fbpx

جدران ضاحية بيروت بالألوان .. حين تحاول المدن طمس وجوه فقرائها

الاختلافات في اختيار المشاريع التجميلية للضاحية، ما بين تلوين الجدران الأمامية للجسر، وبين تدمير هيكل أساسي فيه وإعادة بنائه، تطرح علامات استفهام كبيرة حول سياسات التخطيط المدني العشوائية، ليس في الضاحية فقط بل في كل المناطق التي تشبهه

بينما كنت ألتقط صوراً لأعمدة جسر حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية المطلية حديثاً بألوانٍ ربيعية، باغتني رجلٌ خمسينيٌ يمتلك أسفل الجسر كشكاً لبيع القهوة والسجائر، ليسألني “هل أعجبتك الألوان؟”، فأجبته “لا تشكو من شيء، جميلة نوعاً ما!”.

لم أعلم أن إجابتي ستستفزه، فرد بحدةٍ، “قبل ورشة الدهن، على المسؤولين في المنطقة إصلاح الجسر أولاً”. فأجبته “طيب بعتذر”، فبادرني بابتسامة قائلاً “وأنا أعتذر عن نبرة صوتي”.

طلبت منه كوباً من القهوة وقارورة ماء. كان يعد فنجان القهوة، ويراقب وجهي مبتسماً، فدعاني لأجلس معه، لأنه لم يكن قد شرب قهوته. وقال: “هل تسمعين ضربات السيارات المارة على الجسر. هذا الضجيج لو ان الجسر مبنيٌّ بشكل جيد، لما سمعناه الآن”.

اخبرني انه يعيل عائلته بما يدر عليه الكشك من مال. أسنانه الرثة لم يستطع إخفاءها حين سرد قصة هطول المطر وشلال المياه الذي تدفق من أعلى الجسر لتدخل المياه إلى محله فختم مزاحه بالقول ” اتسخت معظم الجدران المطلية حديثاً”.

المتجول في ضاحية بيروت الجنوبية سيلحظ سريعاً الألوان العشوائية التي باتت تغطي الكثير من الابنية والجدران. ومشهد تلوين الجسر، لم يخلُ من من مفارقات، فقد اضطر العمال إلى طلي أطراف الأشرطة الكهربائية التي تمر تحت الجسر، إذ إن المئات منها تعبره من جهة إلى أخرى، فمن الناحية الجنوبية للجسر، تنتشر مولدات كهربائية غير قانونية تعود بحسب ما يقول السكان إلى المافيات المتحكمة بمولدات الكهرباء، وهذه المافيات، كما شرح لنا أحد السكان والذي فضل عدم ذكر اسمه،بدورها مدّت اشرطة كهربائية عشوائياً من أجل تغذية الجهة الشمالية لحارة حريك، وذلك من دون مراعاة سلامة السكان.

10 أعمدة من جسر حارة حريك، في ضاحية بيروت الجنوبية دُهِنت بالألوان، وزخرف الرسامون بعض الجدران باللون العاجي والأسود.

ورشة الدهن لم تنته إلى الآن، ويشرف عليها اتحاد بلديات ضاحية بيروت الجنوبية الذي أطلق قبل عامين مشروع “ضاحيتي” لتجميل شوارع المدينة، ومكافحة ظاهرة الأكشاك العشوائية.

الأعمدة الملونة من الجسر، تقع في واجهة الشارع الرئيسي لمدينة برج البراجنة ومخيمها، وكلاهما يعانيان من نقصٍ في الخدمات وسوء التنظيم المدني والفوضى العمرانية.

وعلى بُعد مئة متر تقريباً من ورشة تلوين الجسر، كان الاتحاد قد أنجز ورشة تفكيك وإعادة بناء الهيكل السفلي لمستديرة كبيرة في الجسر نفسه، والتي تربط أوتستراد السيد هادي نصرالله وبالشوارع الفرعية لأحياء تصل فيها أسعار العقارات إلى 400 ألف دولار.

المستديرة تحولت إلى مجسم ضخم، يحمل اسم “ميدان شهداء المقاومة”. الإنارة السفلية والعلوية للمستديرة تلفت أنظار المارة، فألوان الإضاءة هي خليط ذكي بين الأبيض والأصفر مع القليل من البنفسجي الهادئ، ما يجعل توهج الإضاءة يتناسب مع المستوى الإقتصادي لمنطقة مكتظة بمحال تجارية ذات صفات عالمية.

الاختلافات في اختيار المشاريع التجميلية للضاحية، ما بين تلوين الجدران الأمامية للجسر، وبين تدمير هيكل أساسي فيه وإعادة بنائه، تطرح علامات استفهام كبيرة حول سياسات التخطيط المدني العشوائية، ليس في الضاحية فقط بل في كل المناطق التي تشبهها، وحول رؤية المهندسين المشرفين على تبديل معالم المدن أكان بتلوين حائط هنا أو بناء جسر مشاة هناك من دون اعتماد مخطط واضح للمدينة وضواحيها.

المشاريع التجميلية المفترضة التي تشهدها مناطق لبنانية كثيرة وخصوصاً المكتظة سكانياً، تكشف عن عشوائية هائلة لجهة محاولة تمويه الاكتظاظ والبناء غير المرخص مع غطاء لوني يزيد من المفارقة..

رمي الفقراء في البحر

قبل سنتين أطلق المطور العقاري عياد ناصر ورشة تلوين لمنطقة الأوزاعي التي تقع على أطراف الضاحية الجنوبية وتبتعد كيلومترين اثنين من منطقة فردان البيروتية، واختار ناصر تبديل اسم المنطقة من “اوزاعي” إلى “أوزفيل”. ويقول ناصر عن مشروعه إنه يحمل هدفاً هو نشر الوعي بين سكان الأوزاعي بأهمية النظافة.

كل من يمر في الشارع الرئيسي للأوزاعي سيصادف مبنى كبيراً مهترئاً ملوّناً بالزهر والأزرق والأصفر، هذا المبنى بَدل لونه مشروع “أوزفيل”، وكما يقول ناصر فإن تلوين مباني الأوزاعي، أفضى إلى إزالة الفقر وجعلَ المنطقة نظيفة.

استطلع “درج” المبنى، الذي لونه “أوزفيل” ليتبين تَكدس تلال النفايات حوله، والتي تراكمت بسبب عجز الحكومة اللبنانية منذ عام 2015 عن إيجاد حل لواحدة من أخطر أزمات لبنان والتي تحولت قبل عام إلى أزمة دولية، بعدما وجهت حكومة اليونان إنذاراً لنظيرتها اللبنانية لحثِها على إيجاد حل للأزمة وإلا ستلجأ اليونان إلى جهات دولية لفض النزاع قانونياً.

داخل منطقة الأوزاعي المصنفة عقارياً من بين أسوأ المناطق العشوائية في بيروت، لَون ناصر جدران بضعة مبانٍ سكنية فيها.  

وناصر المتخصص في مجال تطوير العقارات كان في أيلول/ سبتمبر 2018، نشر فيديو على صفحته الخاصة على “فيسبوك”، يهاجم فيه المخرجة نادين لبكي لتسليطها الضوء على حياة الفقراء في فيلمها “كفرناحوم”، مطالباً إياها بدفع مبلغ من أرباح الفيلم لإصلاح المناطق الفقيرة عبر تلوين جدرانها الخارجية.

يقول ناصر في الفيديو “إن المناطق العشوائية المهملة، سوف تكبر بما تحمله من قرف وجهل لدى سكانها، وكثرة إنجاب النساء فيها، وهو ما سيدمر لبنان”.

لم يتردد ناصر في استخدام عبارات تحريضية ضد فقراء الأوزاعي فوصفهم ب”الجهلة”، مصراً على أهمية تقليص عددهم بسياسة الحد من الإنجاب.

المخططة المدنية في المناطق العشوائية ومخيمات اللجوء جنى نخال قالت لـ “درج”: “إن معالجة مشكلات المناطق الفقيرة عبر تلوينها، هو استخفافٌ بمعاناتهم وأزماتهم. المناطق الفقيرة تحتاج إلى إنماء حقيقي يطاول الخدمات التي تتلقاها من الدولة، فالفقراء يعانون من انقطاع دائم للكهرباء والماء ويُنظر إليهم على أنهم خارجون عن القانون، وبما أنهم فقراء، يَتَوهم المطورون العقاريون أن من حقهم وصف المهمشين بألفاظ سيئة وجارحة”.

وتضيف نخال: “علينا أن نسأل أي مدينة نريدها؟، هل هي مدينة، تراد منها مضاعفة تهميش الفقراء وأزماتهم وتبخيس قيمة المعاناة من خلال تلوين جدران البيوت، من دون تحسين الظروف المعيشية والخدماتية لساكني المنازل؟”.

الخجل من الفقراء

تشكل أحياء الصفيح والعشوائيات ظاهرة، فمنذ انتهاء الحرب الأهلية لم تضع الدولة أي خطة لإصلاح وإعادة تأهيل المناطق الأكثر فقراً التي أخذت بالتنامي إبان تلك الحقبة.

يعيش الفقراء داخل قوقعتهم، منازلهم متلاصقة ببعضها، وقد يتحول الضجيج الذي يصدرونه في الحي نتيجة هذا التقارب الفوضوي بين البيوت إلى حلقة عنف كتلك التي عاشها لبنان حين قتل مشجع ألماني صديقه المشجع البرازيلي في حي فقير في حي السلم. ومن هنا يأتي دور المخططين المدنيين الذين راجت أعمالهم في تلوين الغلاف الخارجي للأحياء الفقيرة، للتخلص من وصمة عار تعتريهم من وجود الفقر كحال عايد ناصر.

المصور الفوتوغرافي ألكس فرنجية، كان قد ساهم في الرسم على جدران عدد من واجهات مدينة زغرتا في شمال لبنان، يقول لـ “درج” إن الجدران الملونة أعادت الحياة إلى نفوس سكان المدينة. وبحسب ألكس، “لقد كانت فعاليات زغرتا الأهلية تسعى إلى استكمال المشروع الذي كان سيبلغ ثمنه 12 مليون دولار لتلوين الواجهة العمرانية للمنطقة بكاملها”. ويوضح مخطط مدني يعمل في الاتحاد الأوروبي رفض الكشف عن اسمه لأنه ممنوع من التصريح للإعلام، “يمكن إصلاح شبكة المياه والصرف الصحي في محافظة الشمال، بـ12 مليون دولار”.

سلط موقع “فايز نيوز”، الضوء على المناطق العشوائية في مدينة ريو ديجينيرو في البرازيل، طارحاً الأزمة التي سبّبها المونديال عام 2014 على الحكومة البرازيلية، فقد لجأت حينها البرازيل إلى تلوين الجدار الخارجي لأكبر تجمع عشوائي في الريو، كي لا يراه السائحون. ونقلت “فايز” الإرهاق النفسي والتعب اللذين يتكبدهما الإنسان المقيم في أحياء متآكلة. هذا الفشل الحكومي في التعاطي مع ملف أحياء الصفيح تم إخفاؤه بجدران ملونة بالأزرق، وتسير على غرارها حكومات أخرى من بينها الحكومة اللبنانية، التي لا يبدو حتى الآن أنها سلكت مساراً جدياً في معالجة الأزمات الاجتماعية.في المقابل، لا يبدو أن فقراء المدن سيتوقفون عن إزعاج من يريدون أن لا يروهم.


إقرأ أيضاً:

من يملك قرار الرقابة في لبنان 

بعد خلعها الحجاب… متشدّدون يطالبون حلا شيحا “بالفنّ النظيف”

 

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني