fbpx

“الجنرال بطلنا”.. لكن ما هي قضيتنا؟

بغض النظر عن البيجاما ولونها وعمّا حدث وعما لم يحدث، يبدو صعباً للغاية أن يولد المرء مارونياً لبنانياً في هذه البقعة المقسومة إلى جبهتين، 13 تشرين الأول/ أكتوبر و14 أيلول/ سبتمبر.

كتب جان بول الصغير على رأس ورقة بيضاء “EB7 C قضيتنا” (الصف السابع، الشعبة “ث”)، أغلق المزدوجين ونزل إلى السطر. ترك بعض الفراغ وبدأ يستفيض: “سأكون صوتكم، سأحمل مطالبكم إلى الإدارة، سأتعاون معكم لخير صفّنا، أنا لكم ومن أجلكم، قضيتكم قضيتي، سأطالب بتخفيف الدروس وزيادة النشاطات…”.

أخبرني جان بول عن حملته الانتخابية المنظمة والشرسة ضد المنافسين لاختيار ممثل عن صفه يتحدث باسم الطلاب وينقل همومهم إلى إدارة المدرسة، وقال لي: “أكيد سأنجح، أنا عندي شعبية”. وأضاف: “عندي منافسون لكنهم ليسوا أقوياء، أنا غير شكل”.

ثمّ سألني عن رأيي في شعار الحملة وإن كنتُ أقترح شيئاً للإضافة. وروى لي أنه سرق شعار “حزب القوات اللبنانية”، لأنه أعجبه. كنت أريد أن أسأله عن الطلاب العونيين والمسلمين، الذين لن يروق لهم ذلك، فكرتُ أيضاً في طرح أسئلة عن الرشى والإكراميات وإن كان قد فتح مكتباً انتخابياً للحملة. ثمّ قلتُ لنفسي: “دعي الصبي وشأنه يا باسكال”. المهم، الانتخابات لاختيار ممثل عن صف جان بول، خلال أيام والمعركة حامية.

كتب رالف (15 سنة) وهو ابن صديقتي، على صفحته في “فايسبوك”: “الجنرال أنقذ لبنان في 13 تشرين، الجنرال بطلنا ولا تليق الرئاسة لسواه”، فردّ عليه صديقه “بطل الهروب بالبيجاما”، وعلّق آخر “البيجاما الزرقاء”. فردّ رالف: “هل كنت معه لتراه هارباً بالبيجاما؟”. كنت أود أن أكتب: “وأنت يا رالف حبيبي هل كنتَ هناك؟”. لكنني بقيت ساكتة في حرب الأولاد تلك.

بغض النظر عن البيجاما ولونها وعمّا حدث وعما لم يحدث، يبدو صعباً للغاية أن يولد المرء مارونياً لبنانياً في هذه البقعة المقسومة إلى جبهتين، 13 تشرين الأول/ أكتوبر و14 أيلول/ سبتمبر. الأولى للعونيين، حتى يخبروا عن بطولات الجنرال ميشال عون الذي أصبح رئيساً للبلاد، والثانية ليجدد القواتيون والكتائبيون وعدهم “يا لبنان نحمل الخبرية عن بشير (الجميل) اللي كان صوتوا ملوى الزمان”، وأن يصلّوا للشهداء “يا عدرا المعونة افتحيلي السما لعندك انا جايي…”.

أن تكون مارونياً من جيل ما بعد 1990، يعني أن عليك أن تستمرّ في الدفاع عمّا لم تعش أي شيء منه، وعليك أن تستميت في الدفاع.

13 تشرين الأول 1990، هو يوم هجم الجيش السوري على قصر بعبدا حيث كان ميشال عون، ووقعت معركة شرسة سقط فيها ضحايا وأسرى من الجيش اللبناني. أما 14 أيلول فهي ذكرى اغتيال رئيس الجمهورية اللبنانية بشير الجميل.

هكذا تأتي أجيال وترحل أخرى على وقع طبول ذكريين سنويتين، ويدافع الصغار عما فعله الكبار. أن تكون مارونياً من جيل ما بعد 1990، يعني أن عليك أن تستمرّ في الدفاع عمّا لم تعش أي شيء منه، وعليك أن تستميت في الدفاع. لا يحصل الدفاع عندنا بهدوء، على الواحد أن يمسك الموت في يديه وأن يستشرس واقفاً على قدميه مدافعاً عن حرب لا يعرف عنها سوى الأخبار والذكريات السنوية، والعشاوات الحزبية.

قبل الـ2005، عرفت ميشال عون عبر “كلام الناس”، عرفته كما كانت تصفه أمي، بطلاً عظيماً، يقول للنظام السوري البائس ما يستحقه، ويتحدّث عن الدولة، وعن الحرية، وعن أحلام الناس. لم تذكر أمّي أبداً شيئاً عن هروبه إلى فرنسا وعن قصة “البيجاما” الشهيرة. قالت فقط إنه منفيّ. كان ميشال عون في بيتنا بطلاً وهذا كل شيء. أتذكّر حين كان يستضيفه مارسيل غانم، وكيف كنّا لا نرفع صوت التلفاز كثيراً، لأنّ بيتنا كان محاطاً بمراكز للجيش السوري.

ثم أتى عون وانتخبناه وغنينا “نزل التيار عالأرض” ولبسنا “تي شيرتات” برتقالية (ما أقبح هذا اللون!).

وقّع عون وثيقة التفاهم مع “حزب الله” في الـ2006، وانكسر كل شيء في لحظة. لم يعد بطلنا، وسمعت يومها قصة 13 تشرين وما يقال عن “بيجاما” زرقاء. كانت النقاشات الطفولية في الـ2006 في المدرسة لا تنتهي، بين من بقي مع عون وبين من خاب أمله به. وهكذا.

ثم أصبحت ذكرى 13 تشرين الأول، موعداً لتكريس الانقسام المسيحي والماروني تحديداً، بين من يعيد روي قصة الهروب والبيجاما، وبين من يمجّد بسالة جيش عون يومها ويترحّم على من سقط.

كل 13 تشرين الأول وكل 14 أيلول، على حرب أن تشتعل بين شبان وشابات في العشرينات أو أصغر، لم يكونوا قد ولدوا يوم حدث ما حدث. ربما تأتي مساوئ الحرب في دم الجيل اللاحق، ربما لا تُشفى الأجيال من لعنات ما مضى وانقضى. ربما لم يمضِ، ربما لم ينقضِ.

ربما سيقف جان بول ورالف ذات يوم وسيتعاركان، لا بالكلمات، لا بالشعارات، لا بالانتخابات… بل بالقذائف. ربما سيحاول الواحد إلغاء الآخر من أجل 13 تشرين و14 أيلول، و31 آب/ أغسطس، وحرب الإلغاء، ومعركة زحلة، ومجزرة إهدن، ومقتل فلان واغتيال علّان… يحتاج جيل كامل إلى شيء واحد فقط “أن تحلّوا عن سماه أنتم وكل ذنوبكم”.

 

إقرأ أيضاً:

بالعربي

يوم قتلنا بوسي

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني