fbpx

تركيا والناتو والزواج غير السعيد

فبراير 13, 2018
لا يزال القلق الذي يعتري التحالف بشأن التزام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحلف الناتو من جهة، وبشأن الإصرار العسكري الروسي من جهة أخرى، يعتلي قائمة اهتمامات أجندة التحالف. غير أن مشكلة أخرى تلوح في الأفق وتتعلق بتركيا شبه المنفصلة، وهو البلد الذي لا تقتصر أهميته على امتلاكه لثاني أكبر قوات مسلحة لحلف الناتو وحسب، بل إن أهميته تتعدى ذلك كونه البلد الذي يمتد عبر خطوط تقسيم جيوسياسية حيوية تفصل بين الغرب والشرق...

لا يزال القلق الذي يعتري التحالف بشأن التزام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحلف الناتو من جهة، وبشأن الإصرار العسكري الروسي من جهة أخرى، يعتلي قائمة اهتمامات أجندة التحالف. غير أن مشكلة أخرى تلوح في الأفق وتتعلق بتركيا شبه المنفصلة، وهو البلد الذي لا تقتصر أهميته على امتلاكه لثاني أكبر قوات مسلحة لحلف الناتو وحسب، بل إن أهميته تتعدى ذلك كونه البلد الذي يمتد عبر خطوط تقسيم جيوسياسية حيوية تفصل بين الغرب والشرق.
لا تُعد أفعال تركيا غير متوقعة وحسب، بل إنها أيضاً تتبع أجندة قومية يمكنها أن تجعلها على خلاف مع التزاماتها تجاه الحلفاء. يعتبر النزاع المحتدم بين تركيا والولايات المتحدة بشأن غارة تركيا في عفرين، أحد جيوب الأكراد في شمال غرب سوريا، أحدث مصدر لهذا التوتر. لا تتعلق هذه المسألة، بالمعنى الدقيق للكلمة، بحلف الناتو. بيد أن القوات الأميركية قد تجد نفسها قريباً في مرمى نيران حليفتها في حلف الناتو، إذا نفذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعده بـ “خنقها…قبل ميلادها”، وهو التهديد الذي وجهه ضد “قوة أمنية حدودية” قوامها 30 ألف فرد مدعومين أميركياً، ويتكون جزء كبير منها من مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية الذين تعتبرهم تركيا إرهابيين.
ربما اعتقد أردوغان أنه قادر على هزيمة أميركا، التي تبدي اهتماماً بالمنطقة أقل من الاهتمام الذي لديه. ولعلّه محقٌ في ذلك، لكن المصالح المتعارضة في سوريا ليست سوى عنصراً واحداً في علاقة تركيا المتوترة بأعضاء حلف الناتو. شهدت الفترة التي سبقت محاولة الانقلاب في تركيا خلال صيف 2016 مخاوف متزايدة داخل الناتو بشأن انحراف تركيا نحو الاستبداد. وفي أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، زادت هذه المخاوف. إذ أن أردوغان، الذي عبّر عن استيائه مما اعتبره موقفاً غير صادق من جانب الغرب تعبيراً عن دعمهم له (على عكس التهاني الحارة التي قدمها فلاديمير بوتين)، بدأ عملية تطهير وحشية ضد أي شخص يُشتبه في خيانته. إذ يوجد بين صفوف الـ 50,000 شخص الذين أُلقي القبض عليهم، والـ 110,000 الذين سُرّحوا من وظائفهم لوجود صلات مفترضة بينهم وبين رجل الدين المنفي فتح الله غولن (الذي يُعرف بأنه مدبر الانقلاب)، حوالي 11,000 ضابط وطيار حربي.
يقول أحد محللي الجيش التركي إن 38 بالمائة، من الجنرالات الأتراك صُرفوا من الخدمة. وقد استُهدف العديد منهم لكونهم علمانيين مؤيدين للغرب. كما سُرِّح من الخدمة ما يقرب من 400 مبعوث عسكري تركي لحلف الناتو وتلقّوا أوامر بالعودة إلى الديار، فرّ كثير من هؤلاء إلى الخارج بدلاً من مواجهة السجن، أو استبدل بهم موالون لأردوغان أقل رتبة منهم، بعضهم يعادي الناتو بشدة ويتعاطف مع خصومه. وقد اشتكى قائد قوات الناتو في أوروبا، الجنرال الأمريكي كورتيس سكاباروتي، بسبب “تراجع” كفاءة الموظفين.
وفي حلقة أخرى من هذه السلسلة، رُفض خلال العام الماضي (وليس للمرة الأولى) إصدار تصاريح لأعضاء من مجلس النواب الألماني من أجل زيارة طواقم الطيران الألمانية التي تنقل جواً بعثات الدعم إلى العراق من قاعدتين في تركيا، وتحديداً في إنجرليك وقونيا. وبدا الأمر كما لو أنه عقوبة بعد أن منعت ألمانيا مؤيدي أردوغان من تنظيم مسيرات على أراضيها لدعم حملته من أجل التعديلات الدستورية التي تمنحه مزيداً من السلطات الرئاسية. (ووصف منع ألمانيا هذه المسيرات بأنها عودة إلى الممارسات النازية).  وبعد تدخل من الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، سمح الأتراك في نهاية المطاف للمشرعين الألمان بالدخول إلى القاعدة العسكرية في قونيا، التي تحتضن طائرات الاستطلاع والإنذار المبكر “أواكس”. لكن الألمان لا يزالون يرسلون طائرات “التورنادو” المقاتلة الخاصة بهم من قاعدة إنجرليك إلى قاعدة موفق السلطي، وهي قاعدة جوية في الأردن تعمل أميركا على توسعتها بتكلفة 143 مليون دولار، باعتبارها وثيقة تأمينية إذا أرادوا مغادرة إنجرليك.
تشكل العلاقات الدافئة بين تركيا وروسيا، وخاصة منذ الانقلاب، مصدراً آخر للقلق. ينظر أردوغان إلى نظيره في الكرملين على أنه الرجل الذي يعقد الصفقات في سوريا. إذ يرى فيه قائداً قوياً وهادفاً مثله تماماً. ويرسل أردوغان، عبر تقاربه مع بوتين، رسالة إلى الناتو مفادها أنه يمتلك خيارات أخرى. ومن وجهة نظر بوتين، فإن أردوغان يمنحه وسيلة لتفريق الناتو والغرب وإضعافهما، وهو الهدف الاستراتيجي الأساسي الذي يسعى لتحقيقه.
العلم الروسي الأحمر فوق علم الناتو الأزرق
كانت أكثر المظاهر الصارخة للسياسة الخارجية لأردوغان ذات الطبيعة المزدوجة هي إعلان تركيا التوقيع على اتفاقية لشراء بطاريتين لنظام إطلاق الصواريخ أرض-جو المتطور إس-400 من روسيا، في ديسمبر/كانون الأول. لا يمكن لنظام إس-400 أن يُدمج مع أنظمة الدفاع الجوي لحلف الناتو، وسوف يتم تنصيبه، على الأقل في البداية، وتشغيله عن طريق الروس. وإذا لم تُستبعد تركيا من مشاركة المعلومات المعنية بالتدابير المضادة التي تستهدف هزيمة نظام إس-400، يمكن لروسيا أن تتوقع حصولها على غنيمة غير مرتقبة من المعلومات الاستخباراتية.
وما يثير مزيداً من القلق أن تركيا شريكٌ في برنامج إف-35 وتنتظر تسلمها 116 من المقاتلة الشبح التي ستكون العماد الرئيسي لإمكانات الناتو العسكرية الجوية خلال الأعوام الثلاثين القادمة. سوف تحظى تركيا بمركز فريد لتصقل قدرات نظام إس-400 أمام مقاتلات إف-35، وهي الخبرة المعرفية التي قد تستفيد منها روسيا أيضاً. يجادل بعض المعلقين على قضايا الأمن القومي في أميركا بأن تركيا يجب عليها إما أن تلغي نظام إس-400 أو أن يتم إبلاغها بأنها لا تستطيع شراء طائرات إف-35. يمكن أن تؤدي المواجهة الناتجة إلى خروج تركيا من حلف الناتو.
يبذل مسؤولو الناتو قصارى جهدهم لإظهار الشجاعة. ويشيرون أيضاً إلى توقيع تركيا على اتفاقية مع شركة “يوروسام”، وهو ائتلاف أوروبي يصنع صواريخ الدفاع الجوي، وأن نظام إس-400 يمكن أن يكون مجرد حلاً مؤقتاً. كما يقولون أيضاً إنه، بعبارة أخرى، عمل تجاري كالمعتاد. تفي تركيا بالتزاماتها تجاه التحالف، وذلك عن طريق حراسة مطار كابول على سبيل المثال، وعدم القيام بأي شيء لإيقاف الاتفاقية الأمنية بين الناتو والاتحاد الأوروبي، وهي الاتفاقية التي كان من الممكن أن تعيقها. يوجد أيضاً تعاطف مع تأثر تركيا بالإرهاب ومديح لعبء اللاجئين الذي تتحمله على عاتقها. وحتى إذا كان هناك آلية لتعليق عضوية تركيا في حلف الناتو أو طردها منه، وهو ليس موجوداً (على الرغم من أن أوراق اعتمادها الديمقراطية المشوهة كانت ستمنعها من الانضمام إلى التحالف إذا كانت عضواً جديداً)، فإن أهميتها الجيوسياسية هائلة كما كانت دائماً.
ويُعقد الأمل على أن يدرك أردوغان أن روسيا تستخدم تركيا لأهدافها الخاصة، وأنها ليست بديلاً عن الناتو كشريك أمني طويل الأمد. من الممكن أيضاً أن تهدأ حالة جنون العظمة التي انتابته عقب الانقلاب الفاشل، على الرغم من عدم وجود كثير من البوادر التي تشير إلى ذلك. بيد أنه مثلما يحدث مع عديد من الزيجات غير السعيدة، تقول الحقيقة، على الرغم من علاقتهما المشحونة، إن تركيا والناتو لا يملكان خيارات كثيرة سوى أن يسعيا لإنجاح شراكتهما.

هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع The Economist لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني