fbpx

فيكشن: حافظ الأسد برفقة السادات إلى إسرائيل

ما إن اقتربت الساعة من الحادية عشرة والنصف، صباح 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1977، حتّى كان الرئيس المصريّ أنور السادات يعانق الرئيس السوريّ حافظ الأسد. بدا هذا اللقاء، على أرض دمشق، كأنّه يكسر الجفاء الذي ساد علاقة الرئيسين في السنتين الأخيرتين، وهما اللذان خاضا معاً حرب أكتوبر قبل أربع سنوات...

ما إن اقتربت الساعة من الحادية عشرة والنصف، صباح 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1977، حتّى كان الرئيس المصريّ أنور السادات يعانق الرئيس السوريّ حافظ الأسد. بدا هذا اللقاء، على أرض دمشق، كأنّه يكسر الجفاء الذي ساد علاقة الرئيسين في السنتين الأخيرتين، وهما اللذان خاضا معاً حرب أكتوبر قبل أربع سنوات.
مع هذا، حاول الأسد، في البداية، أن يلتفّ على الموضوع، “خطابك في مجلس الشعب كان رائعاً يا أنور. فقولك إنّك مستعدّ لزيارة القدس، والكنيست نفسها، طلباً للسلام، مناورةٌ مدهشة في تاريخ الديبلوماسيّة. العبيط مناحيم بيغن وقع في الفخّ الذي نصبتَه له وقال إنّ إسرائيل توجّه لك الدعوة لزيارتها…”.
كان الأسد يقول هذا الكلام بشيء من التردّد كما لو أنّه يمثّل كلامه تمثيلاً، إلاّ أنّ السادات أوقف المَسْرَحَة حين أجابه بكثير من الجدّ والحزم، “لا يا حافظ، أنا لم أكن أناور. أنا فعلاً متوجّه إلى القدس عبر دمشق التي مررتُ بها كي اصطحبك معي”.
هنا علّق الأسد بلهجة مصريّة: “أنت بتهزّر يا أنْوَر ولاّ إيه؟”. ولم يردّ الرئيس المصريّ مكتفياً بهزّ رأسه ومنتظراً أن يؤجّل الكلام التفصيليّ إلى ما بعد الوصول إلى القصر الرئاسيّ. لكنّ السادات، بحسب ما نقل صحافيّ مصريّ كان يرافقه، تحاشى أن يقول شيئاً يمكن أن يسمعه وزير الخارجيّة السوريّ عبد الحليم خدّام الذي كان يمشي في المطار وراء الرئيسين تماماً. فالرئيس المصريّ، على ذمّة ذاك الصحافيّ، كان يكره الوزير السوريّ ويحتقره لأسباب لم يفصح عنها من قبل.
على أيّ حال، ما إن اختلى الاثنان في إحدى غرف قصر المهاجرين حتّى دخل خدّام وشاركهما جلستهما. ومع أنّ الامتعاض بدا على وجه الرئيس المصريّ، فإنّه دخل مباشرة في الموضوع الذي جاء من أجله:
“أنا، يا حافظ، أنوي فعلاً التوجّه إلى إسرائيل لكي أستعيد أرض مصر…”.
هنا قاطعه خدّام بصوت مرتفع اعتبره السادات طريقةً قليلة التهذيب في مخاطبة الرؤساء: “ماذا تقول يا سيادة الرئيس؟ تزور إسرائيل؟ هذا لا يُصدّق. هذه خيانة قوميّة لا تُغتفر…”.
وبعينين جاحظتين نظر إليه السادات فيما كان يخبط بيده وبقوّة على الطاولة الصغيرة التي يجلس وراءها: “خيانة قوميّة؟ تتجرّأ على مخاطبتي بهذه الطريقة أنت الذي كنتَ محافظاً للقنيطرة عندما احتلّها الإسرائيليّون…”، ووقف السادات كأنّه ينوي التوجّه نحو خدّام وربّما توجيه لكمة له على الوجه، لكنّ حافظ اعترضه وهدّأه طالباً منه أن “يرتاح على كرسيّه”، ومشيراً بيده إلى خدّام أن يغادر القاعة.
وبالفعل غادر “أبو جمال”، تاركاً للرئيس السوريّ أن يرطّب الجلسة:
“عبد الحليم نواياه طيّبة، وأنت ظلمتَه يا أنور… أنا أيضاً كنتُ وزير دفاع حين خسرنا حرب 67، فهل تلومني على هذا؟ وأنت ألم تكن رئيساً لمجلس الأمّة؟”.
“بتقول إيه يا حافظ! أنا ما كنتش حاجة. جمال عبد الناصر الله يرحمه كان كلّ حاجة، وهو اللي ودّانا في داهية. لو كنت أنا المسؤول ما كنّاش أصلاً فُتنا في الحرب وخسرنا اللي خسرناه. اليوم أنا بسعى أرجّع الأراضي اللي خسرناها بسبب جمال الله يرحمو…”.
“لكنّ كرامتنا يا أنور…”.
“كرامة! هوَ الكرامة يعني تبقى أراضينا محتلّة؟ أنت تسمّي دي كرامة يا حافظ؟! قبل أربع سنين عملنا حرب أكتوبر وقلنا حنرُدّ الأرض بالقتال. لم نوفّق كما تعلم. لم نردّ الأرض. إذاً نردّها بالديبلوماسيّة”.
“لكنّك، يا أنور، فرّطتَ بالقتال حين اتّجهتَ سريعاً إلى التفاوض وإلى أميركا وصديقك العزيز كيسنجر…”.
“ما لك بتتكلّم زيّ جريدة السفير في بيروت. هو ده ابن الكلب أرييل شارون عمل لنا الدفرسوار. كان يمكن ياخد القاهرة وياخد الإسكندريّة كمان. وكان حياخد الشام بالتأكيد. لو أنتَ هربت للاذقيّة كان أخد اللاذقيّة وطلع حلب…”.
وبصوت مخنوق سأل الأسد: “والعروبة يا أنور. ماذا نفعل بالعروبة؟”.
“إيه دي العروبة يا حافظ. كبّر عقلك شويّه. أنتو السوريّين مصابين بالعروبة إصابة فتّاكة يا أخي. أنا لمّا خشّيت سوريا أوّل مَرّا في 1957، بصفتي الأمين العامّ للمؤتمر الإسلاميّ العالميّ، التمّ الصحافيّين السوريّين عليّ وصاروا يسألوني عن رأيي في العروبة. ما كنتش فاكر العروبة دي إيه. قلت يومها: العروبة حتّة جميلة قوي. وبعدين، لمّا رجعت القاهرة لقيت جمال بيضحك ويقوللي إنّ جوابي كان موفّقاً جدّاً وأنّني لا بدّ كنت أفكّر بالتورتة وأنا أجيب. أنا لا أفهم أن نخسر أراضينا من أجل حتّة عروبة!”.
“طَبّ بلاش العروبة يا أنور. فلسطين، ماذا عن فلسطين؟”.
“وما لها فلسطين. ناخد معانا ياسر. هو ناطر في بيروت وقَلّلي بصريح العبارة: إذا حافظ يمشي تلّ أبيب أنا أمشي. نفس الشيء قالو الملك حسين. هما خايفين منّك يا حافظ: أعمال اغتيال وخطف وتفخيخ سيّارات وكده يعني. دي الحاجات اللي يتولاّها الولد الصايع دا أبو جمال”.
هنا انفرجت أسارير حافظ عن ضحكة أرفقها بالقول: “لا ليس أبو جمال. هذا مشروع كبير يشتغل فيه رفعت ومحمّد ناصيف وعلي دوبا وعلي أصلان وغيرهم من الشباب، حين يشعرون أنّ الضرورات القوميّة تقتضي ذلك”.
“سيبك من الكلام الفارغ ده وامشِ نخشّ تلّ أبيب يداً بيد. ناخد حسين وياسر ونفاوض من موقع قوّة للجميع”.
وإذ دخل النادل حاملاً بعض العصائر للرئيسين، قال الأسد مداعباً السادات ومتأرجحاً بين الجدّ والمزاح: “لكنْ إذا ذهبتُ معكم فأرجوك أن تجلس في الطائرة بيني وبين ياسر. أنا لا أطيق الجلوس قريباً منه”.
“وماذا أفعل؟ الملك حسين قال لي إنّه يريدني أن أجلس بينه وبينك في الطائرة، فكيف أوزّع نفسي يا حافظ. الحلّ الأفضل أن نذهب في طائرتين في وقت متقارب: أنا وأنت نتوجّه من دمشق، وياسر وحسين يسافران من عمّان؟”. وبعد قهقهة عابرة أضاف: “يا أخي، نحن ذاهبون لنحلّها مع اليهود، فكيف لا نحلّها في ما بيننا؟”.
هنا صفن حافظ صفنة طويلة: “نحلّها؟ وماذا أفعل بصدّام”.
“ناخدو ويّانا كمان”.
“هُوّا ما عندوش أراضي محتلّة بس يتاجر بأراضينا المحتلّة”.
“خلاص بقى دلع… مجنون العراق مش عايز، ومجنون ليبيا مش عايز…”، فقاطعه الأسد:
“لكنّهم يبتزّوننا بالجماهير العربيّة…”.
“همّا الجماهير العربيّة دي فينها؟ إذا استعدْنا الأرض رح تؤيّدنا الجماهير دي”.
“حأقولّك بصراحة يا أنْوَر فين المشكلة. إذا فاوضت إسرائيل قد يسقط النظام ونروح في داهية. نحنا من وقت وصولنا إلى السلطة في 1963 منقول للشعب إن نحنا حنحرّر فلسطين. قبل فترة زارني بيار الجميّل، رئيس حزب الكتائب في لبنان. قُلتلو: اتكلّموا عن فلسطين والعروبة واحكموا لبنان. العبيط ما قبلش”.
“مانا عارف يا حافظ. المشكلة هي النظام أوّل وتاني وتالت. لكنْ ما يصحّش تأجِّل كلّ حاجة، بما فيها استعادة الأرض السوريّة، خوفاً من سقوط النظام”.
هنا طلب حافظ شقيقه رفعت الذي حضر للتوّ إذ كان يجلس في غرفة قريبة في القصر، وسأله رأيه فيما السادات يتأمّل حوار الأخوين. لكنّ قرار رفعت كان مشجّعاً: “اذهب يا حافظ، اذهب. أنا أتولّى أمر الذين سيحاولون التآمر والغدر. سأكسّر رؤوسهم. ثمّ لماذا لا نعقد اتّفاقيّة أمنيّة، ملحقة باتّفاقيّة السلام، مع إسرائيل؟ في هذه الحالة تتولّى هي التدخّل حفاظاً على النظام”.
“هذا كثير” قال السادات، فيما هزّ حافظ رأسه بالموافقة. لكنْ في هذه اللحظة نفسها، دخل مصطفى طلاس وأخبرهم أنّ عبد الحليم خدّام دعا إلى اجتماع للقيادتين القوميّة والقطريّة لحزب البعث للخروج بقرار حزبيّ يقضي “باعتقال السادات ومنعه من التوجّه إلى إسرائيل”.
“الله الله، صار عبد الحليم دا ياخد قرارات!”، قالها السادات كأنّه يحرّض حافظ الذي طلب من أخيه اعتقال خدّام فوراً، وإذ طلب طلاس أن ينضمّ إلى رفعت في تلك المهمّة، أمره حافظ بأن يبتعد عنها: “هذه مسألة جدّيّة يا مصطفى. أنت عندك ما تهتمّ به”.
وبالفعل نادى حافظ زوجته:
“أنيسة، أنيسة… حضّري لي ملابسي لثلاثة أيّام”.
“خير إن شاء الله”، سألت أنيسة بعد أن سلّمت على الرئيس السادات بسرعة وشيء من المسافة والتحفّظ.
“أنا ذاهب في رحلة إلى الخارج بصحبة سيادة الرئيس”.
“إلى أين يا حافظ؟”.
“إلى إسرائيل”.
وقفت مشدوهةً: “ماذا؟”.
“إلى إسرائيل، نعم إلى إسرائيل. العالم يتغيّر يا أنيسة. أرجوك أن تسرعي في تحضير الملابس. هناك طائرة أخرى ستنطلق من عمّان وتقلّ الملك حسين وياسر عرفات. ينبغي ألاّ تسبق طائرتنا”.
السادات كان ينظر باستحسان إلى ما يقوله حافظ لزوجته. لكنّ أنيسة فاجأته بطلب أغضبه وحيّر الرئيس المصريّ:
“حافظ، لا تنس أن تشتري لعبة لبشّار من هناك”.
“افهمي يا أنيسة… الموضوع مصيريّ. أنا لست ذاهباً للتبضّع وشراء الألعاب في إسرائيل. ابنك صار عمره 12 سنة يا أنيسة. آن الأوان أن يكفّ عن الألعاب ويهتمّ قليلاً بدروسه. يا له من ولد تافه”.
على أنّ الأمور لم تسر تماماً كما توقّع الرئيسان. فعلي دوبا وعلي حيدر ومحمّد ناصيف وباقي الضبّاط الكبار نفّذوا حركة انقلابيّة ناجحة فيما كانت الطائرة تقلّهما إلى تلّ أبيب. رفعت الأسد اعتُقل. عبد الحليم خدّام سمّي رئيساً مؤقّتاً للحكومة. الانقلابيّون ما لبثوا أن أصدروا بياناً جاء فيه: “إنّ مبرّر وجودنا هو الصراع المصيريّ مع إسرائيل”، متّهمين حافظ وأنور بالخيانة.
في الطائرة، وجهُ حافظ امتقع. السادات خبط يداً بيد: “يا خبر أسود”. حافظ قال له: “لقد ورّطتني يا أنور. ألم أقل لك إنّ نظامنا يسقط بمجرّد أن نقترب من السلام، أيّ سلام”.
“لم يكن هذا قصدي يا حافظ. لم نقدّر أنّ أموركم هشّة إلى هذا الحدّ”.
“أمّا وقد حدث ما حدث، فهل تعتقد أنّ بيغن سيتدخّل لإعادتي إلى السلطة؟”.
“لا أظنّ ذلك. يبدو أنّ الانقلاب نجح بالكامل، ونحن لم نصل بعد إلى تلّ أبيب ولم نعقد أيّ سلام”. لكنْ ما إن مرّت لحظة صمت حتّى أضاف السادات: “أنت أخي يا حافظ. يمكنك أن تذهب معي إلى القاهرة، ثمّ نستدعي عائلتك إلى مصر. هناك تعيش بأمان موفور الكرامة”.
“اعذرني يا أنور. فذكرياتي عن القاهرة التي تعود إلى سنوات الوحدة لا تبعث إلاّ على الاكتئاب. هذا لا علاقة له ببلدكم العظيم، ولا باستعدادك النبيل لاستضافتي. إنّه يتعلّق بظروف إقامتي أنا آنذاك والأشباح التي لا تزال تطاردني بسببها”.
“لكنّك لن تستطيع العودة إلى دمشق. حتماً سيقتلونك”.
“تعرف بماذا أفكّر: أنا لن يقابلني مناحيم بيغن بعدما خسرت رئاستي. أنت ستقابله. قل له: حافظ ينوي البقاء عندكم. اطلب منه أن يدبّروا لي قرية في فلسطين المحتلّة تشبه القرداحة”.
“سوف أفعل. كما تشاء يا حافظ. لكنّ نصيحتي لك أن لا تستعمل هنا هذا التعبير – فلسطين المحتلّة – بعد الآن. إنّهم يطردونك فوراً”.
وعاد السادات إلى القاهرة وبقي حافظ في تلّ أبيب، وراحت عواصم العالم تبذل الجهود لكي تسمح دمشق لعائلة الأسد بالانضمام إليه. أمّا في دمشق نفسها فراح التلفزيون والإذاعة والصحف تتبارى في هجاء الأسد واعتباره شخصاً دسّه الماسونيّون في حزب البعث.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
مضى عامان على حادثة اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، رغم اشارت منظمات حقوقية إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه.

2:50

Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني