fbpx

75 عاماً من الاستقلال…

"أيّ لبنان نريد؟"، السؤال الذي كان بيار الجميّل، الجَدّ، يُكثر من طرحه، أُجيبَ عنه سلباً وبالممارسة وأكثر من مرّة: كلٌّ منّا يريد لبنان ما، وهذه اللبنانات التي نريدها غير قابلة للتلاقي، أو حتّى التقاطع في ما بينها.

لو قسّمنا الـ 75 سنة، التي هي عمر الاستقلال اللبنانيّ، أطواراً ومراحل ومحطّاتٍ، لوجدنا التالي:

في 1952 “ثورة بيضاء”. في 1958 “ثورة” على شيء من الحُمرة دامت سبعة أشهر. في 1968 – 1969، وبقدر من العنف طفيف، إنهاءٌ للمحاولة الشهابيّة في بناء مجتمع ودولة. في 1973 حرب مصغّرة. في 1975 انفجار “الحرب اللبنانيّة” التي عُرف طورها الأوّل بـ “حرب السنتين”، ثمّ كرّت أطوارها الأخرى تباعاً. هذه الأطوار – التي فصلت بينها هدنات تطول أو تقصر، كما انحصر بعضها في مناطق دون أخرى – وجدت تتويجها في الحروب داخل الطوائف نفسها (شيعة “أمل” وشيعة “حزب الله”، موارنة ميشال عون وموارنة سمير جعجع). الحرب هذه التي انتهت في 1990، تخلّلها، ابتداء بـ 1982 احتلال إسرائيليّ لجنوب لبنان وجنوبه الشرقيّ استمرّ حتّى 2000. باقي المناطق خضعت، في هذه الغضون، لاحتلال سوريّ استمرّ حتّى 2005. منذ 2005 يتّضح بإيقاع يوميّ أنّ الانقسام بين اللبنانيّين يكاد يطال كلّ شيء تقع عليه أيديهم. حكم هذا البلد يكاد يشبه الاستحالة.

إذاً، الكلام عن وطن “سيّد حرّ مستقلّ”، بحسب الشعار الرسميّ، ليس دقيقاً! باستثناء فترتين امتدّتا من 1952 إلى 1957 ومن 1960 إلى 1967 – 68، لم يعرف البلد استقراراً ودرجة من الإجماع تُبنى عليهما حياة سياسيّة (هذا بغضّ النظر عن الأكلاف الباهظة التي دُفعت في هاتين الفترتين تزويراً للانتخابات النيابيّة ورهناً للسياسة الخارجيّة).

“أيّ لبنان نريد؟”، السؤال الذي كان بيار الجميّل، الجَدّ، يُكثر من طرحه، أُجيبَ عنه سلباً وبالممارسة وأكثر من مرّة: كلٌّ منّا يريد لبنان ما، وهذه اللبنانات التي نريدها غير قابلة للتلاقي، أو حتّى التقاطع في ما بينها. مختلفون نحن في ما خصّ الماضي، وفي ما خصّ تأويله أيضاً، على ما علّمنا كتاب أحمد بيضون المرجعيّ “الصراع على تاريخ لبنان”. مختلفون بالطبع في الحاضر وعليه: بشقّ النفس تمكنّا من انتخاب رئيس للجمهوريّة، وبشقّ النفس نحاول التوصّل إلى حكومة ونفشل في ذلك. مختلفون أيضاً على المستقبل، على موقعنا منه وموقعه منّا.

 

الكلام عن وطن “سيّد حرّ مستقلّ”، بحسب الشعار الرسميّ، ليس دقيقاً! باستثناء فترتين امتدّتا من 1952 إلى 1957 ومن 1960 إلى 1967 – 68، لم يعرف البلد استقراراً ودرجة من الإجماع تُبنى عليهما حياة سياسيّة

 

ضاعف هذا الفشل، في العقدين الأخيرين، تأزّمٌ شرع يطال معنى المفاهيم التي كنّا نختلف حولها: مثلاً، كنّا نختلف حول “الانتماء إلى المنطقة”. الآن بات تعريف “المنطقة” إيّاها خلافيّاً: إيران أم الخليج؟ سوريّا – الأسد أم سوريّا شعبها؟

هذه المسيرة – الباعثة على اليأس – تستدعي التواضع على الأقلّ. تستدعي الإقرار بأنّ “الوطن اللبنانيّ” هو مشروع للمستقبل، بل مشروع صعب جدّاً للمستقبل، شروط نجاحه لا تزال تقلّ كثيراً عن شروط فشله. الاستعانة بفخر الدين المعنيّ الثاني وببشير الشهابي لا تُعين كثيراً إلاّ في التمويه على الأزمة الوجوديّة الشاملة.

وجه التواضع الآخر، وهو ليس عزاءً لأحد، أنّ بلدنا، مثل سائر دول المنطقة و”العالم الثالث” التي استعصت فيها الدولة، ما خلا سلطات الطغيان التي كبتت المجتمع قبل أن يردّ المجتمع بسلاح اللادولة: سوريّا الأسد ثمّ اليوم، أو عراق صدّام وما بعده…

قد تكون “الخصوصيّة” اللبنانيّة أنّ مصادر التفكّك ليست نتاج الطغيان والاستبداد. إنّها نتاج فهم بدائيّ، عصبيّ ولا عقلانيّ، للسياسة والدولة، فهمٍ لم يكفّ عن إلحاق هاتين السياسة والدولة بالمجتمع الأهليّ وتعصّباته. إذاً: هنا أيضاً، تتعدّد الأسباب العربيّة ويبقى الموت واحداً.

لكنْ لحسن الحظّ تراجعت العادة الرديئة التي تحمّل الـ 23 سنة انتدابيّة مسؤوليّة السنوات التي أعقبتها، والتي بات عمرها 75 سنة. الآن، لم يعد إلاّ القليلون جدّاً يقولون ذلك. لكنّ ما بات قولاً جامعاً للّبنانيّين هو استدراج آخر ما إلى موقع المسؤوليّة وتحميلها إيّاها. هذا فيما نتشارك جميعاً في حفر الهوّة العميقة التي ننحدر إليها ونحن نتبادل الأنخاب بالعيد الـ 75 مُنشدين بالطبع: “كلّنا للوطن”.  

 

إقرأ أيضاً:

لايكفي أن يكون المرء ضد إيران

التطبيع والرقابات

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
تبدو الاستعاضة عن المحاسبة اللبنانية بالعدالة الدولية هي الخيار المتاح اليوم في ظل عجز القضاء اللبناني عن المبادرة. أما التلويح بأن استهداف الحاكم هو استهداف للقطاع المصرفي، وهو ما أشار له البطريرك الماروني بشارة الراعي، فالحقيقة أن من غامر بمستقبل هذا القطاع هو سلامة قبل أي أحد غيره.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني