“طوشة “الاجتماعات الفلسطينية

السؤال الملحّ، لماذا يريد أبو مازن، أو الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عقد المجلس المركزي الفلسطيني مجدداً، علماً أنه كان عقد قبل شهرين؟ أو ما حاجته إلى هذا المجلس طالما أنه هو وحده صاحب القرار، من خارج الإطارات والهيئات القيادية كلها، وطالما أنه سيتخذ القرارات التي يتخذها، من دون أي معارضة أو اعتراض؟

السؤال الملحّ، لماذا يريد أبو مازن، أو الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عقد المجلس المركزي الفلسطيني مجدداً، علماً أنه كان عقد قبل شهرين؟ أو ما حاجته إلى هذا المجلس طالما أنه هو وحده صاحب القرار، من خارج الإطارات والهيئات القيادية كلها، وطالما أنه سيتخذ القرارات التي يتخذها، من دون أي معارضة أو اعتراض؟ أيضاً، ماذا عن مصير القرارات السابقة، التي اتخذها هذا المجلس، أو المجلس الوطني، الأعلى منه، طوال السنوات السابقة، والتي بقيت حبراً على ورق؟

تُطرح هذه الأسئلة البديهية لسبب بسيط مفاده أنه لم يعد أحد يعرف ما هي وظيفة الاجتماعات الفلسطينية، سواء تلك التي يعقدها المجلس المركزي أو الوطني (المنبثقان عن منظمة التحرير)، حيث تهمين حركة فتح، وهي السلطة في الضفة، أو تلك التي يعقدها المجلس التشريعي (المنبثق عن السلطة الفلسطينية)، حيث تهيمن حركة حماس، وهي السلطة في قطاع غزة، مع التنويه الضروري إلى أن أحد استهدافات اجتماع “المجلس المركزي” هو احتمال حل “المجلس التشريعي”، لإضعاف “حماس”، ناهيك بحلول المجلس المركزي محل المجلس الوطني، الذي يفترض أنه أعلى هيئة تشريعية فلسطينية، باعتباره برلمان الفلسطينيين، في كيانهم الشرعي الوحيد وهو منظمة، يفترض أن كيان السلطة الفلسطينية يخضع لها، وليس العكس، مثلما هو حاصل.

الحقيقة المرّة هي أن تلك الاجتماعات أضحت مجرد فولكلور، فهي تعقد فقط للتعبير عن الالتفاف حول القيادة، والإشادة بحكمة خياراتها، كما أنها تأتي لتثبيت عزل فريق فلسطيني منافس. وبمعنى آخر فإن هذه الاجتماعات بدلاً من أن تكون واسطة لحل الخلافات أو تقليل التباينات، فإنها تشتغل عكس ذلك، أي لتسعير الاختلافات، وتكريسها وتعميقها.

“نحن إزاء حركة تحرّر وطني مفترضة تعتمد في مواردها على الخارج، وليس على شعبها، ما يجعلها بمثابة ولي أمر الشعب، ناهيك بأنها كفّت عن كونها حركة تحرّر بتحوّلها إلى سلطة”

وبخصوص الطوشة الحالية حول انعقاد المجلس المركزي فقد شهدنا أن الفصائل المعارضة طرحت مسألتين، الأولى، تتعلق بالشرعية، بحكم غياب كثر عن الاجتماع، أو مقاطعتهم إياه، مثل حركة حماس والجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية، مثلاً، كما طرحت التخوّف من أن انعقاد هكذا اجتماع سيؤدي إلى مفاقمة الانقسام الفلسطيني، ووأد جهود المصالحة، علما أن الحديث يدور عن انقسام بات له 11 عاماً (منذ عام 2007).

بيد أن الإجابة عن الاعتراضين المذكورين بسيط جداً، فحتى لو حضرت حماس والشعبية والديموقراطية وكل البقية من الفصائل هذا الاجتماع او ذاك فإن ذلك الحضور لن يشكل فرقاً، ولن يغير شيئاً، في الوضع الفلسطيني السائد، المتقادم والهش والعليل. والقصد أن الفصائل المعارضة، في اعتراضها، إنما تنطلق من إدراكات ضيقة للأزمة الفلسطينية، وفقط للحفاظ على مصالحها، إذ إن تلك الأزمة لا تقتصر على قصة الشرعية أو الانقسام، فهي أعمق وأشمل وأقوى، من كل ذلك، كونها تتعلق بإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية بكياناتها ومفاهيمها وأشكال عملها، مع معرفتنا أن الكيانات السائدة تنتمي إلى الماضي ولم يعد لديها ما تضيفه، بعد كل هذه التجربة، بما لها وما عليها، وهو الأكثر.

القصد أيضاً أن انعقاد اجتماع للمجلس المركزي (أو الوطني)، أو عدم عقده، لا يقدم ولا يؤخر في الوضع الفلسطيني، فالأطر السائدة أضحت قديمة وعاجزة وبمثابة شاهد لا يحل ولا يربط، ومجرد فولكلور أو تظاهرة إعلامية، بدليل أن قرارات المجلس المركزي والوطني، في كل الدورات، تشبه بعضها وتبدو كقطع إنشاء، وتبقى مجرد حبر على ورق. ومثلاً فإن المجلس المركزي أقر مراراً، منذ سنوات، إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وأقر تفعيل منظمة التحرير، وأقر وقف التنسيق الأمني وفك الارتباط الاقتصادي مع إسرائيل، لكن لم يحصل أي من ذلك.

الرئيس محمود عباس خلال اجتماع للمجلس المركزي الفلسطيني

وفي كلا الحالين فإن الكيانات السياسية تبعث، عبر المؤتمرات والاجتماعات القيادية، برسالة إلى جمهورها او إلى شعبها تفيد بأنها تتحمل مسؤولياتها، وأنها معنية بترشيد علاقاتها ووسائل كفاحها، بيد أن الأمر عند الفلسطينيين لا يشتغل على هذا النحو، فنحن إزاء حركة تحرّر وطني مفترضة تعتمد في مواردها على الخارج، وليس على شعبها، ما يجعلها بمثابة ولي أمر الشعب، أو وصياً عليه، ويجنبها المساءلة والمحاسبة، ناهيك بأنها كفّت عن كونها حركة تحرّر بتحوّلها إلى سلطة، تحت الاحتلال، أو تتعايش مع الاحتلال، بشكل أو بآخر، وضمن ذلك فهي ترتبط به بعلاقات التنسيق الأمني والاداري والتبعية الاقتصادية، وتلك حالة فريدة من نوعها.

فوق كل ذلك، وسواء تحدّثنا عن حركة تحرّر أو عن سلطة، فنحن إزاء قيادة فردية، يقرّر خياراتها وتوجّهاتها الرئيس، ومن يختار من معاونيه، علماً أنه رئيس المنظمة والسلطة وحركة فتح في الآن ذاته، فما الحاجة إلى طوشة اجتماعات في هذه الحال؟

إقرأ أيضاً:
التعذيب في سجون السلطة: فتح وحماس تجلدان فلسطين
غزة: ظلم ذوي القربى أشد مضاضةً..

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
ربيع فخري – باحث في علم الاجتماع
شكّل حديث المفتي الجعفري الممتاز عن نهاية صلاحية الميثاق الوطني عنواناً رئيساً لاستقراء معالم المرحلة المقبلة من الرسائل الحامية بين مكونات السلطة في لبنان.
محمد خلف – صحافي عراقي
“أصحاب نظريات المؤامرة يميلون إلى أن يكون لهم شيء واحد مشترك وهو إيمانهم بأن قوى سرية تحرك الأحداث الجارية حولهم وأنهم بالتالي لا يمتلكون مقدرة التحكم أو السيطرة على حياتهم”.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التمييز بين النظام وبين الفساد يكاد يكون مستحيلاً، فالسنوات المديدة التي جُعل خلالها النظام الحر اللبناني موظفاً لدى نخب الفساد وأهله وطوائفه ومذاهبه، أفضت إلى عملية تماه كلي بين طرفي المعادلة، أي الفساد والنظام، لا بل إلى علاقة أبوة ربطت الأول بالثاني.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
القصة لم تبدأ من خطبة أحمد قبلان. موت الصيغة والميثاق والطائف واهتزاز الكيان بدأت معالمها تظهر منذ أمد بعيد. فتح الحدود لـ”حزب الله” للقتال في سوريا مثل نهاية لقصة لبنان الكبير.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني