fbpx

الحرب السورية تزداد سوءاً لكن لا أحد يعترف

فبراير 18, 2018
بعيون ترمش وظهور مقوسة، حُمل أقل من عشرة أطفال حديثي الولادة خارج مستشفى محترق أصابته غارة جوية. في حين انهار مبنى سكني أصابته قنبلة دافناً معه العائلات التي تسكن داخله. ونضح عاملو الطواقم الطبية المصابين بالماء بعد هجمات يشتبه أنها بغاز الكلور، وهي واحدة من بين خمس هجمات في سوريا منذ بداية العام...

بعيون ترمش وظهور مقوسة، حُمل أقل من عشرة أطفال حديثي الولادة خارج مستشفى محترق أصابته غارة جوية. في حين انهار مبنى سكني أصابته قنبلة دافناً معه العائلات التي تسكن داخله. ونضح عاملو الطواقم الطبية المصابين بالماء بعد هجمات يشتبه أنها بغاز الكلور، وهي واحدة من بين خمس هجمات في سوريا منذ بداية العام. كان هذا جزءاً صغيراً فقط من الأحداث العنيفة التي جثمت على شمال سوريا هذا الشهر، ووفقاً للسكان والعاملين في الإنقاذ صعدت الحكومة وحليفتها الروسية من الحرب الجوية ضد آخر منطقتين رئيستين من مناطق المعارضة.
يقول معاذ الشامي وهو ناشط معارض للحكومة في بلدة سراقب بشمال سوريا، “استُخدمت جميع أنواع الأسلحة ضدنا في السنوات السبع الماضية والعالم بأكمله يراقب”. في سراقب أصيبت عيادة طبية بغارة استهدفتها أثناء معالجة طاقمها الطبي للمصابين جراء الغارة التي استهدفت السوق أثناء شرائهم للبطاطا. يقول معاذ ،”في سراقب، نحن نموت مرتين”.
منذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية العام الماضي، ومعه التقدم المطرد للقوات الحكومية ضد مجموعات المعارضة الأخرى، سرى اعتقاد خاطئ في الخارج بأن أوار الحرب السورية بدأ يخبو. لكن بدلاً من ذلك بلغت تلك المجازر مستويات جديدة. فمنذ ديسمبر/كانون الأول هرب ما يقارب الـ 300 ألف شخص من الصراع الجديد. وفي فترة زمنية تقدر بـ 48 ساعة الاسبوع الماضي، قتلت الغارات الحكومية 100 شخص، معظمهم مدنيين، وفقاً للعاملين في مجال الإنقاذ في الأحياء المحاصرة التي تسيطر عليها في المعارضة شرق دمشق. وكان بالإمكان سماع دوي الانفجارات ورؤية الدخان من على بعد أميال قليلة من معقل السلطة.
أعلن مسؤولو الأمم المتحدة، أن الموقف خطير وطالبوا بوقف فوري لإطلاق النار على مستوى البلد بأكمله. كما أدانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قصف المنشآت الطبية في محافظات حماة وإدلب، حيث تقبع معظم المستشفيات بالفعل خارج الخدمة. وفي الوقت نفسه الذي اشتدت فيه هجمات الحكومة على اثنين من معاقل قوات المعارضة، أطلقت تركيا حملة مفاجئة على المناطق الكردية الحدودية، وفجأة استعرت المعارك في ثلاث مناطق مختلفة، خلق كل منها وضعاً حرجاً جديداً للمدنيين.
الحقيقة هي أن الحرب السورية على مدار سنوات، لم تكن حرباً واحدة بل مجموعة متداخلة من الحروب المنفصلة والمتقاطعة بصورة تتغير فيها الأطراف المتحاربة بانتظام. رحب معظم العالم بانهيار خلافة تنظيم الدولة الإسلامية المستمدة من القرون الوسطى العام الماضي. لكن هذا النصر فتح الطريق أمام الصراعات الكامنة للحرب لتشق طريقها إلى السطح مملوء بشهوة الانتقام.
في غرب سوريا وجهت القوات الحكومية تركيزها على معركة وجدت قبل صعود تنظيم الدولة: الحرب ضد مجموعة من فصائل المعارضة التي تهدف للإطاحة بالرئيس بشار الأسد. في حين يضاعف الجيش السوري المدعوم من إيران وروسيا جهوده للقضاء على أكبر المعاقل المتبقية للمعارضة، والتي سُلبت منه قبل أعوام من قبل فصائل تتنوع بين وطنيين منشقين من الجيش ومجموعات إسلامية تهيمن على هذه المناطق الآن.
الأدهى من ذلك أن الاحتفالات بهزيمة تنظيم الدولة قد تكون سابقة لأوانها. إذ لجأ العديد من مقاتليه بكل بساطة للعمل السري وانضموا للخلايا النائمة وعادوا إلى تكتيكات الهجوم والفرار المتبعة في حرب العصابات في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. يقول حايد حايد، وهو باحث سوري في تشاتام هاوس، وهو مركز بحثي يتخذ من بريطانيا مقراً له، إن هناك إشارات بالفعل على أن المجموعات المعارضة الأخرى أيضاً تستخدم استراتيجيات حرب العصابات، حيث يزرعون القنابل في المدن التي تسيطر عليها الحكومة في دمشق وحلب. وسينضم العديد من المقاتلين الآخرين إلى هذه المجموعات كلما خسروا المزيد من الأراضي. ويضيف قائلاً “نحن نتحدث عن آلاف الناس وليس المئات فقط”.
تراجع الغرب بشكل كبير في موقفه من الحرب ضد الأسد وقبل تكتيكياً باستمرار حكمه وترك روسيا وإيران وتركيا تقوم بدور القوى الخارجية النشطة في الصراع. لكن الولايات المتحدة تبقى عالقة في جزء كبير من شمال شرق سوريا الذي سيطرت عليه المليشيات الكردية المدعومة من أميركا من تنظيم الدولة. أما في الوقت الحالي، تتعرض منطقتين رئيسيتين تسيطر عليهما المعارضة للهيب الهجمات التي تشنها القوات الحكومية المدعومة من قِبل القوة الجوية الروسية والمليشيات الإيرانية على الأرض والتي من بينها تنظيم حزب الله اللبناني. إحدى هاتين المنطقتين هي إدلب التي تتكون في معظمها من مناطق ريفية، على الحدود الشمالية الغربية لسوريا، والتي تم إجلاء الأطفال حديثي الولادة من المستشفى المحترق فيها قبل نحو اسبوعين. السكان هنا يحفرون الخنادق ويتساءلون إن كان يجب عليهم الفرار.
قال محمد نجدت قدور البالغ من العمر 32 عاماً إنه بلغ حافة اليأس بعد سبع سنوات من التظاهر ضد الحكومة، ومحاولة تفادي الغارات الجوية ومحاولة بناء تنظيم محلي مستقل في مواجهة الجماعات الجهادية التي تهيمن على المحافظة. “كل شيء سيزول قريباً”، قالها والقوات الحكومية قد وصلت على بُعد أميال من بلدته بنش. وهو يلوم فصائل المعارضة المتفرقة وغير المتحدة وخطأهم الأولي بالترحيب بالجهاديين الذين انقلبوا ضدهم لاحقاً.
يقول “إذا سقطت بنش وسراقب، يجب أن نقول وداعاً لإدلب. لكننا نستحق ذلك”. وصف العديد من الأشخاص القرى التي هُجّر أهلها، وأصبحت خاوية إلا من بعض القطط والكلاب المتبقية. وقال شامي، في إشارة إلى سراقب “هذه هي النتيجة التي وصلنا إليها، مدن فارغة”. ويستكمل قائلاً “أصبحت أعداد الشهداء مجرد أرقام في الأخبار لا يلتفت إليها أحد، ولكن بالنسبة للأشخاص في هذه القرية، فإنها تُعد النهاية”.
يُعد تاريخ إدلب من كثير من النواح عبارة عن تاريخ للحرب كلها. فقد كانت المقاطعة، واحدة من المراكز الأولى التي اندلعت منها الاحتجاجات، على عقود حكم عائلة الأسد، وإحدى الأماكن الأولى التي بدأ فيها الناس بحمل السلاح بعد المواجهة العنيفة التي قابلت بها الحكومة تلك الاحتجاجات. كما حصلت بعض الجماعات المتمردة، هناك على دعم الولايات المتحدة وحلفائها، غير أن الجهاديين الأجانب توافدوا، ليثبتوا أنهم الأفضل تمويلاً وتنظيماً في تجنيد السوريين. وأصبحت إدلب إحدى معاقل الدولة الإسلامية الأولى في سوريا. وما إن أخرج المقاتلون المحليون التنظيم، حتى سيطر عليها فيما بعد فصيل آخر مرتبط بتنظيم القاعدة. وقد عزز أولئك الجهاديين حجج الحكومة المتمثلة في أنها تحارب الإرهاب، ليقل الدعم الغربي للمتمردين.
ثمة أمر آخر يميز إدلب، عندما استولت القوات الحكومية على المدن المتمردة، كثيراً ما عرضت على المتمردين والمدنيين اختيار الاستسلام، مع الانتقال إلى إدلب. وتجدر الإشارة إلى أن المقاطعة تضم حالياً مليوني شخص، نصفهم قد نزحوا من أماكن أخرى من شتى أنحاء البلاد. البعض الآخر ارتحل مراراً مثل أحد مُلّاك الأرض في سراقب ويُدعى ميسرة، إذ انتقل إلى تركيا لفترة من الوقت، ثم عاد واستثمر في محطة لتعبئة المياه، لكنها قُصفت على يد القوات الحكومية. ومع ذلك، قال ميسرة، الذي طلب حجب اسمه الأخير خوفاً من الانتقام، أنه سيعطي نفسه فرصة أخرى لرؤية كيف ستسير الأمور في ظل سيطرة الحكومة بدلاً من الفرار مرة أخرى. وقال “إنني أقيم هنا”، وأضاف “ولكننا لا نمتلك الآن سوى الدعاء”. أما معقل المتمردين الآخر الواقع تحت الهجوم فهو مجموعة من ضواحي الطبقة العاملة في ريف دمشق، والمعروفة باسم الغوطة الشرقية، وهو خليط من المنازل السكنية الخرسانية غير المنظمة والمزارع، التي عُزلت لسنوات جرّاء الحصار الحكومي المفروض حولها.
تُعتبر ديناميكية المعركة هناك مختلفة تماماً، فهي عبارة عن حرب استنزاف بوجود خطوط أمامية ثابتة إلى حدٍ كبير. وقد قطعت الحكومة إمكانية الوصول إلى الغذاء والدواء للسكان الذين تقدرهم هيئة الأمم المتحدة بحوالي 400،000 نسمة، نصفهم من الأطفال. ووصفها المنشق اليساري السوري، ياسين الحاج صالح بـ “معسكر اعتقال”. جديرٌ بالذكر أن القوات الحكومية لم تتمكن من إحراز أي تقدم هناك مؤخراً، لذلك فهي تكثف من حصارها وقصفها.
ومطلع هذا الشهر، شهدت المنطقة بعض أسوأ الهجمات، مما أسفر عن مصرع أكثر من 100 شخص خلال أيام. وقام السكان بنشر صور عديدة من بينها صور لفتاة كانت قد قتلت أثناء تفقدها لبعض الأزهار، وطفل يبكي وقد فقد قدمه اليمنى جرّاء القصف، بل وأسوأ من ذلك. وذكر مراسل وكالة فرانس برس أن خمسة أطفال من بينهم شقيقه الأصغر، قُتلوا في انفجار قنبلة بينما كانوا يجلبون المياه.
قُتل المتمردون في الغوطة الشرقية ولكن على نطاق أصغر. إذ قُصفت منطقة المدينة القديمة بدمشق ثلاث مرات على الأقل هذا العام، مما أسفر عن مقتل 13 شخصاً، بينهم عدد من الأطفال، وفقاً لوسائل الإعلام السورية الرسمية. ومنذ مطلع عام 2018 كانت الغوطة الشرقية هدفاً لما لا يقل عن ثلاث هجمات يشتبه في أنها استخدمت قنابل محملة بالكلور، والتي نادراً ما تقتل ولكنها تتسبب في الاختناق. ويحظُر استخدام الكلور كسلاح بموجب القانون الدولي. كما كانت الغوطة أيضاً هدفاً لهجوم عام 2013، حيث قتل السارين، وهو أحد غازات الأعصاب المحظورة، 1400 شخص، من بينهم أكثر من 400 طفل. وقاد هجوم السارين للتوصل إلى اتفاق روسي أميركي لتفكيك ترسانة الأسلحة الكيميائية في سوريا. وتقول منظمة حظر الأسلحة الكيمائية، التي تراقب الامتثال للمعاهدات التي تحظر استخدام تلك الأسلحة، إنها تُحقق في هجمات الكلور المشتبه فيها مؤخراً.
ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة، “اليونيسيف”، فإن 12 في المائة من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات يعانون من سوء التغذية الحاد في الغوطة الشرقية. وقد سمح وقف إطلاق نار قصير الشهر الماضي لـ 29 شخصاً بمغادرة البلاد لتلقي العلاج الطبي ولكن مسؤولين في الأمم المتحدة يقولون إن ما لا يقل عن 600 آخرين يحتاجون إلى إجلاء فوري. وصرح بعض الأطباء أن إحدى أولئك الأطفال وتُدعى أمامة ياسين درويش وكانت تبلغ من العمر 18 شهراً ومصابة بالسرطان قد تُوفيت بسبب نقص العلاج. وحتى لو استعادت الحكومة إدلب والغوطة الشرقية، فإن ذلك لن يُنهِ الحرب.
على صعيد آخر، تهدد التوترات الدولية والتي تتمثل في التوغل التركي الأخير على الحدود الشمالية بتصعيدات جديدة لا يمكن التنبؤ بها. وتهدف تركيا للاستيلاء على منطقة عفرين الكردية، ثم التوغل شرقاً وصولاً إلى منبج حيث ستواجه القوات الأميركية التي تعهدت بالدفاع عنها. ويمكن أن يؤدي هذا اللقاء إلى نزاع مسلح غير مسبوق بين حليفين داخل حلف شمال الأطلسي. وكما ازدادت احتمالات اندلاع اشتباكات على جبهة القتال بين الولايات المتحدة وروسيا. وجرى التأكيد على هذه المخاطر عندما قال التحالف الذي تدعمه الولايات المتحدة إنه تصدى لهجومٍ “غير مبرر” في شرق سوريا، قام به بعض الميليشيات المدعومة من حكومة الأسد وأنها -قوات التحالف- قد ردت على ذلك الهجوم بضربات جوية مميتة. وانتشرت تقارير متضاربة عن وقوع عدد من الضحايا يتراوح بين سبعة إلى 100 شخص على الأقل، يعتقد أنهم ينتمون إلى بعض الميليشيات الشيعية الموالية للأسد والتي تتخذ من منطقة دير الزور، جنوب سوريا، مقراً لها. إلا أن كلا من روسيا وسوريا قد قالتا إن الجانب الذي تدعمه الولايات المتحدة كان هو المعتدي.
جديرٌ بالذكر أن مناطق المتمردين لا تزال قائمة في الجنوب، بدعم من الولايات المتحدة والأردن؛ وهي المنطقة التي تُشكل أيضاً بؤرة للتوترات بين إسرائيل وإيران، حيث يحفر حزب الله بالقرب من مرتفعات الجولان التي تسيطر عليها إسرائيل. وقد تسببت أسباب الصراع والأطراف المتحاربة في عرقلة الجهود الدولية لصنع السلام. وتوقفت محادثات السلام التي تدعمها الأمم المتحدة في جنيف، كما امتلأ “الحوار الوطني” الذي عقد في روسيا بمؤيدي حكومة الأسد، والذي يبدو كما لو كان يهدف للتصديق على النصر العسكري.
بعد سبع سنوات من القتال، هناك ما يُقدر بنحو 400،000 حالة وفاة ، و11 مليون سوري نزحوا من ديارهم – وهو أكثر من نصف عدد السكان – كما يبدو أن العديد من المسؤولين والمحللين الدوليين قد بدأوا بالفعل في التفكير في مسألة كيفية إعادة بناء سوريا بعد ما رأوا أن استعادة سيطرة الأسد على الحكم لا مفر منها. يُذكر أن بعض الدول الأوروبية والآسيوية تعهدت بالفعل بعقود لإعادة الإعمار، تقدر بمليارات الدولارات، في حين قد فازت روسيا وإيران بالفعل بامتيازات البنية التحتية.
وحتى إذا ثبت أن موقف الأسد مضمون، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، إلى متى ستستمر تلك الحرب الفتاكة.

*ساهمت ندى حمصي في التقرير من بيروت.كُتب المقال من قبل آن برنارد و هويدا سعد.
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع New York Times لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
سمر فيصل – صحافية سعودية
عانت سمر بدوي من إيذاء نفسي كبير بابلاغها كذباً ان ابنتها الرضيعة واخيها القاصر قد تعرضا لحادث وتوفيا، في محاولة للضغط عليها للاعتراف بأنشطتها المزعومة مع جهات خارجية وغيرها من التهم التي تسعى الحكومة السعودية لإلصاقها بها زوراً
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني