“بالعربي”

لا أعرف إن كان تصنيف الناس وفق اللغة التي يقرأون بها مُنصفاً، لكنني أؤمن بشيء واحد، لن تستطيع أن تحب إلا بلغتك، ولن تستطيع أن تبتلع الكتب بروحك إلا بلغتك، ولن تشعر إلا بلغتك، ولن تدلّل أولادك إلا بلغتك، ولن تواجه العالم إلا بلغتك، ولن تكون أنت إلا بلغتك... وإن كنتَ لا تراها على الموضة

قلت للنادلة إنني أحتاج إلى المزيد من “البيرة”. وصلت إلى طاولتي ومعها البيرة. كانت الدهشة تحوم حول وجهها كمن رأى معجزةً لتوّه. قالت من دون أن تفكّر لحظة، ناظرةً إلى “اللابتوب” الذي أمامي: “مدام عم تكتبي عربي؟”. أكدتُ لها أنني لا أكتب سوى “عربي” في معظم الأحيان. كاد يغمى عليها حقاً. الصدمة كانت أكبر منها. سألت: “كيف؟”. لم أكن أملك إجابة بصراحة. قلت لها: “هيك” أي هكذا. وضعت البيرة وانصَرَفت كمن يهرب من كابوس قاتل. ربما أخبرت زملاءها عن الحادثة المرعبة. كائن بشري يكتب باللغة العربية. يا للهول!

حين مات غبرييل غارسيا عام 2014، أصابني شيء من وجع الضمير، إذ لم يحصل أن قرأته أو عرفته كما يجب، إلا من خلال نصوص قليلة ومقالات تضيء على أعماله.

كنت يومها في الريف في قريتي، قلت إن علي أن أقوم بواجبي مع غارسيا، علي أن أقرأه، من المخزي ألا يقرأ الواحد كاتباً كغارسيا. طوال الطريق بحثاً عن مكتبة وأنا أوبّخ نفسي. كيف أمضيت سنوات طويلة غارقة في نزار قباني ومحمود درويش، ثم بروايات هيفاء بيطار وأحلام مستغانمي، وأحياناً بباولو كويللو، ولم يخطر في بالي أن أمرّ على غارسيا.

المهم، فتشت كل المكتبات، مكتبةً مكتبة بحثاً عن أي كتاب مترجم إلى العربية لغارسيا وهو من من أشهر الكتّاب العالميين. من دون جدوى. في زحلة كلها ربما لن تجد كتاباً باللغة العربية يستحق أن تقرأه. المشكلة ليست في غارسيا، المشكلة مشكلة لغة أو ثقافة. لا أدري.

“ستبقى في أمكنة كثيرة خارج الزمن حين تقرأ باللغة العربية. إنها مسألة مضادة للموضة. اللغة العربية “ديمودي” يا سادة”

أخيراً دلّني رجل كبير في السن إلى مكتبة “كبيرة” في أعالي المدينة. ذهبت. هناك وجدت كتباً للطبخ، ودواوين شعر قديمة أكلها الغبار، والقليل من كتب الأدب الشعبي لمارون عبود، وأفضل ما وجدته كان جبران خليل جبران. سقف القراءة هنا، جبران. أما غارسيا فلم أجد له أي أثر في أي لغة من لغات الأرض. إنه مشهد مؤسف. أخبرت صاحبة المكتبة عن غارسيا وأنه رحل ويستحق أن تضع له كتباً في مكتبتها. أكّدت أنها ستفعل وستحاول تأمين ما أريد خلال يومين. سألتني: “فرنسي أو إنكليزي”. كان احتمال “العربي” غير موجود في سؤالها. فسكتت. سألت: “ما تقولي لي عربي؟”. ابتسمتُ ففهمتْ لوحدها. قالت: “كيف تقدرين على ذلك. فيكي تقري عربي؟”.

يا إلهي الرحوم، كيف يمكن أن تفسّر لأحدهم أن باستطاعتك أن تلبس سروال جينز ممزّقاً، وتقرأ باللغة العربية. إنها مسألة شاقة!

أخبرتني صديقتي أنها تحضّر بحثاً عن المسارح. فارت ركوة القهوة وأنا أحاول تذكّر مسرح واحدٍ في عروس البقاع الحبيبة. هي فارت وأنا لم لم أتذكّر. طبعاً وحتى لا يرمي الزحليون عليّ حراماً، ليست زحلة وحدها من يعاني. هناك مدن كثيرة تنقصها المكتبات والمسارح والفنون… تحتاج مدن كثيرة إلى مكان للأحاسيس، للأشياء الرقيقة التي فينا.

أصدقائي الريفيون الذين يقرأون، غالباً ما يرسلون لي لائحة بأسماء كتب مترجمة يريدونها، حتى أشتريها من أجلهم حين أنزل إلى بيروت. في بيروت ستجد حتماً كتباً معرّبة. لكن ستبقى في أمكنة كثيرة خارج الزمن حين تقرأ باللغة العربية. إنها مسألة مضادة للموضة. اللغة العربية “ديمودي” يا سادة.

المهم، ذات مرّة قررت أن أغيّر عاداتي وأن أمشي مع الموضة. سرقت من مكتبة صديقي الفرنسي كتاباً لدوستويفسكي “Le double”. شجّعت نفسي بثقافتي الفرنكوفونية وبأعوام طويلة في مدرسة الراهبات، وبمدام “تيريز” التي كانت تقول إنني ممتازة في حياكة الفرنسية. المهم سرقت الكتاب، ثم أخبرت صديقي بفعلتي، مؤكدة أنّ سرقة الكتب حلال. ذهبت إلى البيت وبدأت أقرأ. لم أفهم أي شيء. كان موقفاً خائباً. شعرت بأن كل السنوات التي أمضيتها وأنا “Je gasouille le francais” ذهبت هباءً في لحظة واحدة. أهديت الكتاب المسروق إلى أختي التي تقرأ عادة بالفرنسية. سألت أحدهم بعدها عن الكتاب، فقال إنه من أبسط كتب دوستويفسكي، وأن ترجمته غير معقدة وجيدة، وكان علي ألا أجد صعوبة. خيبة جديدة.

بعد “Le double”، قرّرت أن أنسى المسألة برمّتها.

أفكّر الآن فيما أكتب هذا النص، ما المشكلة؟ مرّ شاب وسيم من هنا، بحلق في اللابتوب، كمن رأى عجيبة.

ما المشكلة؟ أهي الترجمات أم جزء وافر من الكتب العربية التي ربما لم تترك أثراً وبقيت تناسخاً وترادفاً مع الغرب وربما تقليداً له. أتذكّر أستاذاً في الجامعة، شرح لنا عن الرواية العربية، وختم محاضرته قائلاً: “على أمل أن ينجز الروائيون العرب روايةً”. لم يترك مجالاً للأسئلة. حمل معطفه وانسل تحت مطر ذاك النهار البارد. أمطرت كثيراً بعدها، ثمّ مات الرجل بعد سنوات، من دون أن يوضح أي شيء.

لا أعرف كيف يحدث أن يذهب المرء في موجة اللغة العربية وسط موجات معاكسة. لا أعرف إن كان تصنيف الناس وفق اللغة التي يقرأون بها منصفاً، لكنني أؤمن بشيء واحد، لن تستطيع أن تحب إلا بلغتك (لا تمكن ترجمة “تؤبر قلبي” إلى أي لغة)، ولن تستطيع أن تبتلع الكتب بروحك إلا بلغتك، ولن تشعر إلا بلغتك، ولن تدلل أولادك إلا بلغتك (لا تمكن ترجمة “دخيلو ما أطيبو” إلى أي لغة)، ولن تواجه العالم إلا بلغتك، ولن تكون أنت إلا بلغتك… وإن كنتَ لا تراها على الموضة… أو حتى لا تحبها.

إقرأ أيضاً:
يوم قتلنا “بوسي”…
بشير الجميّل كما أحببته
مقبرة “الغرباء” في طرابلس: ملعبٌ للأولاد ملجأٌ للفقراء

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني