fbpx

مهزلة الانتخابات المصرية : كيف وصلنا الى هنا؟

تسير مصر نحو الصندوق الانتخابي الرئاسي في مارس/آذار للمرة الثالثة في أقل من ست سنوات، ولكنه سباق انتخابي مختلف، حيث تساقط معظم المشاركين الجديين فيه قبل إغلاق باب الترشيح، وانتهى الأمر بالرئيس الحالي والجنرال السابق عبد الفتاح السيسي ليواجه منافساً واحداً قُدمت أوراقه قبل دقائق من اغلاق باب الترشح، وهو منافس كان غلاف صفحته على "فيسبوك"، حتى ترشيحه يحمل صورة الرئيس السيسي ويؤكد على دعمه! هو رئيس حزب الغد، موسى مصطفى موسى.

تسير مصر نحو الصندوق الانتخابي الرئاسي الشهر المقبل للمرة الثالثة في أقل من ست سنوات، ولكنه سباق انتخابي مختلف، حيث تساقط معظم المشاركين الجديين فيه قبل إغلاق باب الترشيح، وانتهى الأمر بالرئيس الحالي والجنرال السابق عبد الفتاح السيسي ليواجه منافساً واحداً قُدمت أوراقه قبل دقائق من اغلاق باب الترشح، وهو منافس كان غلاف صفحته على “فيسبوك”، حتى ترشيحه يحمل صورة الرئيس السيسي ويؤكد على دعمه، هو رئيس حزب الغد، موسى مصطفى موسى.
وفي الأسابيع القليلة السابقة على موعد الانتخاب، وعندما أُغلق باب الترشيح، كان قد خرج من السباق أي منافس يمثل تهديداً للسيسي، وانتهى الأمر بدخول اثنين منهم السجن وانسحاب ثالث. في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي ظهر على موقع “فيسبوك”، مقطع فيديو لعقيد في الجيش، يعلن نيته الترشح لرئاسة الجمهورية مرتدياً زيه العسكري. ولمست طريقة وفصاحة العقيد أحمد قنصوة عدداً ليس بالقليل من المؤثرين في مواقع التواصل والشخصيات العامة. وبعدها بأيام اعتقل قنصوة وقُدم أمام محاكمة عسكرية دانته في 19 ديسمبر/كانون الأول بست سنوات مع الشغل، وأيدت محكمة الاستئناف الحكم. ثم خرج الفريق المتقاعد أحمد شفيق بإعلان مماثل، ما حسبه البعض ظهور لمنافس قوي. فشفيق، قائد سلاح الطيران السابق، ابن المؤسسة العسكرية التي تسيطر على مقاليد الحكم في البلاد، وهو آخر رئيس وزراء في عهد مبارك، وأحد المرشحين اللذين خاضوا الانتخابات الرئاسية في 2012، وخسر فيها بفارق بسيط أمام مرشح جماعة الإخوان المسلمين، الرئيس السابق محمد مرسي.  وتعقدت الأمور بسرعة حيث شكا رئيس الحكومة السابق، أحمد شفيق، في بيان جديد في اليوم التالي أذاعته قناة الجزيرة، من تضييق أمني عليه حيث يقيم في منفى اختياري في الإمارات العربية المتحدة، منذ خسر انتخابات ٢٠١٢. وبعدها بثلاثة أيام تم ترحل شفيق إلى مصر، وانقطع التواصل معه ليومٍ كامل، قبل أن يعلم المقربون منه  باحتجازه في أحد فنادق القاهرة الجديدة. وبعد عدة أيام أعلن الرجل انسحابه من السباق الذي لم يبدأ، عندما غرد على موقع “تويتر” قائلاً، “غيابي لفترة زادت عن الخمس سنوات، ربما أبعدني عن المتابعة الدقيقة لما يجري على أرض وطننا من تطورات وانجازات”، وبعد إعادة تقييم الموقف على الأرض رأى أنه “ليس الشخص الأمثل لقيادة أمور الدولة في الفترة القادمة”. لكن قائداً عسكرياً آخر وجد في نفسه الشخص الأمثل. وبرز الفريق سامي عنان، القائد السابق لأركان الجيش المصري، إلى الخطوط الأمامية بعد منتصف ليل يوم الجمعة 19 يناير/ كانون الثاني وأعلن ترشحه، وطالب الدولة والجيش بالوقوف على الحياد. وفي صباح يوم 23 يناير/ كانون الثاني تم ايقاف سيارة عنان واقتياده إلى النيابة العسكرية، ثم غُيب وانقطع التواصل معه سوى زيارة واحدة قام بها محاميه ناصر أمين، وأعلن بعدها أن الفريق محتجز في السجن الحربي وفي حالة معنوية مرتفعة. واتهمت قيادة الجيش في بيان عنان، الذي لم يكن قد تقدم بأوراق ترشيحه بعد، بالتزوير في أوراق ترشحه للرئاسة بما يفيد إنهاء خدمته، ومحاولة بث إشاعات لإحداث فتنة بين الجيش والشعب، وإعلان ترشحه للانتخابات قبل موافقة المجلس العسكري واتخاذ الإجراءات اللازمة لإنهاء استدعائه بالجيش. ولم تتوقف الأمور عند حبس عنان، بل هاجم بلطجية سيارة حليفه الانتخابي الرئيسي ورجل الدولة السابق المستشار هشام جنينة، واعتدوا عليه بقسوة وحاولوا اختطافه ، لكنهم لم يتمكنوا إلا من إصابته إصابات خطيرة في العين والرجل اليسرى، بالإضافة إلى شروخ في عظام الوجه.
وكان هناك مرشحان مدنيان ولكنهما أيضاً لم يصلا الى خط بداية السباق، فقد تراجع البرلماني السابق محمد أنور السادات، نجل شقيق الرئيس الأسبق أنور السادات، عن ترشحه بسبب سوء المناخ الذي تجري فيه العملية الانتخابية، والجدول الزمني القصير الذي أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات، ونفى أن يكون قراره خوفاً من المنافسة. أما المحامي ومناضل حقوق الإنسان خالد علي، فقد صدر ضده حكم بالحسب لثلاثة أشهر في سبتمبر/ أيلول الماضي في قضية “فعل فاضح في الطريق العام”، حين لمع نجمه بعد حصوله على حكم من المحكمة الادارية العليا ببطلان اتفاقية أبرمتها مصر مع السعودية، تقضي بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لصالح الأخيرة. وطعن علي على الحكم، وأعلن نيته الترشح وبدأت حملة صغيرة من أنصاره في جمع الخمسة وعشرين ألف توكيل انتخابي من أنحاء مصر، لاستكمال أوراق ترشحه (ويتعين أن تكون ١٥ ألف توكيل منها من ١٥ محافظة مختلفة بالتساوي). ولكن في 24 يناير/ كانون الثاني الحالي انسحب علي بعد يومٍ واحد من اعتقال عنان، مُرجعاً ذلك إلى تعنت أجهزة الدولة وهيئة الانتخابات والتضييق على المجال السياسي الذي يفرغ الانتخابات المقررة من مضمونها ويحولها إلى استفتاء.
ويرى الكاتب والسياسي المصري، محمد نعيم، أن “السيسي والجيش يحكمان منذ ما يزيد على أربعة أعوام بصلاحيات مطلقة، وفي أجواء قمعية غير مسبوقة، ما نحى بهم إلى اتخاذ قرارات مصيرية كتخفيض الدعم عن السلع الأساسية والطاقة والتنازل عن جزيرتين مصريتين دون اعتبار لأحد، وفي ظل احتكار كامل للحركة والإعلام والمعلومات، مما يجعلهم عملياً متجاوزين آلية الانتخابات بالأساس، ولو كانت صورية”. واستبعد نعيم أي تغير جدي في الموقف الدولي بعد تصريحات الإدانة التي وجهت للنظام المصري من منظمة العفو الدولية ومن الخارجية الاميركية. وقال نعيم في تعليق ل”درج”، “بشار الأسد ومحمد بن سلمان هما مقياسا هذه المنطقة. أحدهما قتل نصف مليون إنسان وشرد تسعة ملايين، والآخر عذب أغنى أغنياء العالم في أقبية فندق، فهل تحرك العالم بشكل جدي لإزاحتهما؟”. مرّت مصر بأعوام مضطربة بعد ثورتها، أعقبها وصول أول رئيس مدني في انتخابات مفتوحة منذ تأسيس الجمهورية فيها في عام ١٩٥٣. ولكن الارتباك وعدائية أجهزة الدولة والتخبط ساد فترة العام التي حكم فيها الرئيس الإخواني محمد مرسي، كما اتسعت هوة الاستقطاب السياسي والطائفي، مما دفع الملايين للتظاهر من أجل انتخابات رئاسية مبكرة في ٣٠ يونيو/ حزيران ٢٠١٣. وتحرّك الجيش سريعاً وعزل مرسي وسجنه وتولى إدارة البلاد عبر حكومة انتقالية خاضعة له فعلياً، ثمّ عقدت انتخابات في ٢٠١٤، فاز بها السيسي الذي كان مرسي عينه وزيراً للدفاع بمباركة الجيش قبلها بعدة أشهر. وخلال السنوات الأربع الماضية انتهكت حقوق كثيرة وتقلصت الحريات العامة حسب التقرير السنوي الأخير لمنظمة “هيومان رايتس ووتش”، كما انخفضت العملة المحلية بواقع النصف أمام الدولار، وتضاعفت الديون الخارجية لتتعدى٨٠ مليار دولار، وتجاوزت معدلات التضخم في ٢٠١٧ نسبة ٣٠ بالمائة، وزادت وتيرة عنف الجماعات المسلحة ضد المؤسسات الأمنية والمواطنين، وتصادمت مؤسسات الدولة بعضها البعض بعد قرارات اتخذها النظام أبرزها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. هذه الأمور وغيرها ربما دفعت ببعض الطامحين في التغيير إلى طرح أنفسهم كبديل للسيسي، ولكنهم سريعاً ما اكتشفوا أن مجال العمل السياسي مغلق، بل وخطر للغاية فانسحبوا واحداً تلو الآخر، حتى بدأ قبل يوم من اغلاق باب الترشح أن الانتخابات الرئاسية ستتحول إلى استفتاء على مرشح وحيد هو الرئيس الحالي. شخصيات وأحزاب داعمة للنظام لم يرق لها أن تظهر الانتخابات أمام العالم في هذه الصورة، فبحثت عن شخص يلعب دور المنافس، وتداولت بورصة التكهنات أسماء رجل الأعمال أكمل قرطام، رئيس حزب المحافظين، و رئيس حزب السلام الاجتماعي، أحمد الفضالي، ونفى كلاهما رغبتها في خوض السباق. وأعرب رجل الأعمال السيد البدوي عن عزمه خوض الانتخابات، وأجرى الكشف الطبي المتبع مع المرشحين، لكن الهيئة العليا لحزب الوفد الذي يرأسه رفضت ترشحه عن الحزب وأكدوا دعمهم للرئيس السيسي. وقبل دقائق من اغلاق باب الترشيح وصل المنافس الذي سيظهر اسمه في قائمة المرشحين بجوار السيسي الشهر القادم وهو موسى مصطفى موسى، المرشح الذي لم يجد تعارضاً بين دعمه للسيسي ومنافسته  له حسبما صرح في بيانه. المعارضة المصرية اجتمع أغلبها على مقاطعة الانتخابات، لكن في تكتلين منفصلين. وبين انقسام المعارضة الضعيفة وعثور الداعمين للرئيس على منافس “يؤيد الرئيس”، لم يعد هناك إلا انتظار موعد الاقتراع، لرؤية مدى اقتناع الشعب المصري بهذه الألعاب البهلوانية السياسية.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني