fbpx

ما السبب وراء قلة عدد البرامج المُكثفة للناجين من الحرب؟

فبراير 1, 2018
هناك توجّه مثيرٍ للاهتمام بين الباحثين المعنيين بتأثير الحرب على الصحة النفسية، فهناك دراسات صُممت من أجل تقييم تأثير العلاجات أو التدخلات الممكنة في سياق الحرب. هذا يعني، اجراء تدريبات مُكثفة للمعالجين (غير المتخصصين) أو مُنَسقي المجموعات، والإشراف عليهم

هناك توجّه مثيرٍ للاهتمام بين الباحثين المعنيين بتأثير الحرب على الصحة النفسية، فهناك دراسات صُممت من أجل تقييم  تأثير العلاجات أو التدخلات الممكنة في سياق الحرب. هذا يعني، اجراء تدريبات مُكثفة للمعالجين (غير المتخصصين) أو مُنَسقي المجموعات، والإشراف عليهم؛ لأن نسبة كبيرة من هذه البرامج تُنفّذ من قبل أفراد المجتمع المحلي، من غير المختصين في مجال الصحة النفسية. كما يُلاحظ وجود نُدرة في العاملين في مجال الصحة النفسية، وذلك في تلك المناطق من العالم، حيث يعيش الكثير من الناجين من الصراع المسلح، ولذا كان استخدام الأشخاص المُدربين أمراً ضرورياً.  وكما يتضح أيضاً، فهذا هو البديل الواعد للرعاية الصحية النفسية المتخصصة. 
وعادة ما يكلف كل هذا الكثير من المال، إذ لابد من دفع أجورٍ للمسؤولين عن الأنشطة والمدربين، نظير عملهم، ولابد من تدريب المشرفين المحليين على كيفية الإشراف على المسؤولين عن الأنشطة، مع تزويد هؤلاء المشرفين بما يلزم، إلى أن يتقنوا إجراء التدخلات، ويتقنوا فن الإشراف على المسؤولين عن الأنشطة (غير المختصين) الذين خضعوا للتدريب. كما نحتاج لدفع مكافأت لأولئك الذين يُشرفون على إجراء التدخلات. وكذلك لتوفير تدريبات تنشيطية، بحسب الاحتياج،  للخبراء الذين يواجهون بعض الصعوبات. وهذا يعني رصداً دقيقاً لجميع جوانب التنفيذ من أجل ضمان دقة وأمانة ما تم فعله مع ما كان ينبغي فعله. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون هناك حاجة إلى وسائل للنقل وحوافز مادية من أجل زيادة نسبة المشاركة في مثل هذه التدخلات.   ولا يشكل أي من هذه الأمور مشكلة لدراسات الكفاءة، لأن الممولين على استعداد للاستثمار بكثافة في تطوير واختبار التدخلات المُلحة للسكان المدنيين المتأثرين جرّاء الصراع المُسلح.
هناك مشكلة واحدة فقط،
بعد إجراء التدخلات ذات الموارد العالية ووضوح تأثيرها (والتي أظهر القليل منها نتائج مدهشة، إذ كان حجم التأثير مساوٍ أو يزيد عن النتائج التي ظهرت عن الدراسات الدقيقة حول علاجات الصحة النفسية، وذلك في البلدان التي تتميز بالدخل المرتفع)، يتم الإنتهاء من النسخة المُلخصة للنتائج ونشرها في إحدى الصحف المرموقة. حينها تواجه المنظمات غير الحكومية ذات الموارد المحدودة والمراكز المحلية للصحة النفسية ذات الميزانيات الضعيفة، مهمتها الشاقة في محاولة محاكاة هذه النتائج الكبيرة الناتجة عن دراسات الكفاءة. وبذلك يتعين عليهم إجراء الدراسات بدون الموارد اللازمة، لتوفير التدريبات المكثفة لمسئولي التدريبات، إذ يتردد المانحون في كثير من الأحيان في تمويل التدريبات، التي تتجاوز الحد الأدنى، كما ترى المنظمات غير الحكومية أنها قادرة على المنافسة بشكل أكبر، لمنح التدخلات وذلك عند الحد من مدة التدريبات التي يوفرونها، بغض النظر عن ما يحتاجونه في الحقيقة لتنفيذ التدخلات بشكل فعّال. ولذا يتم تقليل حجم التدريبات التي يتلقاها المعالجون غير المختصين، ومسؤولو الأنشطة في المجموعات بشكل واضح. كما يتوقف الإشراف أيضاً، إذ تفتقر الكثير من المنظمات إلى الخبراء المحليين، لتوفير نفس معايير الجودة التي يوفرها الإشراف أثناء دراسات الكفاءة. كما أنه قد لا يتوفر الباحثون الذين يوفرون إشرافاً وتدريباً عن بُعد للمشرفين المحليين، وذلك لأن البحث قد تم بالفعل، وتم تطبيق الكفاءة ، ويحين دور المشروع القادم. أما عن الأمانة؟ فغالباً ما يكون أمرها مجهولاً، فربما قد نُنفّذ البرنامج بشكل جيد، نأمل ذلك. ولكن المنظمات غير الحكومية غالباً ما تفتقر إلى الموارد، التي تؤهلها إلى الرقابة الدقيقة والرصد الصحيح الذي يحدث أثناء إجراء التدخلات، وبعد أن تكون دراسات الكفاءة ذات الموارد العالية قد تمت. ومن الوارد أن ينحرف فريق التنفيذ عن آليات التدخل أو تصميم البرنامج، ولكن مسألة وقوع انحرافات طفيفة من عدمها، مسألة غير معروفة، وذلك لأن دراسات الكفاءة تقيم بشكل عام آثار الالتزام الدقيق أكثر من تقييمها للتنفيذ المرن.  
وعليه فإن ما يحدث في الواقع مع المنظمات غير الحكومية ذات الموارد المحدودة وكذلك المراكز الصحية قد يشبه، وقد لا يشبه، ما يحدث في عالم دراسات الكفاءة ذات الجودة العالية.   والآن، يطل علينا مفهوم مختلف، وهو دراسات الفعالية (والتي يُشار إليها أيضاً بالتجارب العملية). والغرض منها هو تقييم أثر التدخلات المطبقة في ظل “الظروف الحقيقية” ، وهي الظروف التي تعمل في ظلها معظم المنظمات ذات الميزانيات المحدودة، وكذلك الفرق الميدانية التي غالباً ما تعاني من نقص العمالة مع قدراتها المحدودة أيضاً على التدريب والإشراف ورصد التدخلات. وتطرح دراسات الفعالية سؤالاً: ما هي الآثار الناتجة عن تدخل ما في ظل الظروف العادية والموارد المنخفضة والظروف المعقدة؟ وما هو الحد الأدني اللازم من الموارد من أجل تحقيق أثر ملموس؟ وإلى أي مدى يمكن للتطبيق المرن أو الحضور الجزئي أن يحقق فوائد للمشاركين؟ على سبيل المثال، يمكن من خلال تعزيز قدرات الفريق، تحقيق زيادة طفيفة في التدريب والإشراف، وكذلك من خلال إضافة عدد معقول من الزيارات الرقابية لضمان نسبة معقولة من الأمانة المطبقة في البرنامج. وكذلك يمكن تحقيق آثار ملموسة، من خلال الحد من الاضطرابات والعمل على تحسين الصحة النفسية للمشاركين، وقد تكون الآثار الناتجة أقل إبهاراً من تلك الناتجة عن دراسات الكفاءة، ولكنها قابلة أكثر للتطبيق والمحاكاة وبالتالي أكثر توسعاً، إذ يمكن تحقيقها تحت الظروف العادية وليس الظروف المثالية.   كما تعد دراسات الكفاءة مفيدة للغاية في الأبحاث الطبية، إذ تشبه العلاجات، في ظل الظروف المثالية في كثير من الأحيان تلك، التي تتم في ظل الظروف العادية. ففي اختبار الأثار الناتجة عن الجرعة اليومية للأسبرين على صحة القلب والأوعية الدموية، وُجد أنها تشبه إلى حد كبير الآثار الناتجة عن دراسات الكفاءة ودراسات الفعالية، وذلك لأن الأسبرين يتميز بالانتشار على نطاق واسع ويتميز بسهولة الاستخدام. ففي ظل الظروف العادية، يمكن لمعظم الناس أخذ جرعة يومية من الأسبرين بكل سهولة. لذا، فالفوائد الناتجة عن دراسات الكفاءة (إذ تم اختيار الأشخاص بطريقة عشوائية لتناول الأسبرين أو الأدوية المهدئة بشكل يومي ولمدة محددة من الزمن) يمكن محاكاتها بسهولة في ظل الظروف العادية.  ولكن بالنسبة للتدخلات في مجال الصحة النفسية خلال البيئات المتأثرة بالحرب، فإن التشابه بين دراسات الكفاءة ودراسات الفعالية يكون طفيفاً. وهذا يثير سؤالاً مهماً: ما هو دور دراسات الكفاءة على برامج الصحة النفسية في مثل هذه السياقات، إذا كانت آثار هذه البرامج يتم دراستها في ظل الظروف التي تتسم بالموارد المتوفرة والدقة، والتي لا يمكن محاكاتها مرة أخرى إلا من خلال دراسات كفاءة أخرى؟
تم توضيح ما يمكن إنجازه في ظل الظروف والتي لا يمكن أن تتواجد ببساطة خارج عملية البحث الخاصة بهم والمُمولة تمويلاً كافياً.ولعل هذا هو أحد الأسباب حول توسيع نطاق عدد قليل من التدخلات في مجال الصحة النفسية في المناطق المتضررة جرّاء الحرب. فإذا أردنا إنشاء برامج قابلة للتوسع، فنحتاج إلى دراسة آثار تلك البرامج  في ظل الظروف التي تعد في متناول المنظمات والمعاهد التي سوف تطبق هذه البرامج على نحو يومي، والتي تمتلك احتمالية توسيعها على نطاقات أوسع، من أجل توسيع نطاق تأثيرها من عدد قليل من المشاركين، في البحث عن أعداد أكبر من الأشخاص ممن يحتاجون للدعم.   وقد تساءل بعض الخبراء (مثل موندت وآخرون، 2004)، عما إذا كانت عملية محاكاة السيطرة العشوائية في الواقع “معياراً ذهبياً” قابلاً للتنفيذ، من أجل تحقيق الفعالية في ظل الظروف الفوضوية التي تفتقر إلى الموارد، حيث يقطن اللاجئون وغيرهم من المتضررين جرّاء الحرب، مما يشي بأن الأساليب النوعية وشبه التجريبية سوف تكون أكثر ملائمة. من المؤكد أن الأساليب النوعية تمنح رؤية ثاقبة حول المعارف والخبرات المكتسبة من التدخلات وعناصرها المحددة. أما الأساليب شبه التجريبية والتي يتم فيها مقارنة المجموعات الموجودة بها بالفعل (دون التعيين العشوائي للظروف)، فتكون مفيدة، ببساطة، عندما تكون العشوائية غير ممكنة.  وبالرغم من ذلك، وكما أوضح زميلي أندرو راسموسن، فهناك عدد لا نهائي من الأمثلة لعمليات محاكاة السيطرة العشوائية التي تُجرى بفعالية كبيرة في البيئات الصعبة، ولكني متردد في التخلي عن القوة المنهجية والتي تتيحها العشوائية.   كما أنني لا أرجّح وجوب قبولنا للقيود المفروضة من العالم الواقعي باعتبارها غير قابلة للتغيير بطبيعتها، أو أن ينخفض مستوى توقعاتنا بشأن ما هو ممكن، استناداً إلى هذه القيود. ولابد من توعية المتطوعين والمانحين بضرورة  توفير التدريبات الدقيقة والإشراف الكافي. فإذا ما أرادت الجهات المانحة تأثيراً ملموساً، فيجب أن يكونوا مستعدين للاستثمار في الموارد التي من شأنها أن تنتج هذا التأثير الملموس. ومن جهتها، يتعين على المنظمات غير الحكومية توسيع نطاقات تركيزها من النواتج (هل نتجت خدمات؟) إلى المحصلات (هل الخدمات فعّالة؟) بالإضافة إلى زيادة الاستثمار في الخبرات المحلية والتي يمكن أن تضمن التطبيق الجيد. وأخيراً، من الضروري استكشاف أساليب فعّالة من حيث التكلفة من أجل تحقيق نتائج عالية التأثير قابلة للتوسع. وكما اقترحت ديزي سينغلا وزملاؤها، المنصات الرقمية التي تسمح بالتدريب والإشراف عن بُعد  والاستخدام الأكبر لإشراف الأقران (إشراف ذاتي) بالإضافة إلى الاهتمام الأكبر بتوظيف موظفي فريق التنفيذ ممن يمتلكون المؤهلات الجيدة للمساعدين الفعالين، جميع هذه الأمور من شأنها أن تسهم في تحقيق تدخلات أكثر فعالية لأولئك المتأثرين بشكل كبير جراء فوضى الحرب ودمارها.  
هذا الموضوع مترجم عن موقع Flipboard، للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا [video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
فيكين شيتريان – صحافي وكاتب أرمني
لماذا لم يتمّ العثور على حلٍّ للصراع بعد مضيّ ثلاثة عقود من اندلاعه؟ لماذا فشلت الدولتان الجارتان في إيجاد حلّ من خلال الحوار؟

3:05

3:05

2:57

2:57
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني