fbpx

ما لا يستطيع غير الفرنسيين فهمه عن إيمانويل ماكرون

يناير 31, 2018
يسود شرائح واسعة من غير الفرنسيين شعور بالانبهار بشخصية الرئيس إيمانويل ماكرون. ولمَ لا وهو أصغر رئيس للجمهورية الفرنسية على الاطلاق يُنتخب بدون الانتماء لحزب وبدون خبرة انتخابية سابقة. إنه شخصية برزت من العدم قبل عامين لتتصدر المشهد السياسي الفرنسي. بالطبع يشعر الناس بالفضول...

يسود شرائح واسعة من غير الفرنسيين شعور بالانبهار  بشخصية الرئيس إيمانويل ماكرون. ولمَ لا وهو أصغر رئيس للجمهورية الفرنسية على الاطلاق يُنتخب بدون الانتماء لحزب وبدون خبرة انتخابية سابقة. إنه شخصية برزت من العدم قبل عامين لتتصدر المشهد السياسي الفرنسي. بالطبع يشعر الناس بالفضول.
ولكن هناك سبب آخر دفع أصدقائي، غير الفرنسين، لإطلاق وابل من اﻷسئلة حول رئيس البلاد التي أنتمي لها. ومثلي تماماً، فإن أغلبهم حاصلين على درجات علمية مرتفعة وذوي خلفية اجتماعية تنتمي للطبقة فوق المتوسطة. هذا النوع من الخلفيات الاقتصادية الاجتماعية ينجذب بشدة للرئيس ماكرون.
تمثل آراؤه انعكاساً ﻷغلب اﻵراء التي تتبناها هذه الطبقة الراقية “طبقة الصفوة”. فهو يعتقد أن الفجوة بين اليمين واليسار يجب أن يتم تخطيها. وهو لا يهتم بمسألة الإيديولوجيات التي عفى عليها الزمن، ولكنه يهتم بإيجاد الحلول التي تؤتي ثمارها أياً كان مصدرها. وهو يعتقد أن وجود الشركات الناشئة أمر جيد وأنه ينبغي على الاقتصاد، بشكل عام، تشجيع ريادة الأعمال، ولكنه أيضاً يرغب في وجود بعض الرفاهية في دولته. هو لا يرى أن هناك مشكلة على الإطلاق في زواج المثليين. وهو يعتقد أن الهجرة مسألة مرغوبة لأسباب اقتصادية وأخلاقية.
ولكنه لا يفكر فقط كواحد من النخبة. إنه يجسد نمط الحياة المثالي للعديد من النُخب. كان أداؤه الأكاديمي جيداً للغاية، ولكنه لم يصل لدرجة التميز كونه فشل في اجتياز امتحان القبول المؤهل لدخول مدرسة الأساتذة العليا المرموقة، بطريقة تشير إلى أن صاحبها يمتلك تفكيراً عميقاً (فهو حاصل على درجة الماجستير في الفلسفة)، إضافة إلى النجاح العملي، (فخريجي مدرسة الأساتذة العليا يُديرون القطاعين الحكومي والخاص في البلاد)، وذلك لأننا لو تحدثنا بشكل جدي سيتوجب علينا طرح السؤال التالي، كم عدد أولئك الذين يرغبون حقاً في أن يصبحوا فلاسفة؟ وكان جيداً للغاية خلال عمله في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية ولكنه لم يكن متميزاً. اعتُبر زواجه من امرأة تكبره في السن، وكانت خلال فترة ما تدرّس له مادة الدراما، تجاوزاً اجتماعياً ولكنه ليس فجاً. وهو وسيم، ولكن ليس إلى حدٍ كبير. 
بعبارة أخرى، إن إيمانويل ماكرون هو دونالد ترامب النُخبة. فهو لا يمثلهم فحسب وإنما هو أيضاً بمثابة الرمز بالنسبة لهم. مؤيدو الرئيس الأميركي ترامب المتشددون يعشقونه بشكل متفاني ليس فقط لأنهم معجبون بما يقوله، ولكن أيضاً بسبب الصورة الذهنية الموجودة لديهم عن ترامب باعتباره الشخص الذي كانوا يرغبون أن يصبحوا مثله. الأمر نفسه ينطبق على ماكرون ونخُبته، وهذه هي الحاشية التي تنبثق منها الحركات المسيحانية.       
والمقارنة هنا ليست دقيقة لسببٍ واحد، أنني لا أشعر بالقلق لفكرة أن يكون ماكرون هو الشخص المتحكم بالسلاح النووي في البلد الذي أنتمي له، في حين أنني أشعر بالقلق الشديد من فكرة أن ترامب هو المتحكم في السلاح النووي الأميركي. لكن المقاربة تناسب ما أتمنى أن يفهمه كل أميركي بشأن ماكرون وهو “أن سياسته الوسطية البراغماتية هي في واقع الأمر مجرد سياسة قائمة على مصالح طبقية”.    
وكما أشار كريستوف غيلوي، عالم الاجتماع والمحلل الرائد في المجتمع المعاصر، يمكن اختزال مؤيدي ماكرون في كلمة واحدة: “الميسورين” أو “الأغنياء”. إنهم هؤلاء الذين ركبوا موجات التغيير التي قادت الغرب على مدى العقود القليلة الماضية، والمقصود هنا العولمة والتحول التكنولوجي، إلى نجاحٍ هائل. التعليم هو أفضل مؤشر على التصويت بالنسبة لماكرون، وهو أمر منطقي كونه لا يرتبط فقط بالرأسمالية النقدية (المالية) ولكن أيضاً بالرأسمالية الثقافية. هناك مؤشر آخر وهو الفئة العمرية. فعلى غير المتوقع، لدى ماكرون شعبية كبيرة بين كبار السن، تلك الفئة التي تحميها معاشاتها التقاعدية من الإصلاحات التحررية التي نادى بها ماكرون، في حين تنخفض شعبيته بين فئة الشباب، كونهم الخاسر الأكبر في ظل نمط الاقتصاد الفرنسي المعاصر.
هذا ما يفسر سبب هبوط شعبية ماكرون على الرغم من نجاحه في الفوز بالانتخابات، مستغلاً العيوب في النظام الانتخابي الفرنسي الغريب، كي يُنتخب كبديل لمرشحين أسوأ. يستشعر أولئك الفرنسيون ممن لا ينتمون للنخبة الشعور ذاته الذي تستشعره النخبة، ويمكن التنبؤ بردة فعلهم على قدم المساواة. والآن، يرفض مناصرو ماكرون تصديق أن دعمهم له هو من باب المنفعة التي ستعود على الطبقة التي ينتمون لها على حساب بقية البلاد. بل على العكس، فهم يعتقدون أن ما يصب في مصلحتهم هو بالتبعية يصب في مصلحة البلاد. ويمكن أن نطلق على هذا الأمر “الاقتصادات القائمة على الأثر الانتشاري”. ولكن، بالطبع، لا يريد أحد تصديق فكرة أنه يدعم سياسة بعينها كونها بكل بساطة تصب في مصلحته. صُورت مسألة بناء الجدار على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك على أنها مسألة تتعلق بالهوية الأميركية، وهو أمر يمكن لجميع الأميركيين تفهمه والتعاطف معه، وليس كونها حاجزاً لحماية الأجور التي يحصل عليها مناصرو ترامب على حساب العمالة المهاجرة ذات الدخل المنخفض.
ليس هناك بالتحديد ما يعيب هذا الأمر. فوجود مجموعات تدافع عن مصالحها هو ببساطة جوهر السياسة. فالسياسة الديموقراطية تستمر كونها الآلية الأقل سوءاً التي توصلنا إليها للتعامل خصيصاً مع هذه الأمور.
ولكن هناك جانب سيء لسياسة ماكرون القائمة على الطبقية، ألا وهو أنه وفي حال ما تم استبدال تلك الفجوة بين اليمين واليسار بخلق فجوة بين الأغنياء والفقراء، يكون حينها قد استحدث وحشاً من نوع مختلف.وها هو الإعصار الماكروني يضرب بشدة ويعمق جراح الأحزاب اليمينية واليسارية التقليدية التي تكافح من أجل البقاء. ولكن، مازال هناك شخصان على ما يرام وهما: جان لوك ميلينشون، زعيم الجبهة اليسارية المتطرفة في فرنسا، والقيادية اليمينية المتطرفة، مارين لوبان. في الواقع، فإن استمرارهما في أداء دورهما بشكل جيد يصب من مصلحة ماكرون السياسية، وذلك لخنق الأحزاب التقليدية التي قد تحل محل حزبه الوسطي الجديد. فكلما تحسن أداء ميلينشون ولوبان، كلما ازدادت الحالة السيئة للأحزاب التقليدية، كلما ظهر ماكرون بمظهر البديل الوحيد للمرشحين الذين لا تزال غالبية الشعب الفرنسي ترفضهم.  
قد يؤتي هذا الأمر ثماره فيما يتعلق بإعادة انتخابه، ولكن ما لا يفهمه الكثيرون حول محاولات ماكرون لإبعاد السياسة الفرنسية عن الانشقاقات المُختلقة بين اليمين واليسار هو أنه، وفي حال نجاح تلك السياسة، فإن هذا سيعني أن حزب المعارضة، أياً كان شكله أو زعيمه – سيصبح معادياً بامتياز للنُخبة. وإذا ما وضعت دونالد ترامب ونايجل فاراج وجيريمي كوربين وجان لوك ميلينشون ومارين لوبان في قارُورَة وقمت بهزها بقوة، فأياً كان ما سينتج عن هذا المزيج، وفي أجواء سياسية مشابهة لتلك الموجودة تحت قيادة ماكرون، فإنه سيصل إلى رأس السلطة في البلاد. ربما ليس اليوم أو غداً. ولكن سيحدث هذا الأمر في مرحلة ما إذا ما نجح رهان ماكرون.
 
هذا المقال تم اعداده وترجمته عن موقع The Atlantic لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.
 
 [video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني