في عفرين… قرية شاميّة!

تثير القرارات التركية والادارة السورية الموالية لها في مناطق سيطرتها في الشمال السوري الكثير من الجدل وتتخذ المواجهة بين السكان الكرد وبين القوات المسيطرة أشكالا مختلفة وجديدها إعلان تلك القوات إنشاء قرية شامية في عفرين لإسكان المهجرين في منطقة تعد ذات غالبية كردية.

تثير القرارات التركية والادارة السورية الموالية لها في مناطق سيطرتها في الشمال السوري الكثير من الجدل وتتخذ المواجهة بين السكان الكرد وبين القوات المسيطرة أشكالا مختلفة وجديدها إعلان تلك القوات إنشاء قرية شامية في عفرين لإسكان المهجرين في منطقة تعد ذات غالبية كردية.

فقد شكلت مجموعة من أهالي الغوطة الشرقية، جمعية تعاونية سكنية في مدينة عفرين الكردية، تحت مُسمى “الجمعية الشامية”، لبدء تنفيذ مشروع القرية الشامية ضمن الحدود الإدارية لمنطقة عفرين، بدعم من فصائل الجيش السوري الحر الموالي للجيش التركي. جاء ذلك في بيان رسمي للجمعية، التي دعت سكان الغوطة الشرقية الموجودين في منطقة عفرين إلى الانضمام إلى المشروع للبدء به.

برّر القائمون على المشروع أن الأراضي حيث سيتم بناء مشروع القرية الشامية تعود ملكيتها إلى الدولة، أو ما يُعرف في سوريا بـ “أملاك الدولة”، كذلك قيام المشروع حول قرية مريمين العربية، وعلى أراضٍ تابعة لها، تجنُباً لتُهم عملية التغيير الديموغرافي التي يبدو أن تركيا تنفذها في منطقة عفرين.

تعيد مشاريع تركيا الاسكانية في سوريا، ومن ضمنها المنطقة الكُردية، التذكير بتجربة النظام السوري، حين طبق مشروع الحزام العربي في محافظة الحسكة، واعتبرت حينها أملاك الأكراد هناك، من أملاك الدولة، وتم منحها إلى عوائل عربية وافدة من محافظة الرقة، والتي صار عددهم الآن بما يزيد عن 200 ألف نسمة. صار وجود هذه المزارع والقُرى العربية، منطقة فاصلة بين القرى والبلدات الكردية، هذا غير أن الفلاحين الأكراد حُرِموا من أراضيهم الزراعية طيلة عقودٍ مضت.

وجاء في مشروع رئيس شعبة الأمن السياسي في الحسكة، محمد طلب هلال، الذي تم تسريبه “جعل الشريط الشمالي للجزيرة منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة، بحيث توضع فيها قطعات عسكرية مهمتها إسكان العرب، وإجلاء الأكراد، وفق ما ترسم الدولة من خطة”.

وضمت المقترحات التي رفعها مُحمد طلب هلال: “إنشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمالي، على أن تكون هذه المزارع مدربة ومسلحة عسكرياً كالمستعمرات اليهودية على الحدود تماماً”.

من ضمن المُقترحات التي رفعها هلال، أن تقوم حكومة النظام السوري بـ “إسكان عناصر عربية وقومية في المناطق الكردية على الحدود، فهم حصن المستقبل، ورقابة في الوقت ذاته على الأكراد، ريثما يتم تهجيرهم، ونقترح أن تكونَ هذه من (شَمر) لأنهم أولاً من أفقر القبائل بالأرض، وثانياً لأنهم مضمونون قومياً مئة في المئة”.

غير ذلك، فإن المشاريع السكنية المتوالية لتُركيا بين الحدود الإدارية لمنطقتي كوباني وعفرين، والتي تضم مئات القُرى الكردية تبدو مقدمة لتحويل مخيمات المهجرين من الداخل السوري إلى المناطق الحدودية لمناطق سكنية دائمة، يكون من شأنها أن تلغي الخط الكردي الموحد في الشريط الحدودي، والذي يُقابله شريط حدودي كردي في الجانب التركي، لتخفيف الكثافة السكانية الكردية هناك، والحد من الارتباط العائلي والعشائري بين أبناء تلك المنطقة، لا سيما أن الأكراد في مناطق الباب وإعزاز وجرابلس، ينتمون إلى العشائر والعوائل الكردية ذاتها في كوباني وعفرين.

 

ظلت أكبر المشكلات التي تهدد الوجود الكُردي في سوريا مرتبطة بمسألة الحدود الإدارية للمُدن والبلدات الكُردية التي تضم بقية المكونات (العربية والتركمانية) في المحافظات السورية؛ إذ إن الحكومات المتعاقبة على سوريا، قسمت المناطق التي تشكل الإقليم الكُردي الموحد بين محافظات سورية عدة، لتُنهي الثقل الكُردي فيها

 

الحدود الإدارية لكردستان- سوريا، سبق أن قُسمت وفق سياسة تخفيض الثقل الكردي، سواء باعتبار كوباني وعفرين مدينتين مُرتبطتين بحلب، وغير مستقلتين، ومثلُها تجارب مُماثلة في محافظة الحسكة، التي ربطت فيها الحكومات السورية بلدة مركدة، ذات الكثافة السُكانية العربية بمحافظة الحسكة، على رغم أنها تبعد منها بمسافة جغرافية واسعة، وأقرب إلى محافظة دير الزور.

ظلت أكبر المشكلات التي تهدد الوجود الكُردي في سوريا مرتبطة بمسألة الحدود الإدارية للمُدن والبلدات الكُردية التي تضم بقية المكونات (العربية والتركمانية) في المحافظات السورية؛ إذ إن الحكومات المتعاقبة على سوريا، قسمت المناطق التي تشكل الإقليم الكُردي الموحد بين محافظات سورية عدة، لتُنهي الثقل الكُردي فيها، وبأن لا تكون الجزيرة وكوباني وعفرين، ثلاث محافظات تشكل إقليماً موحداً، بحدود جغرافية مُتصلة.  

صار مُصطلح “أملاك الدولة”، التي استخدمها النظام السوري في محافظة الحسكة، لتجريد الفلاحين الأكراد من أراضيهم الزراعية وبناء مستوطنات عربية فوقها، والتي ورد ذكرها في بيان الإعلان عن تأسيس القرية الشامية، جزءاً ومبرراً ناجحاً للطرفين، السوري والتركي، لتقليص الوجود الكردي على أرضه.

 

إقرأ أيضاً:

قسد مستمر في تجنيد الأطفال 

الأكراد في الدراما السورية

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

محمد خلف – صحافي عراقي
نجحت إيران ومنذ سنوات في التغلغل في أوروبا من دون أن تثير حساسية أجهزة استخبارات دول الاتحاد. هذا التمدد حصل في إطار استراتيجية القوة الناعمة، التي تهدف إلى تثبيت نفوذها …
سابين سلامة – صحافية لبنانية
عملياً، البحر هو المساحة التي نخزّن فيها نفاياتنا، نصب الباطون فوقها بعد فترة زمنية محددة، ننفذ “مشاريع اقتصادية” في مبانٍ حديثة لكي نبيع شققاً فخمة ذات “مناظر خلابة”، تماماً كما حصل في منطقة الضبية.
ناصر جابي – أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الجزائر
عرف دور النقابات المستقلة صعوداً واضحاً مع بداية الحراك الشعبي في 2019 الذي غيّر جذرياً في ملامح الساحة السياسية الوطنية، عبر بروز قوى اجتماعية جديدة كالشباب والفئات الوسطى والمرأة.
وهيب معلوف – باحث لبناني في شؤون الهجرة
الدياسبورا اللبنانية بحكم وجودها وعملها في الخارج تملك القدرة لتكون أقل ارتباطاً بالنظام الطائفي في الداخل، فهل تسهم، على عتبة مئوية لبنان، في لعب دوراً “تأسيسياً” جديداً يلاقي تطلعات انتفاضة 17 تشرين أول؟
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كنا نسمع صراخها في الليل والنهار، وكان (والدها) يمنعها من الخروج، والتواصل مع صديقاتها، واقتناء هاتف محمول خاص بها.. حياتها كانت أشبه بالجحيم”.
الياس حلاس – صحافي جزائري
كان الوباء فرصة للسلطة في الجزائر لعزل كل ما اعتقدت أنه خلايا جرثومية يشكل تكاثرها خطراً على المنظومة القمعية، ولم تتوان عن استغلال الحجر الصحي لمواصلة تحييد الأصوات “النشاز”، بتشديد الرقابة…
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني