fbpx

كيف أثار مقتل صحافي واحد ردود فعلٍ لم يُثرها مقتل الآلاف في اليمن؟

أكتوبر 23, 2018
الانشغال بآلاف الوفيات ليس أمراً سهلاً. إذ يصبح الأمر إحصاءات مجردة للجغرافيا السياسية والاقتصاد وديناميات الصراع. لكن وفاة شخص واحد يمكن أن تقرب الصورة للأذهان، أب حزين أو زوجة يائسة. أو صحافي مقتول، مثل خاشقجي.

إذا كان عليك أن تختار سنة من العقد الماضي بدا فيها التعارض في العلاقة الأميركية- السعودية أكثر عرضة للانفجار والتحول إلى أزمة، فلن يكون عام 2018 خياراً متوقعاً.

ربما تختار عام 2011، عندما أجبرت احتجاجات الربيع العربي الولايات المتحدة على دعم الحركات الداعية إلى الديمقراطية في الشرق الأوسط، والتي اعتبرتها الحكومة السعودية تهديدات قاتلة، أو عام 2013، عندما دعمت السعودية انقلاباً عسكرياً مصرياً حاولت الولايات المتحدة منعه، والذي كان إشارةً إلى انتهاء الديموقراطية في المنطقة.
بل ربما حتى عام 2016، الذي وقعت فيه الحرب التي قادتها السعودية في اليمن والتي صارت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية على مدار سنوات، والتي تورطت فيها الولايات المتحدة نفسها.

لكنك ستكون مخطئاً. إذ إن التحالف غير الرسمي وصل هذا العام إلى أقصى درجات الأزمة، في حين قد يبدو أن الظروف ستشير إلى تعزيزه. تتسق البلدان في كل قضيةٍ سياسية رئيسية، لا سيما قضية إيران. وقادتهما أكثر تقارباً الآن مقارنة بأي وقت في العقد الماضي.

ربما أكثر ما كان مفاجئاً، هو أن الانهيار لا يرتكز على الوفيات الواقعة في اليمن -بخاصة الأطفال-  بل على حالة واحدة – ولو كانت صادمة- هي مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي.

بين عشية وضحاها، صار الأميركيون المؤيدون لهذا التحالف منذ فترة طويلة، يتنصلون منه. صارت الشركات الأميركية تنسحب من المملكة، وحتى مراكز الأبحاث في واشنطن، إلى جانب أكثر المؤسسات المؤيدة للسعودية في الولايات المتحدة، تعيد المال السعودي المُرسل إليها.

لماذا الآن؟ لماذا هذا؟ إنها مفاجأة، تؤكد اعتباطية العالم حالياً. ولكنها كذلك تكشف الكثير من الحقائق الأكثر ديمومة في سياسات التحالف، وعلم النفس الجماعي والمفاهيم الأخلاقية.

وعلى رغم أن قلة فقط هم من توقعوا الأمر -ربما كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان المُتهم بالتورط في مقتل خاشقجي أقل من توقع ذلك- فقد يبدو الأمر بديهياً لاحقاً.

مآسٍ وإحصاءات

سيفهم أي مراسل قام بتغطية كارثةٍ إنسانية، ما يُقال إن ستالين قاله ذات مرة لأحد المسؤولين السوفيات: وفاة شخص واحد هي مأساة، أما وفاة مليون فهي إحصائية.

لذلك، كثيراً ما تسلط التغطيات الإخبارية للمجاعات أو الفيضانات الضوء على ضحية واحدة.

أو لهذا، مثلاً، استقطبت قصة آلان كردي، الطفل السوري الذي جُرفت جثته على شاطئ تركي عام 2015، اهتماماً عالمياً بأزمة اللاجئين الأكبر حجماً.

الانشغال بآلاف الوفيات ليس أمراً سهلاً. إذ يصبح الأمر إحصاءات مجردة للجغرافيا السياسية والاقتصاد وديناميات الصراع.

لكن وفاة شخص واحد يمكن أن تقرب الصورة للأذهان، أب حزين أو زوجة يائسة. أو صحافي مقتول، مثل خاشقجي.

وجد علماء النفس في مناسبات كثيرة أن ردود أفعال الناس تكون أكثر عاطفية عندما تواجه حالة وفاة واحدة، حتى لو كانت الظروف متطابقة. وعلى العكس من ذلك، كلما زاد عدد الضحايا، كلما قلّ تعاطف الناس.

بل إن لهذا التأثير اسماً: هو انخفاض التعاطف. يعتقد علماء النفس أن الأمر ليس عدم قدرتنا على الاهتمام بوفاة مليون شخص، ولكننا نخاف عدم تحمل هذا الأمر فنغلق مشاعرنا في دفاعٍ استباقيٍ عن النفس.

لسنوات، ربما استفاد القادة السعوديون من هذا التأثير من دون دراية.

كيف يمكن لأي مواطن أميركي، أو حتى عضو في الحكومة، أن يستوعب فكرة وجود آلاف حالات الكوليرا في اليمن، تسببت بها الإجراءات التي نُفذت بقيادةٍ من السعودية، بخاصة عندما تكون الولايات المتحدة قد ساعدت في تنفيذ تلك الإجراءات؟ أو كيف كان شعور مواطني البحرين عندما دخلت الدبابات السعودية البلاد عام 2011 للمساعدة في إخماد انتفاضة تنادي بالديمقراطية؟

استيعاب هذين الحدثين على المستوى الفكري هو في حد ذاته صعب بما يكفي، لكن استيعابهما من الناحية العاطفية قد يكون في غير مقدورنا ببساطة.

اغتيال خاشقجي مختلف. وبإمكان للرجال والنساء العاملين في السياسة الخارجية الأميركية بخاصة أن يشعروا بالصلة بالارتباط به.

يوجد هنا صحفي مثقف يسافر حول العالم، من نوع الأشخاص الذين قد يعرفهم كثيرون كأصدقاء أو أزواج. أعمدته التي يكتبها في “الواشنطن بوست” جعلته عضواً غير رسمي في جماعة النخبة المثقفة، وهو نادٍ يعتبر كثيرون من الواشنطنيون أنفسهم أعضاء فيه.

وربما جعل الأمير محمد بنفسه القصة أكثر دوياً. كان القادة السعوديون السابقون يميلون إلى الصرامة والنأي، والظهور كطليعة البيروقراطيات الملكية الغامضة.

أنفق ولي العهد محمد مبالغ مالية طائلة وطاقة كبيرة لجعل نفسه واجهةً للمملكة العربية السعودية. ومن خلال تخصيص السلطة، فقد وصل كذلك إلى تجسيد حكومته وأمته.

وعلى رغم أن الحكومة السعودية ألمحت إلى أن خاشقجي قد قُتل على يد عملاء مارقين، إلا أن موته قد اعتبر بالفعل قصة شخصيتين متصادمتين. الصحافي الناقد والملك المتقلب. البطل والخصم.

إذا كانت الأحداث المأساوية الفردية –مثل قصة آلان كردي- أسهل في التعاطف معها من المآسي الكبرى، فربما تثير قصة تصرفٍ قاسٍ واحد، مثل قتل خاشقجي، غضباً يفوق الغضب الذي أثارته سنوات من القمع والتدخلات في السعودية.

 

وجد علماء النفس في مناسبات كثيرة أن ردود أفعال الناس تكون أكثر عاطفية عندما تواجه حالة وفاة واحدة، حتى لو كانت الظروف متطابقة. وعلى العكس من ذلك، كلما زاد عدد الضحايا، كلما قلّ تعاطف الناس. بل إن لهذا التأثير اسماً: هو انخفاض التعاطف. يعتقد علماء النفس أن الأمر ليس عدم قدرتنا على الاهتمام بوفاة مليون شخص، ولكننا نخاف عدم تحمل هذا الأمر فنغلق مشاعرنا في دفاعٍ استباقيٍ عن النفس.

 

نقطة تحول

ومع ذلك، ربما لم يكن ليحدث رد الفعل هذا من دون تلك الإجراءات السابقة. وعلى رغم احتمالية تسامح المنتقدين الجدد للتحالف معها وقت حدوثها، إلا أن كثراً يبرزونها الآن في ضوء مقتل خاشقجي. ويبدو أن موته، ربما أكثر من السبب الوحيد أو الأساسي في الانهيار، هو نقطة التحول.

لكن لماذا نقطة التحول هذه؟ يشير أحد الأبحاث التي أجراها عالِم الاجتماع آري أدوت إلى رجوع السبب إلى ديناميكية تُعرف بالمعرفة المشتركة: تزيد احتمالات أن تتصرف مجموعة ما ضد المنتَهِك، عندما يعرف كل من فيها أن الآخرين جميعاً يعرفون بشأن هذا المنتهك. يخلق هذا ضغطاً اجتماعياً لأخذ إجراء.

ولعل هذا هو السبب في أن المجتمع، على سبيل المثال، أشاح بنظره لسنوات عدة عن اتهامات الاعتداء الجنسي التي تورط فيها بيل كوسبي، ثم كف فجأة عن ذلك. كانت الاتهامات معروفة، لكن لم تظهر معرفة عامة بأن السيد كوسبي يواجه العواقب إلا بعد انتشار كبير لفقرة كوميدية ناجحة جعلت هذه المعلومة شائعة.

لم تكن سلوكيات السعودية السابقة غير معروفة، ولكن لم يوجد من قبل فهم مشترك لكيفية تلقيها.

ربما يعمل البلد على تقويض السياسة والقيم الأميركية، لكنها فعلت ذلك في قضايا موجودة من أجل المواضيع الاستقطابية في واشنطن. كان لانقلاب مصر داعمون أميركيون، أو على الأقل متعاطفون. وبينما قليلون اعتبروا حرب اليمن جديرة بالإشادة، اعتبرها البعض، وبخاصة المعادون لإيران، مفهومة على الأقل.

نتيجة لذلك، تميل النقاشات المتعلقة بالتحالف إلى الاستقطاب.

لكن ليس هناك جدل كبير في ما يتعلق بمقتل صحافي. الاتفاق واسع النطاق على الخطأ المُرتكب وأنه يمثل أسلوب قيادة ولي العهد محمد بن سلمان، وهذا ألقى بضوء مختلف على أفعال السعودية السابقة.

ومع ذلك، قد يكون أعظم محفزٍ لرد الفعل الذي ظهر في قضية خاشقجي هو ما أبقى البلدين معاً: الطبيعة الشخصية العميقة للتحالف.

في مقال نُشر عام 2016 عن استمرار التحالف السعودي الأميركي، ذكر صانعو السياسة والباحثون في واشنطن الأموال السعودية التي تتحرك في واشنطن في هيئة ضغوطات وصفقات أسلحة ومنح للأبحاث.

في المقابل، حتى منتقدو التحالف قالوا إنه كان من السهل المبالغة في دور هذا المال. إذ كانت أصول السعوديين الحقيقية هي علاقاتهم مع الأميركيين.

اجتمعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية معاً من خلال سلسلة من الأعداء المشتركين: إيران والاتحاد السوفياتي في الثمانينات، والعراق في التسعينات، والجماعات الجهادية في العقد الأول من القرن الحالي. وقد جاء جيل كامل من المتخصصين في الشرق الأوسط يعرف الزملاء السعوديين ويعمل معهم.

لكن العلاقات، على رغم ذلك، تكون لها توقعات. فهي تقوم على الثقة. وقد كان هناك شعور بأن السعودية – بموجب قواعد العلاقة- يمكن أن تتحدى الولايات المتحدة داخل حدودها أو منطقتها، ولكن ليس خارجها.

ربما أياً كان المسؤول عن وفاة خاشقجي، اعتبر الأمر مسألة داخلية. لكن مقتل صحافي يعمل في “الواشنطن بوست” له صلة أقرب بالوطن. قد يُرى ذلك خيانة لشروط التحالف غير المعلنة، وبالتالي الثقة، التي لم يرث الزعيم الشاب الجديد الكثير منها كما كان يعتقد.

 

الموضوع مترجم عن nytimes.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني