fbpx

اليمن كحلية ستبقى جميلة رغم الحروب

الحلي النسائية ـ واليمنية على رأسها، خلاصة تجربة إنسانية، إذ عندما تتزين المرأة بها فهي ترتديها على نحو ظاهر وقريب من قلبها. فالنساء يتوارثن الحلي ككنز، من جدة إلى أم إلى ابنة إلى أبد الأبدين. من هنا، تحولت اللامبالاة التي شعرت بها ازاء المعرض في البداية، إلى لحظة فارقة، ذلك عندما أدركت أن اليمن تتمثل في الحلي وإن كانت النماذج الموجودة بسيطة، لكنها كافية لتزين وتصبح جزءاً أصيلاً من تاريخ امرأة، في زمن قد يكون الآن أو قد يكون غداً. وعندما يسأل المشترون عن مكان "شغل" هذه القطعة، تكون الإجابة، إنها قطعة "يمنية أصيلة".

تعقد جمعية باحثي الشرق الأوسط، Middle East Studies Association/MESA، اجتماعها السنوي في ولاية أميركية ما يختلف في كل سنة، وفي هذا العام حطت الجمعية رحالها في واشنطن العاصمة السياسية والإدارية للولايات المتحدة. كان حضور هذا العام ضعيفاً مقارنة بالأعوام السابقة، وذلك بسبب التطورات السياسية والأمنية ومن بينها فرض حظر السفر على عدد من مواطني دول الشرق الأوسط ذات الغالبية المسلمة، الأمر الذي زاد الجو قتامة منذ تولي دونالد ترامب سدة الرئاسة الأميركية.
توجهتُ إلى الفندق الذي يعقد فيه الاجتماع، لكن ليس باتجاه الأدوار العليا التي شهدت عدداً كبيراً من الندوات والمحاضرات والنقاشات، بل إلى الدور السفلي حيث أقيمت بالتوازي مع أعمال الجمعية، عدة معارض للكتب والوثائق والمطبوعات. وتصدرت مكتبات الجامعات الغربية العريقة “كبرينستن”، و”أكسفورد”، و”كايمبردج”، و”جورج تاون” وغيرها من دور النشر المواد المعروضة بأحدث مطبوعاتها ووثائقها، بل وقدمت تسهيلات وتخفيضات لتشجيع الإقبال على قضايا الشرق الاوسط.

لكن، وفي ركن ناء من هذا المكان، نصبت طاولة متواضعة لدكان “أصدقاء العالم”، للحلي الفضية اليمنية ومركزه في صنعاء القديمة. كان هذا اليوم الثاني للاجتماع الذي حضرت فيه للتطوع وللمساعدة في بيع الحلي اليمنية لمواجهة الظروف الاقتصادية المتهاوية في اليمن ،ولتشجيع استمرار فن صياغة الفضة التقليدية المعرضة للاندثار. كان أفضل ما في هذه المهمة التطوعية أنها توفر علي الخوض في نقاشات مكررة عقيمة لن تنفع ولا جدوى منها مع استمرار طاحونة الحرب والمعاناة الإنسانية لعموم اليمنيين.
بدأتُ بالتجول في قاعات معارض الكتاب في محاولة اقتناء بعض المنشورات المعروضة لإضافتها لإلى مكتبتي الشخصية، لا لأنني احتاجها ولكن بدافع الحنين العميق. كان ذلك محاولة مني للاحتفاظ بما تضمه صفحات تلك الكتب من أزمنة أكثر سلاماً وأحداثاً تلوح من بعيد ولا يبدو أنها ستعود. أدركتُ حينها ومن خلال معظم المعروضات أن اليمن ليست البلد الوحيد الذي يتعرض للتمزق ، بل المنطقة بأسرها.
قلتُ لنفسي، كم يا ترى من الحضور يقتني تلك الكتب لنفس السبب، كتذكار للأيام والأمجاد الخوالي! فلسطين، العراق، سوريا، ليبيا، اليمن والحبل على الجرار، الروح العربية مكسورة قطعاً.
أيقنتُ بأن قراري عدم المشاركة في أي فعالية تدور في طوابق الفندق الضخم كان قراراً صائباً. فهناك عشرات الاجتماعات ومئات الحاضرين وصخب نقاشات. تهيأتُ تماماً لبيع الحلي فقط، ولم أتوقع أنها ستكون أكثر من ذلك.

كانت الفتيات والنساء هن أغلب المتسوقات قرب طاولة الحلي الفضية اليمنية. شعرت أن انجذابهن إليها قوي وطبيعي. فقد تنوعت الحلي المعروضة ما بين قديمة أو مطورة، أصيلة أو محدثة، ملونة أو صافية، مزينة بفصوص أو مجوهرات ثمينة أو غيرها. ووجدتني انخرط مع كل مشترية ومشتري في حوار حقيقي حول القطع، عملية بسيطة إلا أنها مليئة بقرارات ذهنية واعية وصادقة. فالبعض يهديها لأم أو ابنة أو صديقة أو من تشتريها لنفسها، خلاصات تجارب إنسانية حميمة، شاركت فيها بعفوية ودون سابق قصد.  فالحلي النسائية ـ واليمنية على رأسها، هي ثمرة تجربة إنسانية، وعندما تتزين المرأة باحداها فهي تضعها قرب قلبها. والنساء يتعاملن مع الحلي ككنز يتوارثنه من جدة إلى أم إلى ابنة إلى أبد الأبدين.
اللامبالاة التي شعرت بها في البداية تحولت إلى لحظات فارقة، ذلك عندما أدركت أن اليمن تتمثل في الحلي وإن كانت النماذج الموجودة بسيطة، لكنها كافية لتزين وتصبح جزءاً أصيلاً من تاريخ امرأة في زمن قد يكون الآن أو في الغد. وعندما يسأل المشترون عن مكان “شغل” هذه القطعة، تكون الإجابة، إنها قطعة “يمنية أصيلة”.

في هذا المكان وحول هذه الطاولة الصغيرة، جداً وبعيداً عن صخب الجدل والنقاش وتكرار الكلام، وجدتني أتبادل الحديث: “هل أنت يمنية؟ ما تاريخ وكم عمر هذه القطعة؟ وما قصة الحلية الفضية اليمنية؟ كيف الأوضاع في اليمن؟”… هذا سؤال البداية والختام وما بينهما تفاصيل.  لقد تردد اسم اليمن وبدا قلق الناس على اليمن وعلى أحوال أهله صافياً صادقاً، دون تسييس أو مواربة أو تفسير تاريخي، بل قلق مشروع على أحوال البلد وأوضاعه، بلا تأويل جهوي أو مناطقي أو سياسي أو مصلحي أو مسيس. كان قلقاً راقياً وأمنيات مخلصة بالتعافي، مواساة بالأحوال الانسانية الكارثية، لا تصالح ومهادنة مع الحرب ولا مواقف مؤيدة للمتورطين فيها أو تبريرية لها.

بدا اليمن من زاوية هذا الركن الهادئ المعزول في الطابق السفلي للفندق، أشبه بمحاولة للنهوض من مشروع الكراهية الكبير، ويبدو أنه سيستمر عبر تراثه وتاريخه وسمعته الإنسانية الفريدة التي لن تنجح أصوات الحروب الطارئة أن تشوهها وتمحي مجدها كمهد حي للإنسانية والجمال. عَبرت هذه الحلي الفضية اليمنية بزخارفها عصوراً ساحقة، وستعبر هذه الحرب الى زمن الفن والإبداع. ومثل اليمن، إن لم تُحم مشغولات الحلي الفضية فهي معرضة للسرقة والضياع.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني