fbpx

“خاتم الأنبياء”: اقتصاد إيران عبر واجهات دينية ثقافية ..

في العام 2010 وضعت الولايات المتحدة الأميركية مؤسسة "خاتم الأنبياء"، التابعة لتنظيم الحرس الثوري الإيراني، على لائحة العقوبات الدولية. قبل هذا القرار، كانت المؤسسة العملاقة التي تتحكم بكل ثروات إيران، غير معروفة في الخارج.

في العام 2010 وضعت الولايات المتحدة الأميركية مؤسسة “خاتم الأنبياء”، التابعة لتنظيم الحرس الثوري الإيراني، على لائحة العقوبات الدولية. قبل هذا القرار، كانت المؤسسة العملاقة التي تتحكم بكل ثروات إيران، غير معروفة في الخارج. فقد نجح التنظيم حتى تاريخ  صدور القرار الأميركي، في إخفاء طبيعة عمل المؤسسة ودورها، والادعاء أن نشاطها ذو طابع اقتصادي فقط.

في ادعاء التنظيم، جزء بسيط من الحقيقة، فالمؤسسة حائزة على ترخيص باسم “قرارگاه سازندگی خاتم ‌الانبیا”، أي “مؤسسة خاتم الأنبياء للبناء”، كما أنها تأسست فعليا في العام 1988، عقب انتهاء الحرب الإيرانية العراقية، بقرار من مرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، وإشراف قائد تنظيم الحرس الثوري السابق اللواء محسن رضائي، بهدف إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإدارة مشاريع البنى التحتية وصادرات النفط والغاز وبناء السدود وشق الطرقات.

قد تنفع الإشارة هنا، إلى أن “مؤسسة خاتم الأنبياء” ليست المنشأة الإيرانية الوحيدة، التي يختلف ظاهرها عن باطنها، أو تناقض صفتها دورها، فحزب الله اللبناني مثلا، الذي أسسه الحرس الثوري في منتصف ثمانينات القرن الماضي، حائز على ترخيص باسم “الهيئة الصحية الإسلامية”، ولا يملك ترخيصا حزبيا أبدا. قوات البسيج أيضا، هي رسميا، تنظيم شعبي تطوعي لتحصين مجتمع الثورة، لكنها في الحقيقة هي قوة أمنية تجسسية، تضطلع بمهمات قمعية فورية.

النظام الإيراني الذي يعتمد الازدواجية في السياسة والعسكر والأمن، يستطيبها في المجتمع والعلاقات والحياة المدنية أيضا، فهي ليست عيبا في نظره، إنما قيمة اجتماعية لها خصوصياتها. لذلك قلما نجد إيرانياً لا يملك اسمين، اسمه في الهوية واسم آخر استهواه. فعلى سبيل المثال اللواء المؤسس لتنظيم الحرس الثوري نفسه، محسن رضائي، اسمه في الهوية سبزوار رضايي ميرقايد، زعيمة المعارضة الخضراء زهرا رهنورد، هي زُهرة صادق كاظمي، أبو الشعر الإيراني الحديث أحمد شاملو، كان يوقع قصائده باْسم بامداد، ولا تنتهي الأمثلة عند هذا الحد.

مؤسسة “خاتم الأنبياء” اقتصادها منفصل عن اقتصاد الدولة وهي أغنى منها، كما أنه لا يوجد في حساباتها، شعب يقف على شفير الجوع، وهي رغم ضجيج العقوبات وصراخ الشارع الإيراني احتجاجا على الأوضاع المعيشية المتردية، مستمرة في أنشطتها الاقتصادية والنووية والعسكرية التي تدر عليها أرباحا طائلة

بالعودة إلى “خاتم الأنبياء”، كادت التسوية التي أدت إلى إنهاء الحرب الإيرانية العراقية، أن تؤدي أيضا إلى تحجيم دور تنظيم الحرس الثوري في الثورة والدولة، لكن مؤسسة “خاتم الأنبياء” تنبهت باكرا إلى أن الثورة حين تأخذ شكل السلطة، تحتاج إلى ثروة، كما أن الثروة أكثر ديمومة من الثورة، وأن صاحب السلطة الفعلي هو الثري وليس الثوري، لذلك سرعان ما تغولت وتحولت إلى أكبر مقاول في قطاعات النفط والغاز والصناعة والتنمية في الجمهورية الإسلامية، وباتت تحتكر اليوم، كل المشاريع المتعلقة بكل أنواع الطاقة في إيران، ويعمل تحت سلطتها ما لا يقل عن 812 شركة وطنية وعالمية، وتدير 10 آلاف مشروع بالتعاون مع 5 آلاف مقاول محلي، وتشغل 135 ألف جندي، حيث أنها تطلق على عمالها اسم جندي، سواء كان العامل عسكريا أم مدنيا، بينهم 2560 عسكريا في التنظيم، و35 ألف مهندس وجامعي فوق الليسانس، أما من تبقى من الجنود، فهم من ذوي المهارات الفنية والخبرات.

نجحت المؤسسة في تحويل التنظيم من مؤسسة عسكرية أيديولوجية إلى قوة اقتصادية وسياسية. وقد بدأت رحلة تحول حرس الثورة إلى حرس للثروة، منذ اللحظة التي تمكنت فيها مؤسسة “خاتم الأنبياء” من السيطرة على شركة نفط “كيش”، وكذلك نقل أسهم الحكومة في شركة الغاز الوطنية إلى حسابها الخاص. لكن هاتين الخطوتين كانتا بمثابة حدث معلن فقط، فقد سبقتهما خطوات تمهيدية، سهلت الانقضاض على الاقتصاد الوطني لاحقا.

فقد استخدم الحرس الثوري سمعته الأمنية لتخويف المستثمرين في القطاع الخاص، فأبعدهم من مجال التنافس، ومستفيدا من حضوره العسكري، تمكن من الضغط على الحكومات المتعاقبة، لمنحه عقودا تشغيلية في مختلف المشاريع التنموية والصناعية، بدون شروط، مسبوقة بإلغاء كل المناقصات المقدمة.

بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الستة، عاد رئيس الخارجية محمد جواد ظريف باشاً مستبشراً إلى طهران، جارا خلفه رتلا طويلا من الشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار في إيران، واعدا الشعب الإيراني بحلول سحرية لأزمته الاقتصادية، لكن الفرحة لم تدم طويلا. التفت المؤسسة العتيدة حول المستثمرين الجدد، وصادرت كل العقود، واحتكرت المشاريع، وبدا كأن مجد الاتفاق النووي، قد أعطي لها، رغم أن قادة التنظيم، لم يبدوا يوما من على منابرهم، موافقتهم أو مباركتهم لما أنجزه ظريف في جنيف!  

مع مطلع السنة الحالية، عاد شبح العقوبات ليخيم مجددا على الاقتصاد الوطني الإيراني، وخلال أقل من شهر، ستدخل العقوبات على النفط والغاز حيز التنفيذ، لكن الحرس الثوري، لن يتأثر كثيرا بها، فمؤسسة “خاتم الأنبياء” اقتصادها منفصل عن اقتصاد الدولة وهي أغنى منها، كما أنه لا يوجد في حساباتها، شعب يقف على شفير الجوع، وهي رغم ضجيج العقوبات وصراخ الشارع الإيراني احتجاجا على الأوضاع المعيشية المتردية، مستمرة في أنشطتها الاقتصادية والنووية والعسكرية التي تدر عليها أرباحا طائلة، ومؤخراً عينت المهندس الوسيم سعيد محمد مديرا جديدا لها، الذي ستكون أولى مهامه، كما صرح “انضمام إيران إلى اتفاقية مكافحة الإرهاب”.

إقرأ أيضاً:

 طهران ستواجه العقوبات بـ”المقاومة الاجتماعية”

قصة أم علي.. من حي اللجا الى صف الرقص الشرقي

 

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني