fbpx

مخيم الركبان: سوريون عالقون بين قاعدة أميركية ومصالح روسية – إيرانية

"خرجنا من تدمر عقب هجوم تنظيم (داعش) عام 2014، تنقلت مع أسرتي المؤلفة من 7 أشخاص في الصحراء أياماً، وفي النهاية كان الطريق الوحيد المفتوح أمامنا يؤدي إلى مخيم الركبان على الحدود الأردنية- السورية.كل الطرق المؤدية إلى المناطق المأهولة أغلقت أمامنا وكانت الصحراء ملجأنا الوحيد".

“خرجنا من تدمر عقب هجوم تنظيم (داعش) عام 2014، تنقلت مع أسرتي المؤلفة من 7 أشخاص في الصحراء أياماً، وفي النهاية كان الطريق الوحيد المفتوح أمامنا يؤدي إلى مخيم الركبان على الحدود الأردنية- السورية.كل الطرق المؤدية إلى المناطق المأهولة أغلقت أمامنا وكانت الصحراء ملجأنا الوحيد”.

هذا هو العام الرابع لعبد الفتاح الخالد وأسرته في مخيم الركبان. والخالد موظف سابق في متحف تدمر، وحالياً مدير لمدرسة الحيّ التدمري في المخيم، بعد أن اتسع الأخير وبرزت فيه أحياء باتت تعرف بأسماء المناطق الأصلية التي فرّ منها السكان كحي القراونة نسبة إلى مدينة القريتين وحي المهاينة نسبة إلى مهين وغيرها.

يضيف عبد الفتاح: “تطلب الأمر شهراً حتى استوعبت صدمة انتقالنا من منزل في مدينة إلى خيمة في البادية، ثم أخذت على عاتقي أنا ومجموعة من المعلمات والمعلمين مهمة بناء خيمتين وتحويلهما إلى مدرسة في محاولة لإنقاذ أطفالنا من الأمية والضياع… لاحقاً تحولت الخيمتان إلى 4 غرف طينية، ثم إلى ستة غرف بعد أن تلقينا بعض التمويل الذي سرعان ما توقف، حالياً لدينا أكثر من 325 طالباً وطالبة يتوزعون على فترتين، وكادر يضم 12 معلمة إضافة إلى إداريين ومستخدم وحارس جميعهم يعلمون من دون أجور منذ نهاية العام الماضي”.

اليوم تحتاج غرف مدرسة الحي التدمري الطينية إلى ترميم كي تصمد في وجه الشتاء، لكن الأمر لم يعد أولوية في المخيم الممتد على مسافة أكثر من 7 كيلومترات على الحدود الأردنية- السورية، الأولوية الآن باتت لتأمين الغذاء والدواء لحوالي 50 ألف سوري بحسب أقل التقديرات معظمهم من عشائر ريف حمص الشرقي.

أقرب نقطة حضرية من المخيم على الجانب السوري تبعد أكثر من مئتي كيلومتر، أما المنطقة المحيطة بالمخيم من الجانب الأردني فقد أعلنت منطقة عسكرية، ومنعت المنظمات الإنسانية من الوصول إليها عقب هجوم لتنظيم “داعش” منتصف عام 2016، أوقع قتلى في صفوف الدرك الأردني، لاحقاً سمحت المملكة بإدخال مساعدات أممية على فترات متباعدة لكن الأخيرة أيضاً توقفت كلياً منذ أوائل العام الحالي، “الأردن لا يرغب في دعم استمرار المخيم على حدوده” يقول “أبو عبد الله” وهو قيادي في فصيل مغاوير الثورة المدعوم من القاعدة الامريكية في منطقة التنف المجاورة للمخيم. ومع انقطاع المساعدات كانت المواد الغذائية والأدوية تصل إلى المخيم عبر الطرق التجارية التي تصل بين المخيم ومناطق سيطرة النظام ومن أهمها طريق “الضُمير”، حيث كان التجار يدفعون إتاوات لتمرير بضائعهم عبر حواجز قوات النظام، ما يؤدي إلى مضاعفة أسعارها أكثر من مرة أحياناً، لكن حتى طريق الاتاوات لم يدم، إذ أغلقت حواجز النظام كل الطرق المؤدية إلى المخيم مطلع الشهر الجاري، ما فاقم أزمة إنسانية خطيرة لأولئك العالقين في الصحراء. قبل أيام وافق النظام على السماح بعبور أول قافلة مساعدات إنسانية من دمشق إلى الركبان بعد ضغط دولي، ومن المتوقع أن تصل قبل نهاية الشهر، لكن وعلى رغم الحاجة الملحة لتلك المساعدات، إلا انها قد لا تؤدي سوى إلى إطالة أمد الأزمة الإنسانية لسكان المخيم وربما إكساب النظام ورقة ضغط جديدة.

مصيرنا مرتبط بمصير القاعدة الأميركية

يقول الشيخ مؤيد محمد العبيد المعروف بأبي عبد العزيز، والذي كان عضواً ضمن وفد مثل أهالي المخيم في اجتماع مع ممثلين عن النظام قبل أيام من حصار المخيم: “اقترحت فتح طريق آمن إلى الشمال السوري للمدنيين الراغبين في الذهاب إلى هناك وهم الأغلبية، إضافة إلى إنشاء مكتب خاص يضم موظفين مدنيين يتولى إجراء عمليات التسوية للراغبين في العودة إلى مناطقهم الواقعة تحت سيطرة النظام، وعلى رغم الموافقة المبدئية على الاقتراحات إلا أن أي منها لم ينفذ… كل ما يهم النظام هو تجنيد شباب المخيم في جيشه والاستيلاء على سلاح الفصائل، وبالنتيجة لا الفصائل ستسلم سلاحها ولا الشباب سيسلمون أرواحهم خشية الزج بهم في قتال ضد اخوتهم في الشمال”. يبدو أبو عبد العزيز غير متفائل بالتوصل إلى أي حل عادل لسكان المخيم قريباً، وله الحق في ذلك ربما، فالصحراء القاحلة التي لجأوا اليها ذات يوم باتت منطقة ذات أهمية استراتيجية تتقاطع على أرضها مصالح دولية عدة، فالقاعدة العسكرية التي أسسها الأميركيون بمشاركة بريطانية في التنف عام 2014 والتي نما المخيم تحت غطائها الجوي، كانت مهمتها تشكيل نقطة انطلاق لفصائل المعارضة للتقدم نحو محافظة دير الزور وتحريرها من قبضة تنظيم داعش، لكن الخطة لم تنفّذ على ما يرام وسبق الروس الأميركيين في إطلاق عملية عسكرية عبر البادية السورية انطلاقا من ريف حمص الشرقي، وصولاً إلى دير الزور التي اعلنوا السيطرة عليها أواخر عام 2017. وبذلك تحولت القاعدة من موطئ قدم معد للتوسع إلى ورقة تفاوض قابلة للإزالة، ولعل سبب بقائها حتى الآن هو دورها كعثرة في وجه إيران على طريق بغداد- دمشق. ثمة مؤشرات جديدة بالتزامن مع التصعيد في التصريحات من قبل روسيا والنظام ضد وجود تلك القاعدة، إذ أفادت مصادر من داخل المنطقة بأن الولايات المتحدة قطعت بالفعل الرواتب عن 2700 مقاتل ينتمون إلى 5 فصائل عسكرية كانت تدعمها، منها قوات أحمد العبدو، أسود الشرقية، لواء شهداء القريتين وغيرها، لتبقي على دعم فصيل وحيد هو “مغاوير الثورة” وهو ما يثير المزيد من المخاوف لدى سكان المخيم.

 يقول عبد الفتاح: “مصيرنا مرتبط بقاعدة التنف التي تبعد منا 10 كلم، إذا قررت القيادة الأميركية في يوم من الأيام إخلاء القاعدة، ماذا سيكون مصيرنا نحن الخمسين ألف شخص؟ لا شك، سوف نواجه الاعتقال والانتهاكات الأخرى حين تدخل قوات النظام وميليشياته إلى المنطقة”. مع العلم أن خيار الإجلاء نحو الشمال السوري هو الخيار المفضل لمعظم سكان المخيم، تدخل تركيا أيضاً كلاعب أساسي هنا، يقول أبو عبد الله القيادي في مغاوير الثورة إن تركيا لا توافق على عبور أعداد كبيرة إلى مناطق نفوذها في الشمال السوري: “لدينا تجربة مع لواء شهداء القريتين الذي توصل إلى اتفاق مع النظام برعاية الضامن الروسي لإخراج 2500 شخص من المقاتلين وعائلاتهم نحو جرابلس، لكن عدم موافقة الأتراك عرقل تنفيذ الاتفاق”.

أثناء المقابلة الهاتفية مع عبد الفتاح انقطع الاتصال لساعات، عاد بعدها ليخبرني أن عاصفة مطرية ضربت المخيم وأدت إلى أضرار في عدد كبير في الخيام والبيوت الطينية، بما فيها مدرسة الحي التدمري وبيته، ستتولى فزعة الأهالي مهمة إصلاح ما يمكن من أضرار وسيستمر عبد الفتاح ومن معه في محاولة إنقاذ ما يمكن من الأطفال من الأمية في هذا الوقت الضائع لكن مشكلة المخيم ككل تتطلب حلاً من نوع سياسي، يقول الرجل “المخيم في حاجة إلى اتفاق دولي وإلى ضمانات دولية حقيقية بأن من يريد المغادرة إلى الشمال لن يعتقل على الطريق ومن يريد تسوية وضعه مع النظام لن يعتقل في ما بعد”.

 

إقرأ أيضاً:

ذل وخوف في طوابير الخبز في سوريا

نقاش عن سوريا من دون سوريين

 

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني