fbpx

السجن المصريّ نعيم… السجن المصريّ جحيم…

"السجن عموماً مكان قبيح غير آدمي أشبه بالحياة في مدن القبور"، هذا بالنسبة إلى السجين السابق طارق حسين، وهو أيضاً جنة الفقراء على الأرض التي لا يرغبون في مغادرتها، وفق ما تراه السلطة في مصر.

عاش حسين تجربة السجن مرتين عقب أحداث 30 يونيو، بتهم الانضمام إلى جماعات “فوضوية” خارجة عن القانون، وهو الاتهام الأكثر شيوعاً للمعارضين. في المرة الأولى كان في سجن معسكر العمل في محافظة البحيرة، وفي المرة الثانية اقتيد إلى استئناف القاهرة.

يوضح حسين في حديثه لـ “درج” عن تلك الأيام: “قضيت الحبس الاحتياطي في سجون سيئة السمعة، زنزانة متكدسة مليئة بالحشرات مع إضاءة ضعيفة” مواصفات تتقاسمها السجون، حولتها من من مكان لتطبيق العقوبة وضبط سلوك الأشخاص إلى أداة للانتقام والتنكيل بالأشخاص.

“تجاربنا مع السجن سيئة لا حقوق لا خدمات، إلى جانب غياب التريض وتكدس الزنازين، والناس بتسعى للحصول على حقوق أقرتها لائحة السجون مثل الأكل والجرائد والكتب والسجائر، لكننا نصطدم بالرفض ومنع أشياء مرخص بها بهدف التعسف أو الاستغلال”، يضيف حسين.

“السجن عموماً مكان قبيح غير آدمي أشبه بالحياة في مدن القبور”، هذا بالنسبة إلى السجين السابق طارق حسين، وهو أيضاً جنة الفقراء على الأرض التي لا يرغبون في مغادرتها، وفق ما تراه السلطة في مصر.

صورتان متناقضتان لمكان واحد يصنف داراً للإصلاح والتأهيل، ويحظى باهتمام كبير من الحكومة المصرية ورجالاتها على جميع المستويات لمحو أي صورة سلبية مقترنة به، أما الواقع فينطق دائماً بالعكس.

لسنوات طويلة خلت حاولت السلطة في مصر الحفاظ على سردية السجن الإصلاحي الذي ينعم فيه النزلاء، أياً كانت جرائمهم، بمستوى “فاخر” من الخدمة، والتمادي في إظهار سعادة المساجين بالبرامج الترفيهية والمرتبات السخية التي توفرها مصلحة السجون لأصحاب الحرف، هذا ما ترصده الكاميرات في الزيارات التفتيشية “المفاجئة” للهيئات الحقوقية والبرلمانية، للرد على أي تقارير خارجية تنتقد الأوضاع السيئة في السجون في مصر، بما فيها من شكاوى التعذيب والإهمال.

هذه السردية صالحة للتداول طوال الوقت من دون أي مواد حافظة، وهي العقلية التي تدار بها مصر منذ ستينات القرن الماضي حتى الآن، فما جسّده عاطف الطيب ووحيد حامد في فيلمهما “البريء”، إنتاج 1986، في تجميل واقع السجون من الخدمة وأحاديث المساجين خلال الزيارات الحقوقية، يعد مادة خصبة أمام السلطة في أي عملية تفتيشية حتى وقتنا هذا.

وتجسد قصة “البريء” كيفية تحايل مسؤولي السجون على وفود حقوق الإنسان من خلال تهيئة المساجين أنفسهم لأسئلة الوفد المتعلقة بالخدمة والمعاملة، وإظهار مدى رضاهم عن البرامج الترويحية والتثقيفية، تجنباً لأي إجراءات عقابية، ففي الفيلم يتحدث مأمور السجن الممثل الراحل محمود عبدالعزيز بكل ثقة: “ده مش معتقل، ولا حتى سجن عادي، دي مجرد لوكاندة، أحسن من اللوكاندة كمان، هو يمكن العيب الوحيد اللي فيها إنها في الصحرا، لكن فيها ميزة هايلة جداً بالنسبة للنزلاء بتوعنا، على اعتبار أن كلهم من المثقفين والفلاسفة وأصحاب الرأي، فمحتاجين مكان هادي زي ده علشان التأمل والتفكير الهادئ”.

 

برأي عبدالعزيز، البروباغندا واحدة منذ الستينات والانتهاكات واحدة ولم تختفِ، تزيد وتقل بحسب المناخ ودرجة اهتمام الدولة بهذا الملف.

 

مجرد لوكاندة، هي الصورة التي تتبناها الدولة عن سجونها منذ عرض فيلم البريء إلى الآن، وهو ما ظهر في السنوات الأخيرة مع الزيارات التفتيشية لسجن برج العرب، سيئ السمعة، ففي العام الماضي خرج المجلس القومي لحقوق الإنسان يعلن أن كل شيء على ما يرام، مصحوباً بصور لسجناء يقرأون الكتب والمجلات ويمارسون كرة القدم ويقدم لهم كل ما لذ وطاب على موائد الطعام.

وقبل أيام قليلة أيضاً، فاجأنا أعضاء البرلمان بزيارة حقوقية جديدة للسجون تكشف عن تقاضي أصحاب الحرف مرتبات تصل إلى 6 آلاف جنيه مصري “330 دولاراً”، كنوع من الترويج للحياة المثالية التي يحظى بها النزلاء، فراتب كهذا يعد مغرياً لمن هم خارج السجون في ظل الأزمة الاقتصادية، وهو ما تباهى به الإعلامي المقرب من النظام أحمد موسى، على شاشة صدى البلد، للدلالة على أن السجناء المصريين يحظون بمعاملة حسنة عن بعض الدول الأخرى.

غير أن الرؤية الرسمية للسجون تتعارض مع التقارير الحقوقية والشهادات الواردة إلينا من داخله، فالواقع لا يمت لخيال المسؤول بصلة. فطارق حسين الذي يعمل حالياً محامياً في إحدى منظمات المجتمع المدني المهتمة بحقوق الإنسان في تونس، يعتبر أي تقارير تصور الحياة في السجون على أنها فنادق من خيال المسوؤلين.

يستدل المحامي الحقوقي بالدعوى القضائية التي رفعها المدون المعروف علاء عبدالفتاح للاحتجاج على منع دخول الكتب إلى محبسه من قبل إدارة السجن كنوع من أنواع التعسف، وهو ما ينسف الرواية الرسمية التي تصور الدور الثقافي البارز في حياة السجناء من خلال مكتبة السجن.

ملامح التعسف والاستغلال في السجون التي يتحدث عنها طارق حسين، أبرزتها دراسة “للبيع في الكانتين” الصادرة عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، صدرت في أيلول/ سبتمبر الماضي، التي سلطت فيها الضوء على النمط الاقتصادي لحياة المساجين، حيث جمعت شهادات تؤكد استغلالهم ببيع احتياجاتهم الأساسية بأسعار باهظة بدلاً من توفيرها لهم مجاناً.

وتقول سارة الألفي، من عائلة أحد المحتجزين في سجن العقرب شديد الحراسة، إن مصلحة السجون تمارس التجارة من خلال منع حقائبهم المملوءة بالمأكولات والفواكه والسجائر خلال الزيارات الشهرية كي يبتاعها السجناء من الكانتين بضعف سعرها، بمخالفة واضحة للقانون المصري الذي يلزم إدارة السجن توفير حاجات المساجين الأساسية من دون استثناء وبلا مقابل.

وبحسب الدراسة الحقوقية، يعاني كثيرون من الطعام الرديء الذي تقدمه مصلحة السجون في الوجبات الثلاث، وهو ما يدفع النزلاء اللجوء إلى الكانتين التجاري، ما يكبد أسرة آية حسني 5 آلاف جنيهاً شهرياً لزوجها داخل سجن العقرب.  

تلك الإجراءات وغيرها من منع الزيارات وتجريد السجناء من البضائع ولأغراض التي يحضرها أقاربهم والإجراءات العقابية، تعري الزيارات التجميلية التي تقوم بها الهيئات الحكومية من حين إلى آخر، ما يجعلنا أمام روايتين متناقضتين لأوضاع السجون في مصر.

“البروباغندا مستمرة منذ زمن طويل، فهي سمة الأنظمة الشمولية التي تحاول تزيين الصورة أمام المتلقي الداخلي والخارجي”، تقول الطبيبة النفسية بسمة عبدالعزيز، موضحة طريقة إدارة السلطة في مصر لملف السجون.

وبسمة طبيبة نفسية وفنانة تشكيلية وكاتبة صدرت لها أعمال أدبية تتحدث فيها عما يفعله القمع بالبشر، واختيرت ضمن الشخصيات العربية الأكثر تأثيراً في الرأي العام في 2017 من قبل مركز الأبحاث السويسري “Global Influence”.

برأي عبدالعزيز، البروباغندا واحدة منذ الستينات والانتهاكات واحدة ولم تختفِ، تزيد وتقل بحسب المناخ ودرجة اهتمام الدولة بهذا الملف.

ترى صاحبة رواية “الطابور” التي تدور أحداثها عن سيطرة السلطة على المواطنين، أن الجمهور العادي يتأثر بالبروباغندا التي تمارسها الدولة في أي مجال لسيطرة الإعلام المحلي عليه وغياب المعلومات في صحافته، وهو يعكس أن الجمهور بعيد من التفاعل مع خطابات وهمية للسلطة، لعدم رغبته في ملاحقة الحقيقة تفادياً للصدام مع سلطته، ما ينتهي بالتنكيل في نهاية المطاف.

 

إقرأ أيضاً:

معركة القهوة.. مزاج المصريين يتحدى حكامه

الكنيسة والقهوة والسجن

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني