fbpx

جلد أملس جلد خشن

شعرت فجأة برعشة في القلب، بعدها بساعات نسيت ما حدث، بعد لحظات يأتيني لحن أغنية، تنبعث ذبذباته من إذاعة في الراديو، فأبحث عن جدار لأستند عليه، أحاول الثبات، وأقول: ساعات وسأهدأ، وأغلق ذاك الباب الذي انفتح من أعماق ذاكرتي بهدوءٍ تام. بعد مضي أسبوع بينما كنت عائدًا إلى البيت

شعرت فجأة برعشة في القلب، بعدها بساعات نسيت ما حدث، بعد لحظات يأتيني لحن أغنية، تنبعث ذبذباته من إذاعة في الراديو، فأبحث عن جدار لأستند عليه، أحاول الثبات، وأقول: ساعات وسأهدأ، وأغلق ذاك الباب الذي انفتح من أعماق ذاكرتي بهدوءٍ تام. بعد مضي أسبوع بينما كنت عائدًا إلى البيت، مستقلًا ميكروباص من ميدان عبد المنعم رياض في القاهرة، انبعث لحن الأغنية مرة ثانية من راديو الميكروباص. الغريب أن الأغنية لا رابط بينها وبين ما تدفعني لتذكره، الأغنية ببساطة هي “أحبك ياني”، التي كتب كلماتها الشاعر عبد العزيز سلام، ولحنها فريد الأطرش، وغنتها صباح. كانت الأغنية تذكرني بأبي، لكن ليس هذا الأب الذي أتحدث معه كل بضعة أيام على الواتس آب، وافتقده، وكلي شوق لرؤيته، لا، ما تذكرته هو آخر ما وصلت إليه علاقتي به، ووضوح الاختلاف بين طبيعة شخصيته، وشخصيتي، قبل الثورة السورية بفترة قصيرة، وقبل أن نفترق.لا رابط واضح بين ” أحبك ياني”، وأبي. هناك خيط رفيع، بين شدة تأثري بأغنية حب، وهذا الحب الموزع بأشكال مختلفة نحو أشخاص، كل يوم أعيد تأمل تعلقي بهم، وارتباطي بهم، وما يُضمر في القلب من حب اتجاههم، لم يعلن منه إلا ما عبرنا عنه في ملامح وجوهنا، ونظراتنا، وكلامنا العاطفي الموجز، الكلام العاطفي الموجز، نستعمله لنشعر الآخرين، أن هناك أمل باللقاء قريبًا، مخافة أن نستسلم جميعنا للأمر الواقع؛ وما هو الأمر الواقع؟ إنها الحرب.أغمضت عيني، واستسلمت للأغنية، وللباب الذي انفتح في الذاكرة، فتجلت ملامح أبي في خيالي. لأتذكر ما حصل في يوم بيننا منذ عشر سنوات، في ورشة تركيب الزجاج خاصته في حي جوبر بدمشق. كان يومًا من أيام الشتاء، عندما اتصل بي أبي، يطلب مني أن آتي إليه في الورشة، لأساعده بنقل لوح زجاجي كبير من مكان إلى آخر. ورشة أبي تشبه البيوت القديمة، وهي عبارة عن أربعة غرف، وفسحة سماوية مساحتها خمسين متر مربع، على أحد جدرانها تستند عشرات الألواح الزجاجية، التي يبلغ مقاس كل واحد منها مترين ونصف عرضًا، ومتر ونصف طولًا. وسماكة الألواح الزجاجية هذه تتفاوت ما بين ستة ملم، وثمانية ملم.كانت الألواح الزجاجية قد تبللت جميعها، جراء هطول الأمطار. قال لي أبي: سننقل هذا اللوح على مراحل، لتجنب الوقوع في أي خطر. فحمْلُ لوحٍ زجاجي ضخم مبلل بالماء، أخطر بكثير من حمله وهو جاف، لأنه بأي لحظة سينزلق من بين يديك. لاحظت أن أبي يسترق النظر إلى يداي، وبعدها مباشرة رأيت علامات القلق، قد اعتلت ملامح وجهه. ما إن حملنا لوح الزجاج، وارتفع عن الأرض ثلاثين سنتيمتر، حتى انزلق من يدي، راسمًا شقًا طوله خمسة سنتيمتر، وعرضه ثلاثة ميليمتر. وقع لوح الزجاج من الجهة التي أحملها، مهشمًا زاويته القائمة من الأسفل، ومسببًا شرخًا، لحسن الحظ، توقف، لم يكن كافيًا ليقسم اللوح إلى نصفين، ويقع علينا. انقبض قلبي لحظة التقت عيناي بعينيه بعد الحادثة، حوّل أبي نظراته مباشرة إلى الجرح الذي في يدي، وتنهد تنهيدة، كنت أحضِّر نفسي لأسمع ترجمتها. أحاول الاجتهاد بالتأويل السلبي لما يشعر كلانا اتجاه الآخر؛ هل يشعر أن لا رجاء مني بأن أكون سندًا له؟ وفي المقابل ينتابني شعور عارم بالإحباط، لقد مرَّ وقت طويل لم يطلب مني المساعدة.كانت فكرتي عن الإحساس بالطمأنينة، تُختصر بعامل قد لا يتوفر بهذا الكمّ الذي يتوافق مع نسبة الاحتياج؛ وهو وجود يد تربت على الكتف بشكل دائم وإلى الأبد، بدءً من يد الأم، ويد الأب، وبعدها تتكاثر الأيدي، يد صديق، ويد حبيب، وحتى يد الغريب. احتياج عاطفي من النوع السَّام، ينخر في القلب والروح حتى لحظة الموت. في هذا المنطقة النفسية الحرجة بالنسبة لي، وجدت نفسي أكبر، أمام أبٍ صلب، يملك يدين خشنتين، ويعمل ليل نهار، بلا كلل، حتى يؤمن لقمة العيش، لا يملك أحلامًا وردية اتجاه مستقبل ابنه، ولا يطالبه بأن يتعلم من الحياة إلا شيئًا واحدًا؛ أن لا يحتاج عون أحد ليقف على قدميه. مضت أيام الطفولة، وتلتها أيام المراهقة، ويداي لم تدع مهنة تتطلب جلدًا خشنًا وسميكًا دون تجربة، لكن دون جدوى، ظلت يداي ناعمة وملساء، تتعرض لجروح، وندوب، وحروق، لكنها تختفي مع مرور الوقت. النجار الذي عملت معه عندما كنت في سن المراهقة قال لأبي بعد مرور شهور قليلة من العمل معه؛ أن لا مستقبل لي بمهنة النجارة، وصاحب معمل الزجاج الذي عملت فيه أيضًا، نفس مهنة والدي،  قال لأبي بشكل واضح؛ أنه من الأفضل أن يبقيني عنده، وهو مستعد أن يرسل راتبي الشهري إلى البيت، لأنني أهشم ألواح زجاج، تكلفتها أكثر بكثير من راتبي. لتتوالى حالات الإحباط مع كل مهنة جديدة. لم تكن أيدينا هي فقط من تحدد الاختلاف، بل كان الدمع أيضًا يرسم فوارق أيضًا. بينما كانت صلابة شخصية أبي تمنعه من أن يظهر دمعه أمام أحد، وبالذات أمام أبنائه، كانت دمعتي أمام أتفه المواقف تسيل على خدي. أخرج أبي من جيبه قطعة قماش، وقذفها اتجاهي، فتناولتها باليد التي تقطر دمًا، وسألني بهدوء: هل بإمكانك أن ترجع لوح الزجاج إلى مكانه، فأجبته بنعم. بعد أن انتهينا، اقترب مني ونظر إلى يدي وقال لي: ” حاسس بوجع؟ “، فقلت له: ” لا. شو رح نعمل هلأ، هي خسرتك لوح ازاز! ” ابتسم وقال لي: “مو مشكلة فداك، المهم انت بخير. انا هادا اللي بيهمني” لحظة سماعي ما قاله، شعرت أن جسدي يرتجف، وأحاول أن أتماسك بصعوبة. كان أبي بطبيعته لا يوجه لي انتقاداته لشخصيتي أمام أحد، بل ينتظر أن نكون لوحدنا ويخرج كل ما في جعبته مرة واحدة، وهذه المرة كنا لوحدنا، كان يمكنه تأنيبي، وأن يوجه لي كلامًا قاسيًا. تلك الحادثة غيّرت الكثير بعلاقتنا؛ اقتربنا من بعضنا أكثر، وبت أشعر أن هذه اليد الخشنة هي أكثر يد كانت تربت على كتفي، لكن من بعيد، في اليوم الذي ودعت عائلتي قبل لحظات من مغادرتي دمشق، ذرف أبي دمعًا على فراقي، لم يذرفه بحياته على فراق أحد.ترافقني اليوم قسوة أبي وطيبته. مثل لوح الزجاج، بملمس سطحه الناعم، وحوافه الحادّة في نفس الوقت.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني