راند التي لايزال يؤمن بها رئيس مجلس النواب بول رايان حتى بعد وفاتها، وهو من قدم مديحاً متذللاً عندما وقع ترامب ما يسمى مشروع قانون الإصلاح الضريبي، وشكره على “القيادة الرئاسية الرائعة”.
هناك كلمة للتعبير عن مثل أولئك الأشخاص. وهي كلمة تحتاج إلى إعادة إحيائها واستخدامها من الماضي: هي كلمة “خائن”. والتي قد استخدمت لأول مرة في عام 1933 كمصطلح ينطوي على الازدراء العام عندما اعتلى هتلر إلى السلطة، وهي تشير إلى السياسي الفاشي النرويجي فيدكون كفيشلينغ الذي شكل حزبه على أُسس نازية، وعندما غزا النازيون النرويج عام 1940، حث على التعاون معهم.
كما هو الحال في كثير من الأحيان كان ونستون تشرشل من أعطى لهذا المصطلح معنى دائم، عندما قال في عام 1941، “عرق خسيس من الخونة”، مستخدماً كلمة جديدة من شأنها أن تحمل ازدراء الجنس البشري على مر القرون، استُأجروا لتملق المنتصر، والتعاون لتنفيذ مخططاته وإنفاذ حكمه على أبناء وطنهم بينما يتذللون ويفقدون احترام الآخرين”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني