fbpx

كيف أفلت الأسد من جريمة القرن؟

أكتوبر 23, 2018
بينما تبقى سوريا ممزقة بين المصالح الروسية والأميركية والتركية، ويعمل قادة العالم على تجنب مذبحةٍ في معقل المقاومة المُتبقي، هناك شيءٌ واحدٌ مؤكد: لقد فاز الرئيس بشار الأسد في الحرب الأهلية السورية التي استمرت 7 سنوات. فكيف حصل ذلك؟

بينما تبقى سوريا ممزقة بين المصالح الروسية والأميركية والتركية، ويعمل قادة العالم على تجنب  مذبحةٍ في معقل المقاومة المُتبقي، هناك شيءٌ واحدٌ مؤكد: لقد فاز الرئيس بشار الأسد في الحرب الأهلية السورية التي استمرت 7 سنوات.

يقول الخبراء إن الأسد لكي يضمن فوزه، ساعد في احتضان التطرُّف الذي أدى إلى صعود الدولة الإسلامية وزيادة انتشار الجهاد في سوريا – وهي العناصر نفسها التي يتعهد حالياً بتدميرها في إدلب، آخر معاقل المتمردين في البلاد، وموطن ملايين المدنيين واللاجئين.

يقول روبرت فورد، سفير الولايات المتحدة إلى سوريا في عهد الرئيس باراك أوباما وآخر السفراء الأميركيين في البلاد، لصحيفة “هآرتس” إن الأسد “سيبقى في السلطة مدةً لا يمكن التنبؤ بها”، والأهم من ذلك أنه “لن يكون هناك أي محاكمات على غرار محاكمات نورنبرغ للأسد وشركائه”.

ويقول، علاوة على ذلك، إن الأمر لن يقتصر فقط على عدم محاسبة الأسد على استخدام الأسلحة الكيماوية أو على الأعمال الوحشية الأخرى التي ارتكبها في الحرب، ولكن حليفتيه روسيا وإيران اللتين ساعدتاه على هزيمة المتمردين، لن تتمكنا من تمويل عملية إعادة بناء البلد الذي دمرته الحرب.

يقول فورد، الذي صار الآن زميلاً في معهد الشرق الأوسط في واشنطن وأستاذاً في جامعة ييل، “تفتقر الحكومة السورية إلى الموارد المالية، وليس بإمكان روسيا ولا إيران تقديم ما هو أكثر مما توفرانه بالفعل”.

في عددٍ من المراحل على مر السنوات الثمانية مذ بدأ الربيع العربي في إسقاط الدكتاتوريين في الشرق الأوسط، بدا سقوط الأسد وشيكاً. غير أنه استطاع الصمود أطول من رفاقه الطغاة مثل حسني مبارك في مصر ومعمر القذافي في ليبيا، وكذلك القادة الغربيين مثل أوباما وديفيد كاميرون في بريطانيا، والذي تعهد ذات مرةٍ بوقف إراقة الدماء ورسم خطوطاً حمراً، مُحذراً الأسد من استخدام الأسلحة الكيماوية أو المخاطرة بتغيير النظام.

فورد، الذي استقال في شباط/ فبراير 2014 احتجاجاً على افتقار أوباما لسياسة مضادة للأسد، التقى بشكل منتظم مع المتمردين وكتب في صحيفة “نيويورك تايمز” في حزيران/ يونيو 2014 “لم يكن هؤلاء الرجال ملائكة… ولكنهم أقروا بأنه سيكون عليهم في النهاية محاربة القاعدة والجهاديين الأجانب”. ولكن في نهاية الأمر، كان الأسد هو من استطاع إقناع معظم من في الغرب بأنه خيارٌ أفضلٌ من المتمردين، من حيث المساعدة في محاربة الدولة الإسلامية والجهاديين.

رواية جديدة

عام 2011، وبعد مرور أشهر على بدء الانتفاضة ضد الأسد في درعا وشروعها في زعزعة استقرار البلاد بسرعة، أطلق النظام آلاف الجهاديين من السجون السورية سيئة السمعة الآن.

وباستخدام حساباتٍ باردة برغماتية، أشاع الأسد الفوضى والإرهاب للتشكيك في المعارضة ولضمان عدم تدخل الغرب ضده. يُوضح خبير الحرب السورية كريستوفر فيليبس كيف ربط الأسد المعارضة بالجهاديين في كتابه المتكامل “معركة سوريا: التنافس الدولي في الشرق الأوسط الجديد”.

يقول فيليبس لصحيفة “هآرتس”، “تصعب معرفة مدى نجاح إستراتيجية التشكيك. بالتأكيد بدا معظم السوريين الذين لم يفروا أو يحملوا السلاح، داعمين للأسد ضمناً، لكن هل كان ذلك لأنهم لم يثقوا بالمعارضة أو لأنهم خافوا من النظام؟ ربما كان الأمر خليطاً من الاثنين”.

يقول محمد آل سعود، وهو سوري معارض يتبع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، لمجلة “نيوز ويك” في 2014 أن الأسد “في 2011، أفرج عن معظم قادة داعش الحاليين”، وأضاف “لم يعترف أحدٌ في النظام بذلك، أو يوضح السبب”.

كان حسن عبود من حركة أحرار الشام، وزهران علوش من تحالف جيش الإسلام، وهما قائدان لمجموعتين إسلاميتين رئيسيتين، قابعين في سجون الأسد في بدايات عام 2011. إضافة إلى ذلك، عندما بدأت الدولة الإسلامية تترسخ في سوريا وتنتشر في العراق، سمح لها الأسد بالنمو. كتب فيليبس في صحيفة “ذي أتلانتك” في آب/ أغسطس، إن ذلك كان “برغماتياً بشكل جزئي، إذ كان تنظيم الدولة الإسلامية في الطرف الشرقي، بينما هدد المتمردون الآخرون المناطق الغربية، لكن الأمر كان استراتيجياً أيضاً”.

قال عضو سابق في هيئة المخابرات العسكرية السورية، وهي واحدة من بين ما يزيد عن 6 من وكالات المخابرات السرية في سوريا، لصحيفة “ذي ناشونال” في أبوظبي عام 2014، “لم يفتح النظام أبواب السجون ويُخرج هؤلاء المتطرفين فحسب، بل سهّل لهم عملهم، وسهّل إنشاء الكتائب المسلحة”.

كتب فيليبس أن الأسد “اختلق رواية تُضفي شرعيةً على موقفه؛ صور فيها المعارضة على أنها مجموعة إسلاميين عدوانيين وأجانب وطائفيين، آملاً بألا يبقى أمام العالم والسوريين سوى الجهاديين ونظامه هو للاختيار بينهما”.

نجاة الأسد ووجود “حزب الله” الدائم

بينما كانت الحرب تتطور، تدخل “حزب الله” وإيران عسكرياً، و بعدهما روسيا لمساعدة الأسد، بينما حاربت الولايات المتحدة وتركيا والأكراد في سوريا وأقاموا قواعد عسكرية لمحاربة الدولة الإسلامية. يقول فيليبس إن الحزب كان “مفتاحاً أساسياً” لبقاء الأسد.

يقول فيليبس لصحيفة “هآرتس” إنه عام 2012، كان أفراد “حزب الله” أول المقاتلين الأجانب الذين ينحازون إلى جانب الأسد و”يتولون القيادة في معارك رئيسية مثل معركة القصير، وفي إعادة تنظيم الجيش السوري وقوات سوريا الديموقراطية الموالية للأسد”، ويضيف “ربما امتلك سليماني الإيراني العقول المدبرة، ولكن أفراد حزب الله كانوا المُنفّذين الموثوق بهم”، في إشارةٍ إلى قائد قوات القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني.

لطالما كانت إيران تعتبر وجودها في سوريا أمراً محورياً في رغبتها في إنشاء جسر بري يربط بين طهران وبيروت، وهو رصيد استراتيجي تأمل بأن يُحبط منافستيها الإقليميتين؛ السعودية وإسرائيل.

هناك عامل رئيسي آخر ساعد على نجاة الأسد وهو قوة الحكومة السورية قبل الحرب. كتب فيليبس أنه عام 2000، عندما وصل الأسد إلى السلطة، كان قد “ورث نظاماً مضاداً للانقلابات” من والده حافظ الأسد.

لا تزال البنية التي أقامها حافظ باقية حتى اليوم، وكما يضيف فورد، فهي السبب في أن “لا روسيا ولا إيران تسيطران على الدائرة الداخلية لنخبة السلطة السورية، وأن هذه الدائرة الداخلية ظلت موالية للأسد خلال الحرب الأهلية”. معظم المراكز الأمنية العليا في سوريا يشغلها العلويون، وهي الطائفة التي تنتمي إليها عائلة الأسد، ولا تمثل سوى 10 في المئة من السكان ذوي الأغلبية السنية. وبينما عانى جيش الأسد من حالات فرار جماعية وخسر أكثر من نصف جنوده في السنوات الأربع الأولى من الحرب، بقي هيكل السلطة المحيط بالأسد مُخلصاً له.

ما الآتي في سوريا؟

تركت نجاة الأسد سوريا في حال خراب، يقول فورد إن البلد الآن صار “أكثر ضعفاً وفقراً وأقل نفوذاً في المنطقة”. وصارت رحلات الأسد إلى الخارج الآن تقتصر على الدول “الصديقة”، خشية أن يتم تسليمه.

تعمل روسيا -بينما تُعاني من مشكلاتها الاقتصادية- من وراء الكواليس لتأمين تمويلٍ لإعادة بناء سوريا. يقول فورد: “ترغب روسيا في أن تُظهر للعالم أن الحرب الأهلية السورية انتهت إلى حد كبير، وستكون عودة اللاجئين مؤشراً على انتصار حكومة الأسد”.

إلا أن إدارة ترامب أوضحت أن واشنطن لن تساعد في تمويل جهود إعادة البناء، وعلى الجانب الآخر، فالعقوبات الأميركية تجعل الاستثمار الأجنبي في البلاد شديد الصعوبة.

تمادت الحكومة الروسية إلى حد إصدار قائمة من “مركز تنسيق اللاجئين” التابع لها في قاعدة حميميم الجوية في سوريا، مدعيةً ​​أن 900 ألف لاجئ قد يعودون إلى سوريا قريباً من لبنان والأردن وتركيا. وتقوم تركيا بحشد قواتٍ قرب إدلب خشية حدوث نزوح جماعي من المنطقة باتجاه حدودها.

لكن فورد يقول إن البنية التحتية الأساسية لسوريا لا يمكنها تحمل السكان العائدين. وتتراوح التقديرات الأخيرة لتكلفة إعادة بناء سوريا من 250 إلى 400 مليار دولار وفقاً لـ”أسوشييتد برس”. يُضيف فورد “أُعيد بناء أجزاء صغيرة في حمص وحلب، على رغم أن القتال في المدينتين انتهى منذ سنوات.. أين سيعيش اللاجئون؟ ما الوظائف التي سيعملون بها؟ ماذا عن المياه النظيفة والكهرباء والتدفئة في فصل الشتاء؟”.

نتيجة لذلك، كانت روسيا تضغط على ألمانيا وفرنسا، بل وحتى تركيا لتشارك في تمويل إعادة بناء سوريا، في الوقت الذي كان ترامب يضغط على حلفائه كيلا يقدموا دعماً مالياً للأسد. كما أن الوجود الإيراني غير مُحدّد الأجل في سوريا يؤكد منع تمويل الولايات المتحدة سوريا واستمرار عزلها اقتصادياً وديبلوماسياً.

خلق الانتصار الوحشي للأسد واحدة من أكبر أزمات اللاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، أزمة أبرزت الشياطين في الكثير من الدول الغربية التي تتبنى سياسات مناهضة للهجرة وللمسلمين.

وتواجه جهود إعادة الإعمار والتوطين مشكلة أخرى؛ وهي أن عدداً كبيراً من اللاجئين قد لا يرغبون في العودة. تقوم أجهزة الأمن السورية بالتحقُّق من المعلومات الخاصة بكل لاجئ، ووفقاً لفورد، هناك قصص واردة في وسائل الإعلام عن اعتقال بعض الأشخاص أو إرسالهم إلى الخدمة العسكرية فور عودتهم. وقد اتفقت روسيا والأسد وتركيا في الوقت الحالي على عدم دخول إدلب أو تدمير الجهاديين هناك على حساب أرواح المدنيين، ما يُؤخّر الهجمة العسكرية الأخيرة التي لا يزال معظم المراقبين يرون أنه لا مفر من وقوعها.

إضافة إلى ذلك، قدّر تقرير حديث صدر من الأمم المتحدة أن ما بين 20 و30 ألفاً من مقاتلي الدولة الإسلامية لا يزالون في سوريا والعراق، على رغم تصريحات ترامب الأخيرة بالنصر على المجموعة. وتُشير الأحداث الأخيرة إلى أن الدولة الإسلامية لا تزال تشكل تهديداً دولياً ومحلياً، بل وقد أعلنت إيران يوم الأربعاء أنها قتلت 40 قيادياً في داعش بـ6 هجمات صاروخية، رداً على هجوم 22 أيلول/ سبتمبر على عرضٍ عسكريٍ في إيران قتل فيه 25 شخصاً، نصفهم تقريباً من أعضاء الحرس الثوري.

إذاً، بينما على الأرجح سيتمكن الأسد أخيراً من هزيمة المتمرّدين الذين سعوا إلى هدم نظامه، وسيتمكن من استعادة أراضيه (باستثناء نسبة 28 في المئة منها في الشمال الشرقي يستحوذ عليها الأكراد المدعومون من الولايات المتحدة)، سيكون مُحاصراً ببلدٍ يواجه أزمة إنسانية حادة، ولا يملك إلا القليل من الموارد لإعادة بنائه، وجهاديين مسلحين ومدربين جيداً لا يزالون يسعون إلى إنهاء حكمه العلماني بالإرهاب.

 

الموضوع مترجم عن موقع Haaretz.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني