fbpx

معركة القهوة… مزاج المصريين يتحدى حُكّامه

"لا أتخيل حياتي من دون تدخين أحجار المعسل الصباحية والسهرية اليومية مع أصحابي، هذا هو متنفسي الوحيد لمقاومة أعباء الحياة" يتحدث مصطفى حسين عن واقع حياته بين الوظيفة والمقهى. تلك الطقوس قد يتنازل عنها مصطفى وملايين مثله في الفترة المقبلة، إذا طبقت الحكومة المقترحات البرلمانية المطالبة بغلق مقاهي القاهرة ليلاً

دائماً ما يكون الطريق إلى المقهى أقرب إلى قلب الموظف الأربعيني مصطفى حسين عن خط سيره إلى مقر عمله بوزارة الأوقاف، الواقعة وسط القاهرة. يترجل إلى “بوفيه السعادة” كل صباح، يحتسي الشاي ويدخن النرجيلة ثم يتوجّه إلى الوزارة عند التاسعة.

صباح اعتيادي لمعظم موظفي القاهرة العاملين في القطاع الحكومي، الذين يبلغ عددهم 5.5 مليون، بحسب الإحصاءات الرسمية. أما في المساء، وتحديداً ابتداءً من العاشرة مساء حتى الواحدة صباحاً، يزاحم أولئك شرائح أخرى بينهم موظفو القطاع الخاص وشباب الجامعات والعاطلين من العمل كراسي مقاهيهم القريبة من منازلهم.

“لا أتخيل حياتي من دون تدخين أحجار المعسل الصباحية والسهرية اليومية مع أصحابي، هذا هو متنفسي الوحيد لمقاومة أعباء الحياة” يتحدث مصطفى حسين عن واقع حياته بين الوظيفة والمقهى.  

تلك الطقوس قد يتنازل عنها مصطفى وملايين مثله في الفترة المقبلة، إذا طبقت الحكومة المقترحات البرلمانية المطالبة بغلق مقاهي القاهرة ليلاً، بدعوى الحفاظ على نشاط الموظفين وصحتهم ادخار أموالهم.

وتقدم مجموعة من أعضاء مجلس النواب مؤخراً بمشروعات قوانين تناقش إغلاق المقاهي بحلول العاشرة والثانية عشرة مساء، للاستفادة من طاقات الشباب المهدرة وحثهم على الاستيقاظ باكراً.

وقال البرلماني سمير البطيخي، أحد مقدمي المبادرة، إن غلق المقاهي باكراً يحسن الحياة الزوجية، وينظم مواعيد العمل والانضباط، ويساهم في توفير الأيدي العاملة، معتبراً أن ذلك سيجعل مصر دولة متقدمة، إذ إنه لا توجد دولة متقدمة تعمل فيها المقاهي طوال الـ24 ساعة يومياً.

وتعمل نسبة كبيرة من مقاهي العاصمة على مدار الـ24 ساعة، فيما يغلق بعضها عند الثالثة صباحاً، بعد انصراف زبائنها، تحتضن خلالها اجتماعات الأصدقاء وهواة الدومينو والطاولة.

ووفق الإحصاءات التي رصدها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فيوجد في مصر 2 مليون مقهى، تستحوذ العاصمة على 150 ألف مقهى منها، ويبلغ حجم إنفاق المترددين عليها 40 في المئة من راتبهم. فيما تبلغ التكلفة الاقتصادية التى ينفقها المصريون سنوياً على تدخين السجائر و”الشيشة” 40 مليار جنيه.

الدعوة إلى غلق المقاهي ليلاً ليست جديدة على المصريين، فسبق أن تبناها برلمانيون وسياسيون للأسباب نفسها، وطبقتها محافظة دمياط، دلتا مصر، العام الماضي، بتحديد الحادية عشرة مساء لإغلاق المقاهي، وتتزامن أيضاً مع رغبة البرلمانيين في غلق المحال التجارية في التوقيت نفسه، لترشيد الاستهلاك من الكهرباء.

إلا أن توقيت خروجها يتماشى مع خطاب التقشف وترشيد الاستهلاك الذي تنتهجه السلطة ورجالاتها في البرلمان والإعلام، فدائماً ما تتركز الرسائل على معدلات الاستهلاك والجوانب الترفيهية بمختلف تنوعاتها كحلول متاحة دائماً أمام صانع القرار، عوضاً عن حلحلة الأزمات الاقتصادية بعيداً من جيوب المواطنين وما تشتهيه أمزجتهم.

ميدانياً، لم تجد المقترحات البرلمانية أي ردود إيجابية من أصحاب المقاهي، أكثر المتضررين من القرار، فكثر غير مستعدين لتفهم ما يصبو إليه أطروحات مجلس النواب، لا سيما أن أعضاءه الذين أمضوا عامين تحت القبة أظهروا دعماً كبيراً للسلطة وقرارتها الاقتصادية على حساب الفقراء.

في المعادي، الحي الراقي الواقع بجنوب القاهرة، يعمل مقهى “الصحبجية” على مدار الـ24 ساعة، حيث يستقبل الزبائن حتى الرابعة فجراً ما يجعله يواصل العمل حتى الصباح. يقول مالكه أحمد عبده: “القهوة ملاذ الناس الزهقانة من بيوتها وأصحاب المزاج ممن يدخنون الشيشة، الناس هنا بتقتل وقتها ومن يحس بالتأخير لا يتركها قبل الواحدة صباحاً”، سائلاً: “الناس هتفك همومها فين غير القهوة؟ مش معقولة هتروح كلها النادي ولا تنام من الساعة 10”.

أما مصطفى حسين موظف الأوقاف فيتشبث بنظام حياته القائم على القهوة الصباحية والمسائية ولا يكترث كثيراً بالمقترحات المثيرة للجدل، يقول بسخرية: “لهم قوانينهم ولنا مزاجنا”.

غير أن المقهى هو هامش الفقراء الوحيد في هذا البلد، فمعظمهم ليسوا من أعضاء النوادي الاجتماعية ولا بمقدروهم التنزه يومياً في “المولات” والسينمات المتاحة أمام شريحة قليلة، لذا فالمقهى الليلي هو المكان الرخيص الذي يجد فيه الفقراء ضالتهم.

استراتيجية الجور على الأمزجة ليست متوقفة عند كل ما هو ترفيهي، فالدولة ترى أيضاً أن المصريين يسرفون في ممارسة الجنس وهو ما نجم عنه الانفجار السكاني الكبير في العقود الأخيرة، فتستقبل 4 مواليد جدد كل دقيقة، حيث تجاوز عدد المصريين 104 ملايين نسمة، بحسب أحدث إحصاءات رسمية.

وتتجلى الرؤية الحكومية في أحاديث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن التهام الزيادة السكانية إيجابيات خارطة الإصلاح الاقتصادي التي تنفذها حكومته منذ 2016، لذا يستعين في أحاديثه بالتجربة الصينية الصارمة بتحديد طفل واحد للأسرة الواحدة من أجل النهوض باقتصادها، ويدعو إلى تكثيف حملات التوعية وسن القوانين لشرعنة رؤيته.

وفي أحد خطاباته، نصح السيسي المتزوجين بالتقاط الأنفاس بين الأطفال، قائلاً: “خذوا فرصة” وهو ما فهمه الحاضرون بأنه دعوة إلى التوقف عن ممارسة العلاقة الحميمية.

هذه الأفكار ليست نتاج الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر حالياً، فحملات تحديد النسل سلاح دائم للحكومة المصرية منذ تسعينات القرن الماضي، ما يعكس تكلس عقول صانعي القرار وربط مصير التنمية بسلوكيات المواطنين دائماً.

 

استراتيجية الجور على الأمزجة ليست متوقفة عند كل ما هو ترفيهي، فالدولة ترى أيضاً أن المصريين يسرفون في ممارسة الجنس

 

الرواية الإعلامية ليست بعيدة أيضاً من أفكار السلطة وبرلمانها، فأصوات النظام على الشاشة تروج لأخبار الاستهلاك الزائد عبر التدليل على رخاء قطاع كبير من المواطنين، مثلما تحدث أحمد موسى في فضائية “صدى البلد” عن استهلاك المصريين 2.5 مليار جنيه رنجة وفسيخ في عيد “شم النسيم” العام الماضي.

في حين تحدث تامر أمين في “فضائية الحياة” قائلاً: “عاوز أسأل بجد، إنتو جبتوا الفلوس دي منين، وإيه حكاية مش لاقيين ناكل ومش لاقيين نشرب والأسعار غالية.. جبتوا منين الفلوس اللي اتصرفت على الفسيخ والرنجة”.

الأمر لا يقتصر أيضاً على مظاهر البذخ، بحسب الرواية الرسمية، فتحدي الكيكي الذي اجتاح العالم قبل بضعة اشهر واجه هجوماً كبيراً من السلطة متمثلة في هرمها، حين سخر السيسي من التحدي وطالب وزير البترول بزيادة أسعار البترول كي يمنعهم من التصوير بجوار سيارتهم، وهو ما أعقبته حملات مرورية لضبط راقصي الكيكي.

اللافت من هذه الشواهد تنامي سياسة رسمية تضيق على الحريات الاجتماعية والشخصية بحسب الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية.

وتعجب صادق، في حديثه لـ”درج” من تفكير برلمانيين في إغلاق المقاهي ليلاً، فمصر بلد ذات طابع ساهر من زمن سحيق، إذ إن ثقافة القهوة عند المصريين مختلفة عن أي دولة أخرى، شارحاً: “هي بالنسبة إليهم الاستراحة بعد ساعات العمل الطويلة، مع الصُحاب، والمقصد الدائم للناس الهربانة من بيوتها، وحين تغلق سيجلس هؤلاء في البيت ويفتعلون المشاجرات”.

وعرج إلى الحديث عن استراتيجية الحكومات المصرية في التعامل مع حياة مواطنيها، موضحاً أنها تسعى دائماً إلى توفير الأموال على حساب الترفيه والمزاج، فالحكومة فشلت في الملفات كلها، “السكن والمواصلات والمعيشة”، وتعلق الآن الشماعة على المقهى والجنس كي لا يلومها أحد.

ودلل صادق بالتجربة الأميركية حين منعت بعض الولايات احتساء الخمر في عشرينات القرن الماضي، ما أدى إلى ظهور عصابات تنظم حانات سرية، وهو ما قد يحدث في حال قررت الحكومة إغلاق المقاهي حيث سيبحث الناس عن وسائل بديلة لتعويض غياب المقهى في حياتهم، بكل ما يعنيه من معان نفسية.

بالنسبة إلى صادق، فالحكومات العربية تتبنى استراتيجية إشغال الناس بتفاهات وتعكير مزاجهم، وكأن ذلك وسيلة سهلة للبحث عن حلول.

 

إقرأ أيضاً

المتحرشون في شوارع القاهرة ومناهضوهم في السجون

كيف أمسك السيسي بزمام الدولة العميقة 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني