fbpx

عن أبي الشيوعي وعن بيروت الناصرية

"قل لأبيك أن الله عندما خلقَ العالم، أرسل معه كتالوغ ليعرف البشر كيف يسيّرون حياتهم. هذا الكتالوغ هو القرآن. كيف يتصور أبوك وأصحابه أن يمشي العالم من دون دليل ومرشد؟ بل كيف يتصورون أن العالم قد وُجد أو لا". بهذه الكلمات قابلني زوج قريبتي التي كنت أمضي بضعة ايام من عطلتي الصيفية في منزلها الجبلي. الرجل الخمسيني والعامل الميكانيكي الماهر، أي الهدف النموذجي المفترض للدعاية الشيوعية، كان يستشيط غضباً في وجهي أنا الفتى البالغ من العمر 13 عاماً، بسبب إلحاد والدي المزعوم وتأييده للشيوعيين الكفار.

“قل لأبيك أن الله عندما خلقَ العالم، أرسل معه كتالوغ ليعرف البشر كيف يسيّرون حياتهم. هذا الكتالوغ هو القرآن. كيف يتصور أبوك وأصحابه أن يمشي العالم من دون دليل ومرشد؟ بل كيف يتصورون أن العالم قد وُجد أولا”. بهذه الكلمات قابلني زوج قريبتي التي كنت أمضي بضعة ايام من عطلتي الصيفية في منزلها الجبلي. الرجل الخمسيني والعامل الميكانيكي الماهر، أي الهدف النموذجي المفترض للدعاية الشيوعية، كان يستشيط غضباً في وجهي أنا الفتى البالغ من العمر 13 عاماً، بسبب إلحاد والدي المزعوم وتأييده للشيوعيين الكفار.
لم تكن تلك المرّة الأولى التي أُكلّفُ فيها بنقل رسائل إلى والدي، إذ اعتدت أن أبلغه طلبات صاحب الدكان القريب من البيت، بضرورة تسديد فاتورة الشهر الماضي، “لأن الحسبة صارت ثقيلة”، أو أن أحضر من المدرسة إنذارات بقرب صرفي، إخوتي وأنا، بسبب التأخر في دفع الأقساط المتوجبة، قبل أن ينقلنا جميعاً إلى المدارس الرسمية حيث تابعنا دراستنا. لكنها ربما كانت المرّة الأولى التي أحمل فيها استفساراً ايديولوجياً بنكهة اتهامية. ولا أذكر أن والدي كان يسعى إلى بثّ الفكر الماركسي بين أفراد العائلة الأقربين، ربما للحفاظ على نوع من “السلم الأهلي”، أو ليأسٍ أصابه من تصلّب البيارتة السنّة، في موقفهم المعادي للشيوعية، الذي اختبره على الأرجح قبل أن أبدأ، مبكراً جداً، بسماع كلمات من نوع لينين والإتحاد السوفياتي والإمبريالية والفاشية وسائر المصطلحات المشابهة.
بيد أن أبي لم يكن، في المقابل، من النوع المهادن أو ممن يسمعون إهانة لمعتقداتهم ويسكت عليها. فقد قصّت أمي علينا ما جرى، أثناء مشاركتها ووالدي في حفل عقد قران واحدة من قريباتها. وكان الصراع الشيوعي الناصري حين ذاك في ذروته، وبعد انتهاء مهمته، راح الشيخ الذي أجرى عقد الزواج، يتلو أدعية لتوفيق وسعادة الزوجين الجديدين ثمّ بدأ يقترب في الدعاء من “الشأن العام” فدعا الله إلى القضاء على الملاحدة وتاركي الدين. لم يردّ أبي معتبراً أن الكلام ليس موجهاً اليه. بعد ذلك انتقل الشيخ إلى الدعاء على الشيوعيين، ما حمل والدي إلى مقاطعة الشيخ وسؤاله عن سبب اطلاق هذه الأدعية في مناسبة عائلية. تطور السجال بين أبي والشيخ ووصل إلى أن يقوم أبي من مكانه ويوجه صفعة أو لكمة إلى رجل الدين. فتسارع أمي بسحب والدي من يده ودفعه إلى الخروج من الحفل. بعد سنوات طويلة، وعندما سألتَه عن حقيقة ما جرى مع الشيخ، لم يرد والدي وأشاح بيده في إشارة إلى أن الموضوع لا يستأهل المزيد من الكلام عنه.
أما الجمهور الذي كان والدي يركز جهوده عليه في بث أفكاره، فكان في الدرجة الاولى سائقي سيارات الأجرة حيث أرسى نوعاً من التقليد في التعامل معهم، ذلك أنه كان يبدأ بسؤال السائق عن مسقط رأسه. الإجابة لم تكن مهمة. فوالدي كان يعرف جيداً مناطق كثيرة من لبنان بفضل تعليمه في مدارس البقاع الغربي وصور، وصداقات واسعة مع أشخاص من كل أنحاء البلد ومن الدول العربية أيضاً. كان كشف السائق لاسم منطقته كافياً ليبدأ والدي بتعداد الأشخاص الذين يعرفهم هناك. وغالباً ما يحصل “تقاطع” بين معارف أبي وأولئك الذين يقربون السائق أو يمتون إليه بصلة نسب أو ودّ. عند ذاك تبدأ مرحلة التحريض. فيستفهم من السائق عن الأحوال وبدل إيجار اللوحة الحمراء، وإذا كانت السيارة ملك السائق، أو أنه يعمل عليها فقط، وهل هو منتسب إلى النقابة أم لا، وكم عدد أولاده وأين يدرسون، وهل بيته مستأجر أم ملكه. بديهي أن هذه الاسئلة تتيح للسائق الاستفهام من الراكب عن أوضاعه ما يجعل أبي يستطرد في الحديث عن أوضاعنا العائلية والمالية، ما يُغضب والدتي أشد الغضب عندما تكون برفقته. فهي لا تود أبدا أن تكون شؤون بيتها موضع حديث في السرفيسات، وعلى ألسنة سائقي السيارات العمومية. أما الخصم فواضح دائماً. إذا كان السائق يعمل بالأجرة على سيارة ليست له، فالعدو هو صاحب السيارة الذي يمتص دم السائق، ويمنع عنه التمتع بثمار جهده. أما إذا كان مالكاِ للسيارة وللوحتها الحمراء، فسبب مشاكل السائق هم السياسيون الفاسدون وكبار التجار والمحتكرين.
سائقو وراكبو السيارات العمومية وشبان المحلة التي يقع بيتنا فيها، والعشرات ممن كان يقابلهم في العمل والمقهى كانوا جمهوره، الذي يشرح له أهمية الوعي الطبقي ويحرضه على تحصيل الحقوق، منزلاً لغة المصطلحات الماركسية من تجريدها إلى أرض الواقع، المؤلف من صاحب عمل يرفض تسجيل العاملين في الضمان الاجتماعي، أو يجحف في دفع الرواتب، أو مالك شقة يزيد إيجارها من دون وجه حق، أو تاجر يحتكر السلع الغذائية مستفيداً من حماية السياسيين له. ورغم أنه ترجم كتاب كارل ماركس “رأس المال” في الخمسينات، لم يكن يستعير أياً من التعابير الماركسية في أحاديثه اليومية. ليس هناك في قاموسه برجوازية وطبقة عاملة، وكمبرادور وفائض قيمة وعلاقات انتاج وشبكات انتاج وما شاكل. بل هناك فقراء وأغنياء وصراع يدور بين الفئتين.
الحوارات التي أذكرها أكثر من غيرها كانت مع الحاج بشير حلاق المحلة، وبائع الجرائد والسجائر فيها. ولطالما دفعت ودفع أخوتي ثمن عصبية الحاج بشير، خرائط عميقة على رؤوسنا، تعكس اضطراب العلاقات المصرية السوفياتية، أو أدوار التنظيمات الناصرية في بيروت ومرشحها الفذ حينذاك، نجاح واكيم. وترك طرد السادات للخبراء السوفيات من مصر سنة 1972، علامات فارقة على رأسي حيث احتدم النقاش يومها بين والدي وبين الحاج بشير، من دون أن يلاحظ أبي أن خصمه الناصري يلوح بمقص كبير قرب عنقي.
كان موقف أبي في الحياة اليومية وفي العديد من أعماله القصصية، أن بيروت قادرة على احتضان اليسار والشيوعيين اللبنانيين، ليس كمكان جغرافي فحسب، بل أيضاً ضمن مكوناتها الكبيرة خصوصاً بين السنّة البيارتة الذين يضمون الفقراء والأغنياء والعمال والكادحين، مثلهم مثل باقي فئات اللبنانيين. وكان جمهور الحزب الشيوعي بين مسيحيي بيروت، وخصوصاً من الطائفة الأرثوذكسية حاضراً حضوراً مؤثراً في مناطق تواجده، خلافاً للشيوعيين السنّة، الذين ظلوا طوال عقود يُعدون على أصابع اليدين. علّة انخراط البيارتة الأرثوذكس في الحزب الشيوعي انخراطاً كثيفاً، وعزوف نظرائهم السنّة عن ذلك، ترجع إلى مسألة الأقلية والأكثرية واسقاطاتها على الانتماءات الحزبية، سيان أكانت يمينية أو يسارية، حيث قدمت الأحزاب العقائدية العلمانية مخرجاً للأقليات، من معضلة العدد والحصة الهامشية، التي يمكن أن تحصل عليها من السلطة إذا اعتمدت على الأرقام. الهروب إلى الحلول الخلاصية في “سوريا الكبرى” وفي الأممية الإشتراكية ،أرقى وأكثر انسجاماً مع العصر من بناء السياسة على العدد. الطبقة وليس الطائفة هو الشعار. (القومية وليس المذهب، بالنسبة إلى القوميين والبعثيين). لكن هذا حديث آخر.
فضّل الشيوعيون اللبنانيون الموقف الجبلي – الريفي حيال “المدينة”، بعبارات صاغها قبلهم مخائيل نعيمة، الذي لم تكن المدن عنده سوى “عاهرات”، وغيره من كتّاب الرومانسية الريفية اللبنانية، على العمل الجاد بين السنّة البيارتة. ولم تخن الشيوعيين عبارات جاهزة على الحكم على أكثرية أهل المدينة، بأنهم من البرجوازية الصغيرة أصحاب الدكاكين وصغار المالكين وموظفي الإدارات الحكومية، الذين لن يكونوا يوماً من مؤيدي الثورة وقضية الطبقة العاملة. وقابل البيارتة هذا الموقف بموقف يعتبر من يلتحق من بينهم بالشيوعية، خائنا لطائفته يستحق النبذ والإقصاء. الأسماء البيروتية المعروفة بين الشيوعيين، تعود لأفراد لم يسجلوا نجاحاً كبيراً، في التقريب بين البيئتين، اليسارية والبيروتية، فتحولوا إلى موضع شك وإهمال من الجانبين.
وبينما كان الثقل العددي لليسار اللبناني ينتقل في ستينات القرن الماضي من جبل لبنان وشماله إلى جنوبه، من مسيحييه إلى شيعته، ظل أهل بيروت في حال اغتراب عن العمل الحزبي اليساري، يميل أكثرهم إلى جمال عبد الناصر، على الرغم من أن مركز نشاط اليسار وبؤرة عمله وسكن قياداته كان في العاصمة. ولم ينتبه الشيوعيون اللبنانيون، إلى أن اليسار كمفهوم سياسي ارتبط في الغرب، حيث نشأ، بالمدينة وعمالها وكادحيها، واهتم بهؤلاء أكثر بكثير مما اهتم بالمزارعين، الذين يعرف اليساريون لائحة الإهانات الطويلة التي كالها كارل ماركس لهم، استناداً إلى تشخيصه لدور الفلاحين كسند للرجعية وموئل لكل الحركات المعادية للتقدم، اضافة إلى تشبعهم بالإيمان الديني والخرافي.
لكن تلك الفترة من تاريخ لبنان قدمت حلاً بديلاً لهذه المعضلة. فمجيء أهالي الأرياف وخصوصاً من الجنوب المهمل و”المحروم”، بحسب المصطلح الذي اشتقه الإمام موسى الصدر، مجيئهم للعمل في مصانع ومؤسسات العاصمة وتشكيلهم “حزام بؤس” حولها، أعفى الشيوعيين من عبء التحليل والبحث السوسيولوجي. بل قدم صورة لصراع طبقي ناجز الأطراف: الريفيون الفقراء يتحولون إلى عمال مدن، شيء يشبه ما شهدته أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما امتصت الثورة الصناعية فائض السكان الريفيين وحولتهم إلى أسنان في ماكنة الإنتاج الرأسمالي الهائلة المنطلقة بكل قوتها. لم يكن ينقص اليسار اللبناني إلا “ماركسه” الذي يؤطر صعود الطبقة العاملة اللبنانية إلى مواقع الهيمنة السياسية. الثورة على الأبواب، قال اليساريون. بل إنها بدأت فعلاً، زايد عليهم رفاق لهم سارعوا إلى إنشاء مجموعات مسلحة، شنت عدداً من الهجمات، لعل أشهرها اقتحام “بنك اوف أميركا” في وسط بيروت، وخطف ضابط أميركي ومبادلته بطحين لمناطق البؤس في الضواحي. هل تكرس الإنتماء الطبقي عند اليساريين اللبنانيين، وغلب الوعي به ذلك السابق عليه، الطائفي الجهوي؟ هل تشكلت طبقة عاملة “لذاتها”؟ ما جرى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وعودة الكثير من الشيوعيين الى طوائفهم وقبض سوية رديئة من الوعي والممارسة، على ما تبقى من تنظيماتهم يجيبان بالنفي. وهذا أيضاً شرحه يطول.
مهما يكن من أمر، غابت الولاءات الطائفية والجهوية في عقود اليسار الذهبية، بين الستينات والثمانينات من القرن الماضي، عن واجهة الحدث واستطراداً عن أفكار اليسار. ولم يعد من أهمية لفكرة إدماج البيارتة بالصراع الطبقي وإدخالهم في دائرة اهتمام الشيوعيين. فمن ذا الذي سيضيع جهده ووقته في إقناع البيارتة السنّة، بمحاسن الاشتراكية العلمية، وقد سبقتهم السيدة أم كلثوم مخاطبة النبي محمداً “الاشتراكيون أنت أمامهم” في غنائها قصيدة أحمد شوقي “ولد الهدى”. بكلمات ثانية، لم يكن ينقص البيارتة الذرائع اللازمة لدفع “غائلة” الشيوعية الملحدة بالاستناد إلى عدالة دينهم الموروث، وإلى عظمة زعامتهم الناصرية. إهمال الدعاة الشيوعيين قابله إهمال الجمهور البيروتي للشيوعية ونفوره منها.
لفظت التجربة اليسارية أنفساها الأخيرة في لبنان وسط صراعات الورثة وظهور أجيال جديدة من دعاة ثورة لا تستثني رموز الاستبداد من قائمة الحلفاء. ومن جهتها، دخلت بيروت بعد الحرب الأهلية طوراً جديداً من أطوار تبدلها التي لا تنتهي.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سجى مرتضى – نور مخدر صحافيتان لبنانيتان
يُقال إن لبنان “بلد الحريات”، لكن السلطة السياسيّة والدينيّة والقضائيّة والجهات الأمنيّة تستخدم بكثرة خلال السنوات الأخيرة، هذه القوانين للتضييق على حرية الرأي والتعبير…
Play Video
مضى عامين على حادثة اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، رغم اشارت منظمات حقوقية إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه.

2:50

Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني