fbpx

فلسطين – إسرائيل والوعي الألمانيّ العادل

فبراير 18, 2018
عند صدور التشريع البولنديّ الجديد الذي يجرّم أيّ ذكر لتواطؤ بولنديّ في المحرقة، أو أيّة إشارة إلى "معسكرات موت بولنديّة"، علّق وزير خارجيّة ألمانيا، سيغمار غابرييل، بالتصريح وبالتغريد على "تويتر".ما قاله غابرييل هو أنّ بلده وحده هو المسؤول عن تشغيل معسكرات الموت على الأراضي البولنديّة، بل أنّ ألمانيا هي المسؤولة "ولا أحداً سواها". ليضيف: "نحن مقتنعون بأنّ مراجعة المرء الدؤوبة لتاريخه هي ما يمكن أن يُنتج المصالحة"...

عند صدور التشريع البولنديّ الجديد الذي يجرّم أيّ ذكر لتواطؤ بولنديّ في المحرقة، أو أيّة إشارة إلى “معسكرات موت بولنديّة”، علّق وزير خارجيّة ألمانيا، سيغمار غابرييل، بالتصريح وبالتغريد على “تويتر”.
ما قاله غابرييل هو أنّ بلده وحده هو المسؤول عن تشغيل معسكرات الموت على الأراضي البولنديّة، بل أنّ ألمانيا هي المسؤولة “ولا أحداً سواها”. ليضيف: “نحن مقتنعون بأنّ مراجعة المرء الدؤوبة لتاريخه هي ما يمكن أن يُنتج المصالحة”.
في هذا، بدا غابرييل أميناً لأهمّ التقاليد السياسيّة والفكريّة الألمانيّة في حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانية، أي المراجعة النقديّة العميقة للذات، ولكنْ أيضاً لتقليد عزيز على حزبه الاشتراكيّ الديمقراطيّ.
مثل هذين النزاهة والنبل غير معهودين كثيراً في سياسات الدول وفي تصوير الأمم لذاتها، حيث تحتكر لنفسها الحقّ كلّه وتلوم الآخرين على الأخطاء. لكنّ ألمانيا التي تميّزت بسياسة متقدّمة حيال اللجوء والهجرة، كما حيال الإصرار على الوحدة الأوروبيّة والتحفّظ على الشعبويّة، أدلت بدلوها مؤخّراً فيما خصّ النزاع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ، من خلال وثيقة “الائتلاف الكبير” بين الحزبين المسيحيّ الديمقراطيّ والاشتراكيّ الديمقراطيّ.
صحيح أنّ علامات استفهام كثيرة صارت تحيط بهذا الائتلاف، بسبب التباين حوله في صفوف الاشتراكيّين الديمقراطيّين. مع هذا فقد باتت لدينا وثيقة متقدّمة جدّاً في جمعها بين الدفاع عن الحقّ الفلسطينيّ والرفض الجذريّ للاساميّة.
وما لا بدّ من الإشارة إليه هنا هو الحرج الألمانيّ التقليديّ في تأييد الحقّ الفلسطينيّ، وهو ما يعود سببه بالضبط إلى تاريخ العلاقة الألمانيّة – اليهوديّة، وتحديداً المحرقة. وغنيّ عن القول إنّ التعويضات الشهيرة في الخمسينات التي دفعتها ألمانيا (الغربيّة آنذاك) لإسرائيل، وكذلك المراجعات العميقة التي أجرتها لتاريخها وثقافتها ممّا قاد إلى ارتكاب المحرقة، لم يحل دون ابتزاز بعض اليمين الصهيونيّ لها كلّما كانت توشك على اتّخاذ موقف نقديّ للسياسات الإسرائيليّة، أو موقف داعم للحقّ الفلسطينيّ.
لقد انطوت مسوّدة اتّفاق الحزبين، بحسب ما نقلت “هآرتس” الإسرائيليّة، على عبارة صريحة في انتقاد المستوطنات اليهوديّة في الضفّة الغربيّة، عبارةٍ لم يظهر ما يعادلها في الاتّفاقات الائتلافيّة السابقة بين الحزبين. والعبارة هذه تقول بالحرف إنّ “سياسة الاستيطان الحاليّة لإسرائيل تتعارض مع القانون الدوليّ القائم ولا تحظى بدعمنا لأنّها تجعل حلّ الدولتين صعباً”. كما تنصّ الوثيقة، ضدّاً على ما كان قد قرّره دونالد ترامب مؤخّراً، على أنّ وضع القدس سوف يقرَّر في المفاوضات فقط، مع التأكيد بأنّ ألمانيا ستمضي في تمويل وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيّين “الأونروا”.
ولئن أيّدت الوثيقة بصراحة “حقّ إسرائيل في الوجود”، فهي كذلك دانت الدعوات إلى العنف والتحريض ضدّها: فالائتلاف الحاكم سيكون ملتزماً “بمسؤوليّة ألمانيا الخاصّة حيال إسرائيل كدولة يهوديّة وديمقراطيّة وحيال أمنها. فحقّ إسرائيل في الوجود غير قابل للنقاش عندنا، وهو من أعمدة السياسة الألمانيّة. إنّ هدفنا هو أن تتوفّر لكلّ السكّان في الشرق الأوسط حياة تُعاش بكرامة ومن غير خوف”. وبدورها فإنّ ألمانيا “ستستمرّ في العمل من أجل حلٍّ للصراع الإسرائيليّ – الفلسطينيّ يرتكز على حلّ الدولتين”.
وفي مقال لكِرستِن رولف يتناول مواقف مارتن شولتز – قائد الاشتراكيّين الديمقراطيّين والمرشّح لوزارة الخارجيّة قبل أن تقوده أزمة حزبه إلى التراجع – لاحظت الكاتبة أنّه شديد النقديّة لسياسات الدولة العبريّة كما أنّه مقاتل صلب ضدّ اللاساميّة في الوقت عينه. فهو، في مواقفه الشرق أوسطيّة، يشبه الآراء السائدة لدى الجناح اليساريّ لحزبه، لجهة نقد الاستيطان وإدانة أوضاع حقوق الإنسان الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة.
ويُذكر أنّ شولتز حين خاطب، في فبراير/شباط 2014، الكنيست الإسرائيليّ، بوصفه رئيس البرلمان الأوروبيّ، طرح تساؤلات حول السياسة المائيّة لإسرائيل في ما خصّ الفلسطينيّين، وهو ما أغضب بعض نوّاب اليمين المتطرّف ممّن غادروا القاعة. كذلك ففي 2016 غرّد شولتز مرحّباً بخطاب ألقاه الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس أمام البرلمان الأوروبيّ فاعتبره “خطاباً مُلهِماً”. لكنْ لسوء حظّ شولتز، تبيّن أنّ خطاب عبّاس إنّما انطوى على خطأ أثار الكثير من السجال اللاحق، وهو زعمه أنّ حاخامات إسرائيليّين طالبوا حكومتهم بتسميم المصادر الماليّة للفلسطينيّين. ومعروف أنّه حين لا تثبت اتّهامات كهذه، لا يتبقّى منها لدى الكثيرين إلاّ ظلال باهتة من اللغة اللاساميّة القديمة للمسيحيّة الأوروبيّة.
على أنّه، وبسبب شولتز خصوصاً، تبنّت وثيقة الائتلاف موقفاً حادّاً وحاسماً من اللاساميّة، كما أُعلن، وللمرّة الأولى، عن رغبة الحكومة الائتلافيّة تعيين مندوب مهمّته الحصريّة “مقاتلة اللاساميّة”، وهو ما شكّل مطلباً قديماً ومتكرّراً للمنظّمات اليهوديّة في ألمانيا. ولسوف يحظى هذا المندوب، وفقاً لاتّفاق الحزبين، بموازنة تُنفَق على أوضاع “الحياة والثقافة والطوائف” اليهوديّة في البلد المذكور. كذلك حظيت برامج إحياء ذكرى المحرقة بصفحتين كاملتين من الاتّفاق الائتلافيّ، مع خطط وتمويل لبرامج جديدة أو متجدّدة أحدها برنامج للمراهقين بعنوان “الشبيبة تتذكّر”. ويبدو أنّ هذا البرنامج الأخير سوف يركّز على المراهقين المسلمين الذين وصلوا كلاجئين إلى ألمانيا.
إنّ الوعي الألمانيّ العادل قد يكون التربة الأكثر صلاحاً التي ينبت فيها تأييد الحقّ الفلسطينيّ وإدانة المحرقة التي حلّت باليهود، والتي يتجاور فيها هذان الموقفان النبيلان.  
 
 [video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني