fbpx

درعا: خطابات وبرامج دينيّة للترويج للنظام وسياسته

فَقَدَ ما تبقّى من مساجد سوريا ما احتفظت به من رمزية دينية، وتحوّلت منابرها إلى منابر للترويج والإعلان عن الخطابات الفكرية والسياسية، ليُضاف هذا التحوّل إلى ما يعمل النظام على منحه للأوقاف من استقلالية ورسم حدود للصلاحيات، فهل يسعى النظام إلى البحث عن دور أكبر للمؤسسة الدينية كداعم للعمل السياسي؟

قفز النظام عن مسؤوليته في إعادة الإعمار في محافظة درعا وبدأ مرحلة الترويج لنفسه وخطابه السياسي والفكري داخل المجتمع المحلي، بعدما أوفد عشرات خطباء المساجد المعروفين بموالاتهم للنظام واستخدامهم الخطاب الديني لدعم الخطاب السياسي، ضمن حملة ممنهجة سمّاها “برنامج التوجيه الإيماني والوطني في محافظة درعا”.

البرنامج أتى في سياق ضم الكثير من المبادرات والحملات الإعلامية التي تهدف إلى إعادة الترويج لخطاب النظام فكرياً داخل المحافظة التي لم يمضِ على استعادته السيطرة الكاملة عليها إلا ثلاثة أشهر، الحالة التي لم يتردد محمد الهنوس، محافظ درعا، في وصفها بـ “المعركة الفكرية” من خلال تصريحات نقلها الإعلام الموالي للنظام، قال فيها إن هذه “المعركة” تهدف إلى “مسح ما علق في أذهان شبابنا من سموم وأفكار متطرّفة خلال سنوات الحرب”.

استغلال منابر المساجد في سبيل دعم الخطاب السياسي للنظام ليس مشهداً جديداً في سوريا، ولعل حالة الشيخ مأمون رحمة، خطيب المسجد الأموي في دمشق، هي الأبرز بعدما ظهر في كثير من خطب الجمعة وهو يتحدث عن القضايا الدولية ويناكف الخطابات السياسية لرؤساء الدول وممثليها، حتى وصل إلى رفع الصور والأعلام على المنبر، في مشهد يبدو أقرب إلى برامج الحوار السياسي منها إلى منابر المساجد.

الحالة في درعا لم تكن بهذا المستوى من المباشرة في الترويج لخطاب النظام، بل كانت في اتجاه أكثر وضوحاً في الربط بين الخطاب الديني بالشكل الذي يخدم الخطاب السياسي والعسكري، من خلال تداول خطب الجمعة لمواضيع تتعلق بـ”المصالحة الوطنية” و”محاربة الفكر المتطرّف”، مع محاولة التذكير والإشارة دوماً إلى أن ما يدعو إليه الإسلام في هذه المواضيع وغيرها، هو تماماً ما يمارسه النظام في سياسته.

استخدم النظام في هذا البرنامج عدداً من أبرز خطباء المساجد على مستوى محافظتي دمشق وريفها، من أمثال الدكتور عبد السلام راجح، والشيخ محمد الحناوي، والشيخ مهند مهاجر، والشيخ بديع شبلي، وغيرهم من المشايخ الذين عُرفوا خلال السنوات الماضية بمواقفهم الموالية للنظام.

“استغلال منابر المساجد في سبيل دعم الخطاب السياسي للنظام ليس مشهداً جديداً في سوريا، ولعل حالة الشيخ مأمون رحمة، خطيب المسجد الأموي في دمشق، هي الأبرز”

الخطاب على منابر المساجد في محافظة درعا كان تائهاً خلال السنوات الماضية بين طرفي الصراع سواء النظام أو المعارضة أو تنظيم “الدولة الإسلامية”، المناطق التي كانت تخضع لسيطرة فصائل المعارضة كان يتم الإشراف على مساجدها من قبل “مديرية الأوقاف الحرّة” التابعة للمعارضة، ليتّسم الخطاب فيها بالترويج لـ”الثورة”، إضافة إلى مساجد أخرى كانت تخضع لإشراف من “شرعيّي” الفصائل ذات الطابع “الإسلامي”، واستخدمت بهدف الترويج للخطاب “الجهادي”، أما منطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، فقد احتكر تنظيم “الدولة الإسلامية” المساجد واستخدمها في الدعاية لنفسه ومحاربة خصومه بشكل كبير.

كما استخدم النظام منابر المساجد في الترويج السياسي، كذلك استخدم المؤسسة الخدمية المتمثلة بمجلس المحافظة والبلديات في خدمة الفكر ذاته، محافظ درعا الممثل للمؤسسة الخدمية، كما يُفترض، شارك أيضاً في هذه “المعركة الفكرية” كما وصفها، ونظّم عشرات الزيارات والاجتماعات مع وجهاء العشائر والشخصيات البارزة في المجتمع المحلي، وغلب على هذه الاجتماعات الحديث السياسي والترويج الإعلامي للنظام على حساب الحديث عن إعادة إعمار البنى التحتية وإقامة المشاريع الخدمية.

إقرأ أيضاً:

 درعا: النظام خارج الخدمة وجهود أهلية لبدء إعادة الإعمار

 

التوقيت الذي بدأ فيه النظام هذه البرامج وحملات الدعاية السياسية المتخفية بالخطاب الديني أو الخدمي، يمكن وصفه بـ “التوقيت الذكي”، فالمجتمع المحلي ما زال في مرحلة الانتقال من حكم المعارض للنظام إلى حكم الموالي له، أو على أقل تقدير من يسعى إلى التأقلم معه، وهذه الفترة تشهد غياباً كاملاً لأي صوت ناقد لسياسة النظام وإجراءاته في المحافظة، بسبب المخاوف من ممارسات الأفرع الأمنية، لذلك فهي فرصة للنظام لملء هذا الفراغ ولتكريس خطابه وسياسته.

قدّرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، عام 2015، نسبة المساجد المدمّرة في سوريا بأكثر من 73 في المئة، ويُعتقد أن هذه النسبة قد ارتفعت منذ ذلك التاريخ، لا سيما بعد الحملات العسكرية التي تعرّضت لها مدينة حلب ومدن وبلدات الغوطة الشرقية في ريف دمشق، واعتبرت الشبكة في تقريرها أن النظام يهدف من خلال استهداف المساجد، إضافة إلى “التسبّب بأكبر عدد ممكن من القتلى”، إلى “محاولة خلق فتنة داخلية بين السنة والعلويين والشيعة”.

فَقَدَ ما تبقّى من مساجد سوريا ما احتفظت به من رمزية دينية، وتحوّلت منابرها إلى منابر للترويج والإعلان عن الخطابات الفكرية والسياسية، ليُضاف هذا التحوّل إلى ما يعمل النظام على منحه للأوقاف من استقلالية ورسم حدود للصلاحيات، فهل يسعى النظام إلى البحث عن دور أكبر للمؤسسة الدينية كداعم للعمل السياسي؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد الزيدي – صحافي عراقي
“كورونا” أصاب رئة السياحة بين البلدين، وأصبح تنفّس العراقيين كما الإيرانيين دونه صعوبات، وقد ألحق الفايروس أضراراً جسيمة بشركات السياحة وبقطاع الفنادق والمطاعم وحتى المتاجر في البلدين وأحال عشرات آلاف العمّال إلى جيوش العاطلين من العمل.

15:27

6:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني