fbpx

مازلتُ على قيد الحياة

الساعة السادسة والنصف صباحاً. مازال الليل حالكاً، أنا في مدينة ما، في بيت ما، فجأة أقف في مصعد، يغلق الباب وحده، وإذا بيدين تحاولان أن تقتربا من وجهي. يتحول الباب إلى حائط اسمنتي وتقطع اليدان، تسقطان بالقرب من قدمي، المصعد يهوي بسرعة مخيفة، أسمع دقات قلبي المنبعثة من صدري كما لو أنها تضرب حائط المصعد، لا مجال للهروب.

الساعة السادسة والنصف صباحاً. مازال الليل حالكاً، أنا في مدينة ما، في بيت ما، فجأة أقف في مصعد، يغلق الباب وحده، وإذا بيدين تحاولان أن تقتربا من وجهي. يتحول الباب إلى حائط اسمنتي وتقطع اليدان، تسقطان بالقرب من قدمي، المصعد يهوي بسرعة مخيفة، أسمع دقات قلبي المنبعثة من صدري كما لو أنها تضرب حائط المصعد، لا مجال للهروب.
أفتح عينيّ، أنظر حولي، جسدي ممدد على السرير، غير قابل للحركة، شلل تام، أدير عيني اليمنى نحو ضوء منبعث من المطبخ، كنت قد تركته مضاءً قبل أن أخلد إلى النوم، أحاول أن أتحرك، لكن جسدي لا يستجيب لي، والمصعد على وشك الارتطام بالأرض. اقترب الموت، وارتطم بالأرض. سمعتُ صوتَ صراخي من المطبخ بشكل جلي واضح، وحقيقي جداً. أغمض عينيّ، فأشعر بجسدي “ينمل” كما لو أنه تعرض لنوبة بردٍ حادة. أفتح عينايّ مجدداً، قلبي يكاد أن يخرج من مكانه، أقفز من السرير، أنظر حولي، أتلمس جسدي، ما زلت على قيد الحياة.
أعتقد أن ما أصاب عقلي من بلبلة، وطاقتي من شلل هو محاولة صارمة من اللاوعي الخاص بي في اقتحام الوعي، وذلك بعد أن وصل الأول إلى مرحلة التخمة، فكان لا مفر أمامه إلا أن يبدأ معركته، معركة اللاوعي ضد الوعي، ليحمل الأخير بعضاً من تلك المواد المكبوتة، أن يراها، يتعامل معها، يشعر بها، لا مجال الآن لأن تبقى في ذاك المكان السري الذي لم يعد يحتمل المزيد من التجاهل، هو الصراع قد ظهر الآن جلياً واضحاً، بين الشعور واللاشعور، التقابل بين الأنا وبين ما هو مكبوت ومنفصل عن الأنا، مواجهة لا مفر منها، مع ما يسمى “نوبات الهلع” ربما.
لستُ وحدي، فها قد استيقظ ماهر. وبعد ٣ ساعات استيقظ مجدداً. وبعد ٥ ساعات استيقظ مرة أخرى، وبين كل مرة يتنقل من سريره إلى الكنبة، إلى سريره إلى الكنبة، في حركة مجهدة للغاية قبل كل غفوة. بين اليقظة والنوم، تذكر أن 3 أيام مرت لم يتصفح خلالها وسائل التواصل الاجتماعي، كما لم يتابع آخر الأخبار، حمل هاتفه، ترامب يعلن “الانتصار في سوريا والعراق”، “إعلان موسكو الانتصار في سوريا يستفز واشنطن”، “سوريا تعلن الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية”، “نصر الله يعلن الانتصار في سوريا”. حدّق ماهر مطولاً في هذه العناوين، وتمتم، “انتصار، انتصار…”.
إنها الساعة ٦ مساءً، وقد اقتربَ موعد خروجه من المنزل، للتوجه نحو افتتاح معرض فني لصديقه المصور الذي رافقه رحلة العبور إلى أوروبا عبر البحر قبل 3 سنوات. لا مفر من الذهاب.  ألقى ساقيه بثقل نحو الأرض، وضع يديه جانباً، ومن ثم دفع بهما جسده ليقف. حرّك قدمه اليسرى إلى الأمام قليلاً، تبعتها قدمه اليمنى، وبخطوات بطيئة توجه نحو الحمام، اقترب من المرآة، اقترب أكثر، حتى التصق وجهه بوجهه، ابتعد قليلاً فقط، حدّق في العلامات التي تركها التصاقه الحميمي بنفسه، ما لبثت أن تلاشت… وضع يده على وجهه، كأنه يلمس وجهاً آخر، نظر بملل إلى عينيه في الجهة الأخرى، رتب شعره سريعاً قبل خروجه بثقل شديد من المنزل. ما زال يرتدي ملابسه من عشاء أمس، كي لا يتكبد عناء ارتداء ثيابه مجدداً في اليوم التالي، أي اليوم.
كان الطريق نحو المعرض طويلاً جداً، أو على الأقل هذا ما ظنه، ففي كل خطوة كانت تقفز إلى رأسه صور الانتصارات المزعومة، ما غيّر مسار دقات قلبه الرتيبة وحولها إلى هيجان غريب، بدأ العرق ينساب من كل أعضاء جسده، أمام المبنى حيث تجمع الناس في انتظار افتتاح المعرض، سقط أرضاً.
تعرض ماهر للاعتقال في سجون النظام السوري في العام الأول من الثورة، ليلتحق بعد الإفراج عنه بالجيش الحر في ريف دمشق حيث منزل عائلته، لاحقاً وأثناء تجواله مع الكتيبة في منطقة قريبة من الحي الذي يقطن فيه، قامت طائرات النظام الحربية بقصف منزله، ما أودى بحياة كل أفراد أسرته. بعد ذلك، قام جيش الاسلام الذي فرض سيطرته على الغوطة بملاحقة ماهر، ما دفعه للهرب إلى تركيا، وهناك انتظر عاماً كاملاً الوقت المناسب للعودة، لكن تلك اللحظة لم تأت بل جرى تعميم اسمه في مناطق عديدة من قبل جيش الاسلام، “داعش” و”النصرة”. في ذاك الوقت بدأت أفواج اللاجئين تتجه بحراً وبراً نحو أوروبا، ورغم كل ما مر به لم يشعر يوماً بالوهن بل كان قوياً، صلباً، حتى أثناء رحلة البحر والبر القاسية، إلى تلك اللحظة التي استلم فيها أوراق اللجوء وسريراً صغيراً في أحد مخيمات اللاجئين.
بعد عدة أيام من خبر الانتصار، أصبح أقل انزعاجاً وأقل وحدة أثناء تمضية قسم كبير من وقته على الكنبة، وذلك بعد أن تم طعن أوهامه حول مكانه في الكون. لم يكن ماهر متلقياً سلبياً للأحداث من حوله في بداية الأمر، بل كان نشيطاً متحمساً، لكن بعد مرور سنوات عدة على الأحداث في سوريا سقط شبابه في هرم مبكر جداً. لم يحصل هذا التطور بين ليلة وضحاها، إلا أنه في نهاية الأمر، أصبحت نوبات الهلع جزءً هاماً جداً في حياته الشخصية، أنفق بسببها وقتاً لا بأس به على الكنبة. يقول ميشيل فوكو، في كتابه تاريخ الجنون “إن إعطاء المرض تعريفاً ما، هو تعداد الأعراض التي تمكن من معرفة نوعه وفصيلته، وتميزها عن باقي الأمراض الأخرى، وهنا يجب الاعتراف بوجود حذف، ولا يمكن أن يكون الحذف هو المرض، بل هو سببه، لهذا يجب تحرير المرض مما يمكن أن يشتمل عليه من أبعاد غير مرئية وسرية”.
أثناء كتابتي لهذا النص، قمتُ بطرح سؤال بسيط على “فيسبوك”، في صفحتي الشخصية، “من منكم أصيب بنوبة هلع في السنوات الأخيرة ؟”، في الحقيقة لم أتفاجأ من كم التعليقات والرسائل التي وصلتني من عدد كبير لمن هم من جيلي تقريباً، عن إصابتهم بنوبات هلع منهم من يتعرض لها يومياً، المثير للاهتمام أن معظهم وأثناء سرد تجربتهم مع “البانيك أتاك”، أشاروا إلى الأسباب الممكنة وراء اقتحامها حياتهم من وجهة نظرهم الشخصية، كما أجمعت الروايات على أنها بدأت عند انتقالهم القسري إلى مكان آخر أقل توتراً وعنفاً مما سبق، بل إلى مكان تكثر فيه الاحتمالات الإيجابية نحو مستقبل أكثر استقراراً، حيث عادت الذكريات والتجارب المؤلمة إلى الظهور على السطح بتفاصيل كانوا غيبوها عن أنفسهم دون وعي منهم في مرحلة محاولة النجاة. لكن في الواقع لا يقتصر الأمر فقط على الوصول إلى بر الأمان كي تتوقف الآلية الدفاعية النفسية من جراء نفسها، بل استمرارية الكارثة كذلك.
تمددتُ على السرير، إنها الساعة ١٢ ليلاً، اعتادت فرح أن تخلد إلى النوم في الوقت ذاته كل ليلة، الساعة ١٢ ليلاً، حاولت إغلاق جفنيها إلا أنها لم تنجح في ذلك. تعجبت من رفضهما، وبعد محاولات عدة، استسلمت لصحوتهما، بعد لحظات أخذ العرق ينساب من مساماتها، بينما ازدادت سرعة دقات قلبها، ظهر صوت غريب في رأسها، لكنه صوتها، شعرت برغبته في أن يخرج من رأسها، وكأنها على حافة الجنون. شدت اللحاف فوق رأسها، لربما توقف هجوم الأفكار العشوائية، تلك الأفكار المتمثلة بصور المحقق والمعتقل، فكرة احتمالية موت والدها، واحتمالية لوم العائلة لها على هذا المصاب المحتمل، “كأنو فيلم براسي وأنا عم احضروا غصب عني، كان خوف كبير انو في احتمال إني عم جن أو عم موت”، قالت فرح، المعتقلة السابقة لدى النظام السوري والتي انتقلت منذ قرابة العام إلى لبنان.
يمكن القول إن آثار الصدمات التي عاشتها فرح والتي أفلتت سابقاً من هيمنة الوعي وانفصلت عنه، القابعة في النطاق المظلم من اللاوعي استثيرت بعد حديث أجرته مع اختها قبل ذهابها إلى السرير، حول وضع عائلتها في دمشق، عن تعبهم من الحياة وشوقهم لها واحتمالية عودتها إلى جانب تطرقها إلى مخاوف وأحداث سابقة.
يبدو أن الكثير ممن شهدوا الحروب وتداعياتها، غدوا عاجزين عن التخلص من أي شيء، عاجزين عن الحسم في أي شيء، وعاجزين عن رد أي شيء، كل شيء يغدو ثقيلاً موجعاً، تتقارب فيه الأشياء حدّ التلاصق، الأحداث تصيب في العمق، وتسهل في حاضره استثارة الذكريات التي تظهر كجروح متقيحة، تلك الذكريات التي ومن شدة ألمها بعد تعرضها للاستثارة تعود إلى واقعهم في حالة حية، تهجم بقوة نحو تفكيرهم، حدسهم، شعورهم وإحساسهم الآني، يعني  كما لو أن شخصياتهم القابعة في ذاك الجزء المظلم من رأسهم ارتدت عن هجرها لوعيهم، ليتقابلوا سويةً مع ذاتهم في الحاضر. هو، هي وذواتهم، تهن.
بالعودة إلى ماهر، فقد اعتاد صديقنا على نوبات الهلع، في الأشهر الأولى كان غيابها عنه أمراً مثيراً للقلق، لاحقاً وبعد حضورها المستمر في حياته تأكد أن إصابته بالجنون والموت لن يكونا ناتجين عنها، هذا اليقين جاء من قراءته وبحثه لمعرفة ماهية هذا “العضو الجديد” بحسب ما أسماه وبالطبع إلى خوضه غمار التعامل اليومي معها، ما جعل مرورها أقل ثقلاً، كما اتبع تكنيك، “عد النبضات السري”، التكنيك الذي اتبعه أثناء ممارسته لحياته الاجتماعية وفي عمله دون أن يلحظه أحد، إذ يحرك كل خمسة دقائق كفه اليمنى بخفة يلقيها على معصم يده اليسرى، ويضغط بأصبعه على مكان إحساسه بنبضه، يعد ١- ٢- ٣ للتأكد من انتظام دقات قلبه، إلا أنه  في الآونة الأخيرة تنبه إلى تخليه دون قصد عن التكنيك ذاك، وغياب هوسه بالحضور المحتمل لنوبة الهلع.
من الممكن أن دخول نوبة الهلع إلى داخل الأنا من خلال الإدراك الحسي -الشعور، جعلها صالحة للمقاومة من قبل الأنا ودفعها نحو منطقة الكبت، ليقبع واقع وجودها مع كل مكبوتات ماهر في المكان المظلم، تلك المكبوتات التي خلقت نوبة الهلع بحد ذاتها.
جلست أمام جهاز الكمبيوتر الخاص بي، أنقل من هاتفي صوراً شخصية وأخرى عامة، تفحصت الصور الحديثة بتمعن، إلى أن وصلت إلى الصور القديمة، صور لوجوه وأحداث كنت قد أصريت على نسيانها أو إخفائها جيداً في مكان سري في رأسي، حينها، بدأت أقلب الصور بعجلة، لم أشعر تجاهها بشيء، لا شيء مطلقاً، إلا أن دقات قلبي بدأت تتسارع، بينما انساب العرق بين أصابعي، شعرت بالاختناق و رويداً رويداً بدأت الشاشة من أمامي تتلاشى، وكذلك أنا.
كادت الشمس تميل إلى الغياب، بينما كنت أسير في طريق لم أمشي به سابقاً، لكن هناك إحساس ما، بأني أعرفه جيداً، ها أنا أسير فيه بثقة، باتجاه منزلي، أو على الأقل هذا ما ظننته. وصلت إلى مبنى هائل الحجم، قديم للغاية، دخلته، صعدت الدرج، طابق تلو الآخر، أصوات كثيرة تصدر من أبواب المنازل التي كنت أمر بها، لكني حتى اللحظة لم أجد منزلي، أنا متأكدة أنه في مكان ما هنا، وصلت إلى باب غريب، فتحته، إنه ليس بيتي، لكنه بيتي أيضاً. هناك ناس كثر يتحركون في أرجاء المكان، الغريب الأليف، وجوه أعرفها، وأخرى لم ألتقي بها سابقاً لكنها أليفة أيضاً. توجهت نحو الغرفة، التي هي على ما يبدو غرفتي، أفتح الباب، أختي الصغيرة مستلقية على سريري، ماذا تفعل هنا؟ لم ألتقي بها منذ ٥ أعوام تقريباً أو ربما أكثر، أدارت وجهها نحوي، لم يكن يشبه شيئاً من ملامحها، لكنها أختي الصغيرة، هناك شعور باليقين تجاه هـذا الأمر، خرجت مسرعة إلى الخارج. في الخارج معظمهم أشخاص لم ألتقي بهم منذ زمن، افترقنا في الأعوام الأخيرة، أصابني الإرباك، أين أنا؟، وضع أحدهم يده على كتفي، يناديني باسمي، التفت، أصيب بالذعر، إنه صديق قتل في حمص قبل ٥ أعوام. أركض بعيداً، أتجول بين الحشود المجتمعة، اقتربت من امرأة محجبة، والدتي، لم ألتقي بها منذ مدة طويلة كذلك، حاولت التحدث إليها، لكن لساني لم يساعدني على النطق، لم تكن ملامحها تشبه ملامحها، لكني كنت متأكدة أنها هي، شعرت بالدوار، بدأت أفقد القدرة على الحركة، سقطت. وقعت عن الكرسي، استيقظت في حالة هلع شديدة لم أشهدها سابقاً.
يبدو أن هذا الحلم / الكابوس لا يبعد بنا على الواقع بل هو على العكس يعود بنا ونحن نيام إلى ما ابتعدنا عنه في شواغل اليقظة، وكأن الحلم هو استئناف على نحو ما لحياة اليقظة، يمكنني القول إن هذه الصور التي ظننت أنها مرت عابرة أمامي قبل أن أغفو فجأة، أثارت المشاعر المخزنة في ذاكرتي، اقتحمت بسهولة جهاز الإدراك الحسي، والتي قمت بكبتها على الفور عن طريق النوم المفاجئ، النوم جاء نتيجة إرهاق شديد لعملية الكف اللاوعية لتلك المشاعر.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني