سلاح المجموعات… المشكلة الأم في اليمن

مشكلة سلاح المجموعات في اليمن هي إحدى المشكلات الأساسية والجذرية المؤثرة في كيان البلد وحاضره ومستقبله، وتُمثل وحشاً يلتهم أكبر المكتسبات وأصغرها

فاقمت من الحرب في اليمن مشكلة سلاح المجموعات، في سياق تعامل إقليمي ودولي مع الملف اليمني، اتسم بالخفة والارتجالية، وأحد أبرز ملامحه دعم جماعات مسلحة لمواجهة جماعات مسلحة مقابلة، وهو ما خلق عشرات الجماعات المسلحة متعددة الولاءات والصلات والارتباطات الإقليمية، ضمن إطار الحروب بالوكالة.

تأمنت الإمكانات والموارد الضامنة لاستدامة هذه الكيانات والجماعات، لتصبح فاعلاً حقيقياً لديمومة الحرب وتوسيع دائرة آثارها الكارثية. وأنجزت الحرب التي تشهدها اليمن منذ 4 سنوات -كأبرز ما أنجزت- بلداً ممزقاً إلى كنتونات تسيطر عليه جماعات مسلحة مختلفة، تحكم كل منها مئات الآلاف من السكان بأساليب بدائية؛ في انتكاسة لما ناضلت من أجله الحركة الوطنية اليمنية منذ عشرات السنين، ولما كان راكمه اليمن من أجهزة الدولة ومؤسساتها، ومكاسب تجربته الديموقراطية الناشئة وهامش الحقوق والحريات وحرية المجتمع المدني.

ومشكلة سلاح المجموعات في اليمن هي إحدى المشكلات الأساسية والجذرية المؤثرة في كيان البلد وحاضره ومستقبله، وتُمثل وحشاً يلتهم أكبر المكتسبات وأصغرها، وتبعد اليمنيين مسافات من أملهم باستعادة الدولة وسيادة القانون والمواطنة والعدالة والاستقرار، وتخلق إشكالات وتعقيدات إضافية للوضع المعقد بالأصل.

وتصادر هذه الكيانات والجماعات المسلحة في مختلف مناطق اليمن مسؤوليات الدولة وصلاحياتها، وتجهض أي محاولات لإحياء أجهزة الدولة ومؤسساتها، مستندة في ذلك إلى الغطاء الذي توفره الدول المتورطة في حرب اليمن، والتي سعت بإمكاناتها الضخمة إلى خلق حالة اللادولة واللااستقرار من خلال دعمها هذه الجماعات لكي تمثل إحدى ضمانات بقاء هذه الحالة، وتسند استمرار هذا الوضع حالة الاستلاب والارتهان الفج لمختلف النخب السياسية.

وإضافة إلى ما تسببه هذه الحالة من معاناة لملايين اليمنيين الخاضعين لسيطرة هذه الجماعات كرهائن، فإنها تمثل ألغاماً ومفخخات في طريق أي خطة سلام وعلى مشروع الدولة المنشود والاستقرار المأمول، إضافة إلى خطورتها على السلم الإقليمي والدولي إذ تمثل بيئة صديقة للجماعات الإرهابية لإعادة بناء قدراتها وللاستقطاب والتجييش.

لذلك كله فإن مشكلة سلاح المجموعات ينبغي أن تكون أولوية في أي مفاوضات وجهود سلام مقبلة في اليمن، فنتائج نقاشات هذه المشكلة ستنعكس إيجاباً على نقاشات بقية الإشكاليات وتصور حلولها ومعالجاتها، ومن خلالها تمكن معرفة تصور الأطراف اليمنيين وخططهم للمستقبل، ومدى اقترابهم وابتعادهم من فكرة الدولة وسيادة القانون والمواطنة والسلام، كما أنها أنبوبة اختبار دقيقة لجدية مختلف الأطراف المحليين والإقليميين ومدى التزامهم.

يحتاج اليمن إلى الخبرات الدولية المتخصصة لمساعدته في نقاش هذه المعضلة، وتمكن الإشارة هنا إلى خبرات مؤسسات الأمم المتحدة وبيوت الخبرة في نزع سلاح المجموعات وإعادة إدماجها، ووضع الإطار الواضح الذي يوصّف المشكلة بدقة ويُعرّف عناصرها مع خطة تنفيذية مُزمنة تتضمن إجراءات وخطوات محددة لمعالجتها، وفقاً لمعايير علمية وموضوعية ثابتة وواضحة لا تستثني أي مكون من المكونات الحائزة السلاح، فأي تعامل بانتقائية، ووفق أمزجة الأطراف الإقليمية والدولية النافذة، في هذا الملف، لن يساعد في معالجة المشكلة بل سيضخمها ويُفسد إحدى أهم فرص معالجتها.

سيساعد وضع معضلة سلاح المجموعات كأولوية في تحديد مضامين الإشكاليات الحقيقية المُزمنة الأخرى المرتبطة بها، منها إيجاد خطط وآليات لإعادة بناء الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة كافة، وفقاً لمعايير علمية وموضوعية ووطنية تضمن قيامها بمسؤولياتها التي تنظمها القوانين بكفاءة وفاعلية وحيادية، وبما يساهم في إيجاد نظام ضامن للمواطنة والمساواة والعدالة وسيادة القانون، وكفالة الحقوق والحريات، وبناء سلام مستدام، وتحقيق شروط الاستقرار والتنمية، ويهيئ الطريق للتعددية السياسية والآليات الديموقراطية المدنية والسلمية التي تكفل التنافس البرامجي بطرائق خلاقة وسلسة تجنب المجتمع زلازل الصراعات العنيفة وآثارها المدمرة.

وبالاستناد إلى الوضع اليمني الراهن وحقائقه المرعبة، وللتذكير بآليات المساءلة، بإمكان جهود السلام أن تحقق اختراقات مهمة تتجاوز حال الكمون والانسداد التي توقفت عندها الحرب، وبالتالي تحفيز إرادة مختلف الأطراف اليمنيين لإعادة ربط بوصلاتهم بمصلحة ملايين اليمنيين الذين حولت الحرب حياتهم إلى جحيم، وليس بمصالح الجماعات وداعميها.

وتعزز مآلات الحرب ونتائجها حتى الآن فكرة الضرورة المُلحة إلى فك ارتباط الحالة اليمنية بالحروب بالوكالة في المنطقة، وإعادة النقاشات بشأن اليمن إلى المسار الصحيح، وتصحيح المفاهيم المشوهة التي خلقتها الحرب حول الدولة وسيادة القانون وبالتالي تصحيح المسارات، وهو ما يخلق فرصاً حقيقية لنجاح أي جهود سلام جادة ومسؤولة.

وما لم يتم التعامل مع هذه المعضلة كأولى أولويات بناء السلام في اليمن  فستهدر الجهود في قضايا ثانوية ونتائج لمشكلات جذرية مثل مشكلة سلاح المجموعات، وبالتالي خسارة فرصة ثمينة لحل إحدى أزمات المنطقة، وإنهاء ما أكدت المؤسسات الإنسانية أنها أكبر مأساة إنسانية في العالم.

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني