fbpx

يوسف بشير يضرب مجدداً… ويلفق كتاباً

ديسمبر 9, 2018
من منّا مثلاً لم يتخيل تبعات عودة الإمام موسى الصدر من غيبته؟ومن منا لم يحاول توقع ما جرى في الاجتماع الأخير بين آخر سفيرة أميركية في العراق في عهد صدام حسين، ايبريل غلاسبي وبين نائب رئيس الجمهورية العراقي آنذاك طارق عزيز؟ الاجتماع الذي سبق إقدام صدام على غزو الكويت. يوسف بشير فعلها وأخذنا معه إلى هذه الاحتمالات.

لنا في “درج” مع يوسف بشير قصص وقصص. الزميل الذي قدِم إلينا من الضفاف المتخيلة لقصتنا الصحافية، وهي على كل حال ضفاف كانت على وشك أن تكون متناً لقصتنا لولا الأقدار أحياناً، ولولا تردد أصحابها في أحيان أخرى. لكن تحدي يوسف بشير الذي طرحه على “درج” امتد طوال مرحلة نشرنا قصصه في زاوية “فيكشن”، وكل قصة طرحت علينا تحدياً من نوع مختلف. القصة الصحافية المتخيلة، وهي ليست أقل صحافية من تلك التي نكتبها نسخاً لواقع والتزاماً بمعايير الكتابة الصحافية، لا بل فاقت في أحيان كثيرة القصة الواقعية في صحافيتها. فالعناصر الواقعية متوفرة في قصة يوسف بشير، لكنه ذهب فيها إلى أبعد من الواقع. من فينا مثلاً لم يتخيل تبعات عودة الإمام موسى الصدر من غيبته، بعد أن استتبت حركة قيادة أمل لورثته؟ كم يبدو صحافياً أن نُجري هذا التمرين الذهني. ومن منا لم يحاول توقع ما جرى في الاجتماع الأخير بين آخر سفيرة أميركية في العراق في عهد صدام حسين، ايبريل غلاسبي وبين نائب رئيس الجمهورية العراقي آنذاك طارق عزيز؟ الاجتماع الذي صيغت حول وقائعه عشرات الحكايات، والذي سبق إقدام صدام على غزو الكويت.

يوسف بشير فعلها وأخذنا معه إلى هذه الاحتمالات.

لكن يوسف بشير الذي أصدر كتابه الأول عن دار الساقي في بيروت وأطلق عليه اسم “حين حدث ما لم يحدث” ونشر فيه قصصه التي سبق أن نشرها في “درج”، لن يوقع كتابه في معرض الكتاب العربي في بيروت. سيبقى متوارياً خلفه، ولن يُفصح لنا عن وجهه الذي نعرفه ولا نعرفه، ذاك أن الرجل في تجواله بين فنون القول والكتابة لا يرغب في أن يثبت وجهاً لاسمه على غرار ما يفعل الكتاب. يفضل التنصل من قصته المتخيلة، تماماً كما تحاول قصته التنصل من القصة الحقيقة، وشحنها بقدر من الخيال. فدافع يوسف إلى الكتابة في “فيكشن” كان شعوره بثقل القصة الواقعية، وبتكرارها وبحملها قارئها على الضجر. موسى الصدر غاب أكثر من أربعين عاماً، وعشنا غيبته على نحو متواصل من خلال صورته المثبتة على كل جدران مدينتنا، لقد حان له أن يعود، لنختبر تبعات العودة.

 

ما زلنا كصحافيين عرب خارج الصحافة الساخرة، على رغم محاولات بدأت، فهي صحافة تتولى في العالم اليوم مهاماً كبرى. وهنا نستعيد حقيقة مدى رفض أنظمتنا للضحك والخفة بصفتهما شكلاً من أشكال المقاومة والرفض. هذا ما كان جزءاً من همنا في رحلتنا مع يوسف بشير في “درج”.

 

أمر آخر اختبرناه وخبرناه خلال رحلتنا مع يوسف بشير في “فيكشن”، وهي على كل حال رحلة مستمرة عبر زاوية “خبر كاذب”، وهو أنه لا مكان للخفة وللخيال ليس في قصتنا الصحافية فحسب، انما في حياتنا العامة. مئات بل آلاف الردود كانت تصلنا نفياً لقصة مكتوبة في زاوية اسمها “فيكشن” أو “خبر كاذب”. لكم أن تتخيلوا مثلاً أن حزب البعث العراقي فرع عزت الدوري، وهو الحزب الذي يدير معارك عسكرية ضد الحكومة العراقية، وتحول من الاشتراكية إلى النقشبندية، أصدر بياناً نفى فيه الوقائع التي تضمنتها قصة يوسف بشير عن اللقاء بين طارق عزيز وايبريل غلاسبي.

ولكن من الدروس أيضاً هو ما ثبت لنا لجهة الحاجة الملحة لدى مستهلكي القصة الصحافية العربية لقدر من الخيال، ذاك أن يوسف بشير لطالما تصدرت قصصه لائحة الأكثر قراءة في “درج”، وجاءت التعليقات على هذه القصص لتحمل مزيداً من هذه القناعة، فكثيرون من القراء تمسكوا بالوقائع بصفتها حقائق مثبتة، فهي على ما يبدو أقرب إلى الحقيقة مما قُدم لهم من قصص، وهذه معادلة تفتح على مأزق آخر في صحافتنا العربية، ويتمثل في اقتصار الرواية المقدمة للقارىء وللمشاهد على القصة الرسمية التي تدور حولها الكثير من الشكوك. وهنا تولى يوسف بشير دفع القصة نحو احتمالات متخيلة إلا أنها ممكنة، ومن المرجح أن تكون هذه قوة جاذبيته. فالخيال لم يبتعد عن احتمالات ممكنة، ولطالما ساورتنا شكوك في أن يوسف بشير موصول بجهات تخبره ما جرى وما يجري. ولدينا في غرفة تحرير “درج” أمثلة كثيرة على ذلك.

والحال أننا ما زلنا كصحافيين عرب خارج الصحافة الساخرة، على رغم محاولات بدأت في مجال المرئي والمسموع فيما المكتوب ما زال خارجها، وهي صحافة تتولى في العالم اليوم مهاماً كبرى، فيُشعر رجلاً مثل دونالد ترامب بأنه أمام موجة تتعدى السخرية منه، وتقترب من قوامه الشخصي والنفسي. وهنا علينا أن نستعيد حقيقة مدى رفض أنظمتنا للضحك والخفة بصفتهما شكلاً من أشكال المقاومة والرفض. وهذا ما كان جزءاً من همنا في رحلتنا مع يوسف بشير في “درج”.

أما ذروة المفارقات التي عشناها مع زميلنا الذي لا وجه له في غرفة الأخبار، فهي ارتباكنا الكبير حيال رسائل نفي أخباره والتي طلب منا أصحابها نشرها في المكان الذي نشرنا فيه قصصه. أن تنفي خبراً كاذباً يعني أنك تنفي النفي، ومؤدى نفي النفي هو الصحة والحقيقة. لم يقتنع معنا أصحاب رسائل النفي بهذه المعادلة، وأكدوا على حقهم القانوني في نشر النفي. مرة فعلناها ونشرنا نفيهم ليتبين لاحقاً أن وراء إصرارهم على النشر سبب وجيه، يتمثل في أن قصة يوسف بشير قريبة جداً من الحقيقة. ومرة أخرى جاء نفي النفي ليؤكد شكوكنا بزميلنا الذي لا وجه له في غرفة الأخبار.  

  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني