fbpx

الصحافيون اليمنيون والقمع اليومي الممنهج

في لحظة يضج بها العالم بسبب جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، عمدت مليشيات جماعة الحوثي لاقتحام فندق وسط العاصمة صنعاء، وسوق 20 صحافياً، تحت تهديد السلاح، وأخذهم إلى مقر “الأمن القومي” (جهاز المخابرات).

صنعاء – حسان محمد :

في لحظة يضج بها العالم بسبب جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، عمدت مليشيات جماعة الحوثي لاقتحام فندق وسط العاصمة صنعاء، وسوق 20 صحافياً، تحت تهديد السلاح، وأخذهم إلى مقر “الأمن القومي” (جهاز المخابرات).

وبعد ساعات مديدة، أفرجت جماعة الحوثي، في وقت متأخر من مساء الخميس، عن الصحافيين أشرف الريفي، سكرتير لجنة الحريات بنقابة الصحافيين، وعادل عبدالمغني، مدير تحرير موقع “الوحدوي نت”، بعد اعتقال دام عشر ساعات، في أقبية “الأمن القومي” بصنعاء، قبل أن ينقلا إلى جهاز “الأمن السياسي”، بصحبة ثلاثة صحافيين آخرين، في حين أفرجت عن 15 صحافياً آخرين، بعد ساعتين من الاعتقال.

وقال أحد الذين تم اعتقالهم لـ”المشاهد” بأن قوات أمنية مكونة من عربتين عسكريتين، تقل العشرات من الجنود الملثمين، وصلت إلى مكان الفندق، بعد قرابة نصف ساعة من احتجاز الصحافيين داخل قاعة الفعالية، واقتحموا القاعة ومن ثم قاموا بإخراج الصحافيين والزج بهم في الأطقم العسكرية والذهاب بهم باتجاه مبنى الأمن القومي.

المفارقة أن هذا العمل التعسفي حدث بسبب فعالية حول مواجهة خطاب الكراهية والتحريض على العنف في وسائل الإعلام، في العاصمة صنعاء، الخاضعة لسيطرة الجماعة.. هكذا تبين حال الصحافة والصحافيين في هذا البلد المنكوب بالجيوش والمليشيات المتعددة والمتصارعة، وهذه ليست المرة الأولى، ولا هي بالحادثة النادرة.

فاطمة الأغبري، إحدى المشاركات بالفعالية، قالت: انتشرت قوات الأمن حول الفندق، واقتحمت القاعة التي تقام بها الفعالية، وقام رجالها بإغلاق الباب، واحتجاز حرية المتواجدين، وأخذوا كشوفات الحضور والكاميرات، وأخبرونا أننا موقفون بحجة إقامة الفعالية من دون تصريح.

وأضافت الأغبري في منشور على صفحتها في “فيسبوك”: “عندما خرجت من الفندق رأيت قوات من الأمن تأخذ بعض الزملاء بسيارتهم إلى مبنى الأمن القومي للتحقيق معهم، وأخذ تعهدات منهم”، وهو ما يؤكده لـ”المشاهد” أحد المختطفين الذين تم إطلاق سراحهم، بقوله: “انتهينا من اختتام فعالية مشروع مواجهة خطاب الكراهية والتحريض في وسائل الإعلام، في الساعة الـ10 والنصف، دخل علينا ثلاثة أفراد من الأمن القومي، عرفوا بأنفسهم، وأخبرونا أننا موقوفون، وبعد نصف ساعة امتلأ الفندق بالمسلحين، وحملونا إلى مبنى الأمن القومي”.

ويروي الصحافي المفرج عنه لـ”المشاهد”: تم احتجازنا جميعاً في مطبخ مساحته لا تتجاوز ثلاثة أمتار طولاً ومترا واحداً عرضاً، ثم أعطونا محاضرات حول الدور المشبوه للمنظمات الدولية، وأن القانون يمنع المنظمات المحلية من أخذ الدعم من المنظمات الدولية”.

ويؤكد أنه تم إجبارهم على التوقيع على تعهدات بعدم حضور أي مؤتمر صحافي أو فعالية إلا بعد إبلاغهم، وأن يلتزموا بالحضور إلى “الأمن القومي” في أي وقت يطلب منهم.

الانتهاكات مستمرة

وتواجه الحريات الصحافية في اليمن هجوماً شرساً منذ أكثر من ثلاثة أعوام، بعد اندلاع الحرب. ويعاني الصحافيون صنوفاً من الانتهاكات الجسيمة، من قتل واعتقال وإخفاء قسري وتعذيب وتهجير، وغيرها من الممارسات القاسية بحقهم، وهو ما يؤكده تقرير نقابة الصحافيين، الذي وثّق وقوع 100 حالة انتهاك ضد الحريات الإعلامية فقط في النصف الأول من 2018، بينها 5 حالات قتل.

ورصد التقرير 100 حالة انتهاك طالت الحريات الصحافية والإعلامية، استهدفت مئات الصحافيين ومؤسسات إعلامية كانوا ضحايا للانتهاكات المختلفة.

وتنوعت الانتهاكات بين الاختطاف والاعتقالات بـ38 حالة بنسبة 38%، والاعتداءات بـ18 حالة بنسبة 18%، والمنع من التغطية بـ9 حالات بنسبة 9%، و5 حالات قتل بنسبة 5%. وتوزعت بقية الحالات بين التهديدات، والمحاكمات، والتعذيب، ومصادرة مقتنيات الصحافيين والصحف، وإيقاف الرواتب، وحجب المواقع الإخبارية، وإيقاف وسائل الإعلام.. بما يوضح استمرار الحرب الممنهجة على وسائل الإعلام وحرية الصحافة بشكل عدائي وعنيف من قبل كافة الأطراف.

فيما أكد مرصد الحريات الإعلامية التابع لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، تسجيل 221 انتهاك ضد الحريات الإعلامية في اليمن، خلال العام 2017، تعرض لها إعلاميون ومؤسسات إعلامية، تنوعت بين حالة قتل وإصابة واختطاف واعتداء وتهديد وقصف مؤسسات إعلامية، بينها 3 حالات قتل من قبل الحوثيين لمصورين في مدينة تعز.

10 ساعات في سجن المخابرات

الأطراف المتنازعة في اليمن؛ الحوثيون والحكومة الشرعية أو المتطرفين أو الفرق السريعة التابعة لقوات التحالف، جميعها متوافقة على ملاحقة ومطاردة وقمع العمل الصحافي والصحافيين إلى حد التهديد بالقتل والتصفية الجسدية.

في الحادثة الأخيرة بصنعاء، وعلى الرغم من الإفراج عن هؤلاء الصحافيين بعد 10 ساعات، إلا أنهم تعرضوا للترهيب والتهديد في تحقيقات أمنية هي أشبه بسيل من الاتهامات الخطيرة والمميتة من نوع العمالة وتهديد الأمن القومي، وتم الإفراج عنهم بعد التوقيع القسري على تعهد يعدم معنى عمل الصحافي، ويقمع أي قدرة على القيام بمهامه أو التعبير عن رأيه.

وطالت آخر تلك الاعتداءات، الصحافي شوقي العباسي، وابنه البالغ 12 عاماً، وهما أمام منزلهما في منطقة صرف (شمال شرق صنعاء)، فيما أصيب شقيقه بطلق ناري. وقبل أيام من الاعتداء على العباسي، اعتدت جماعة الحوثي على ثلاثة صحافيين في مدينة الحديدة (غرب اليمن).

المثير في تلك الأعمال العدائية تجاه الصحافيين، هو اعتقال عشرين صحافياً دفعة واحدة، في خطوة عدها مراقبون تجاوزاً خطيراً لما تبقى من حريات عامة.

إفراج مشروط

يقول أحد الصحافيين الذين اعتقلتهم جماعة الحوثي، صباح الأربعاء، لـ”المشاهد”: “يا أخي، أنا أبكي بمرارة، لقد أهانونا، وبصمنا بالعشر على تعهدات، دون ذنب أو جريمة ارتكبناها”، مضيفاً أنهم عصبوا عيونهم أثناء التحقيق، وألقوا عليهم تهماً كيدية لا علاقة لهم بها، الهدف منها ترويعهم، كما هو دأب هذه الجماعة، حد تعبيره.

هذا المناخ من القمع والإذلال والملاحقة اليومية، جعل من الصحافيين اليمنيين مشاريع شهداء رغماً عنهم، كما كان مصير الصحافيين الأربعة الذين قتلوا منذ مطلع العام الجاري وهم: زكي السقلدي (اغتيل في 6 أكتوبر 2018 في مدينة الضالع)، المصور الصحافي أسامة سلام المقطري (اغتيل في 27 يناير 2018، برصاص قناص في مدينة تعز)، الصحافي أحمد الميموني، رئيس قسم الموارد البشرية، بوكالة الأنباء اليمنية “سبأ” (اغتاله مسلحان مجهولان، في العاصمة صنعاء، في 5 أبريل 2018، بعد أن ترك عالم الصحافة)، والمصور الصحافي محمد الطاهري (اغتاله قناص مجهول، في 2 سبتمبر الماضي، أثناء محاولته إسعاف أحد ضحايا المواجهات بين قوات الجيش ومسلحين تابعين لكتائب أبي العباس في محافظة تعز).

مع استمرار الترهيب والتخوين يلجأ معظم الصحافيين اليمنيين إلى الكتابة بأسماء مستعارة، خوفاً على حياتهم، يقول مجد عبدالله لـ”المشاهد”: “أنتظر بأي لحظة مداهمة منزلي في صنعاء، واعتقالي من قبل مسلحي جماعة الحوثي، كوني صحافياً، ورغم الكتابة باسم مستعار، إلا أن الخوف يلاحقني دائماً”.

ويضيف: “تعتبر جماعة الحوثي الصحافي عدواً لها، وأنه يعمل مع الشرعية والتحالف العربي، وأنه يشكل خطورة أكثر من قوات التحالف والشرعية، ولهذا أكتب بهذا الاسم من أجل توفير لقمة العيش لي ولأسرتي”.

في ظل قوى الأمر الواقع التي تجسد ممارسة وقولاً خطاب الكراهية والعنف، ليس مستبعداً أن تتحول هذه الحادثة إلى ظاهرة يومية في اليمن.

مرة جديدة، في صنعاء أو أي مدينة عربية، يبدو الصحافي عدواً يجب التخلص منه!

هذا الموضوع منقول عن موقع المشاهد اليمني ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني