واقعنا في ثلاث كلمات غائبة: Argument و Empathy و Privilege

"حدود لغتي حدود تفكيري" بحسب جملة شائعة للفيلسوف النمساوي فيتنجشتاين؛ اللغة هي حد ما يستطيع العقل وعيه. ما لا تستطيع التعبير عنه يصعب عليك فهمه أو تصوره، ناهيك عن تطبيقه مُمَارسةً وقيمة.

“حدود لغتي حدود تفكيري” بحسب جملة شائعة للفيلسوف النمساوي فيتنجشتاين؛ اللغة هي حد ما يستطيع العقل وعيه. ما لا تستطيع التعبير عنه يصعب عليك فهمه أو تصوره، ناهيك عن تطبيقه مُمَارسةً وقيمة. قدرٌ هائلٌ من واقعنا، ثقافةً (بمعناها الواسع من عادتٍ وتقاليد وممارسات يومية) وفكراً وسياسة يختصره غياب ثلاث كلمات – فقط ثلاث – مستخدمة على نطاقٍ واسع في الإنكليزية لا مرادف شائعاً لها في العربية، سواء في الفصحى أو في لهجاتنا العامية. الغياب هنا حضورٌ لواقعٍ مأزوم.

  1. Argument، ترجمتها أنا “مُجَادَلة”، بضم الميم وفتح الجيم والدال. قدم غيري ترجمةً أفضل: “مُحَاجّة” بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الجيم. للكلمة في الإنكليزية أكثر من معنى، أحدها “جدل حاد” أو “نقاش ساخن”، لكن المعنى الذي يعنينا هنا، والمستخدم في سياقات البحث الأكاديمي والنقاش في المجال العام، بما في ذلك السياسة، وفق قاموس أكسفورد للغة الإنكليزية: “سبب أو مجموعة من الأسباب تدعم فكرة، فعل أو نظرية”، من ثم “المُحَاجّة”، التي ترتبط بـ”الحُجة” و”المُحاججة” ترجمة أدق.

“المُحَاجّة” ركن أساس في نظم تعليمٍ غربية معاصرة، إن لم يكن فيها جميعاً، فالغرض الأساس من العملية التعليمية ليس حشو رأسك بهذه المعلومة أو تلك، بل تربية رغبتك في البحث والتفكير، ومن ثم مساءلة وتمحيص ما قد يتوفر من إجابات. الشك والفردية هنا قيمتان إيجابيتان، والمهارة الرئيسية هي قدرتك على صياغة رأيك أنت. المنطق هنا، أو “قاعدة العمل” (modus operandi) بحسب التعبير اللاتيني المستخدم في الإنكليزية، أن لا سلطةَ فوق المساءلة نقداً وتدقيقاً، مع ما يعنيه ذلك، بخاصة في السياق الأكاديمي، من التزامٍ بمنهجيةٍ متفقٍ عليها. من ثم تعريف قاموس أكسفورد أعلاه “سبب أو أسباب تدعم فكرة، فعل أو نظرية”.  صِغ وجهة نظرك لكن ابحث عن حججٍ تجبر من تناقشه على الاستماع لك، والمنطق نفسه ينسحب على علاقتك بالسلطة وأصحابها في المجال العام. “المُحّاجة” نتاجٌ للحرية جواً وشعوراً وتربية والتزاماً، أنستغرب إذاً غيابها لغةً بيننا؟

  1. Empathy”  وهذه ترجمها البعض بـ “تعاطف” أو “تقمص عاطفي”، والتعبير الأخير على ثقله أدق. أقرب ما وصلت إليه: “تَمَاكن”. التعبير، في اللغات الأوروبية، حديثٌ نسبياً إذ يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر حين صاغه الفيلسوف الألماني رودلف لوتز في كلمةٍ استوحت تراث الإغريق القدامى “Einfühlung ” التي عنت تقريباً “تشعر أنك في”، أي في جسدٍ أو كيانٍ آخر، ثم ظهرت كلمة empathy، الإنكليزية أوائل القرن العشرين والتي قدمت المعنى نفسه جامعة كلمتين يونانيين: “في- الشعور”، مقتربة من التعبير اليوناني الأصلي الذي استوحى منه الألماني لوتز مصطلحه. الطريف أن استعمال المصطلح في الإنكليزية اختلف في بدايته عن معناه اليوم إذ عنى أن تشعر بأنك في شيء ما، لا شخص، واستعمل في سياق الفن للتشبيه: مثلاً هل إن نظرت إلى رسم شعرت بما تشعره حبات العنب فيه من برودة أو سخونة؟ تحت ثلج أو في الشمس؟ لكن مع الوقت اقتصر التعبير تقريباً على القدرة على الإحساس بمشاعر الآخرين كأنك مكانهم، لا فقط التوقف عند العطف عليهم أو الإحساس بالأسى لما يشعرون، من ثم “التماكن” الذي اقترحته كترجمة. 

  2. قاموس أكسفورد عرّف الكلمة كما يلي: “القدرة على فهم مشاعر شخص آخر ومشاركتها”، معلقاً بتمييز لها عن “symapthy” ، تعاطف، التي تعني “الإحساس بالشفقة والأسى لسوء حظ شخصٍ آخر”. الأولى تضعك مكان شخص آخر (“في حذائه” كما يقول التعبير الشائع بالإنكليزية)، الثانية تقف عند الأسى وبعض العطف، فرق الدلالتين العاطفية والأخلاقية واضح. لذلك يربط علماء النفس النزعة للإجرام بغياب القدرة على “التماكن”، فإيذاء الغير أسهل كلما ازداد عجزك عن وضع نفسك مكانهم. لذلك لا وزن أخلاقياً للتماكن في الحديث عمن تراهم مرتبطين بك، بل القيمة في وضع نفسك مكان غيرك أياً كان بعده منك، أو اختلافه معك، اجتماعياً أو عقائدياً.

  3. لا أظن أن مفهوماً كهذا كان له أن يظهر حين كان الأوروبيون يذبحون بعضهم بعضاً بمئات الآلاف عبر القارة العجوز باسم الدين في حروب الكاثوليك والبروتستانت في القرنين السادس والسابع عشر (فيما يعرف باسم “حروب الدين”)، ولا أظن أيضاً أن ايدلوجية كالنازية كان لها أن تعيش مع مصطلح كهذا، وإن كان ألمانياً من صكه.

  1. Privilege: أخيراً أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه في حال اتهمه التحقيق في قضية التدخل الروسي في الانتخابات فإن له أن يعفو عن نفسه. التعبير العربي الشائع عن هذه القدرة القانونية التي ربما يملكها ترامب بحكم المنصب الذي يشغله أن عفوه عن نفسه “حقٌ” للرئيس. لكن “الحق” قطعاً ليس ما يصف “قدرة” الرئيس. التعبير القانوني الأدق ان الرئيس قد يملك القدرة أو ميزة منصبه (privilege) التي تخوله العفو عن نفسه، بما يخالف روح أي نظامٍ قانوني أياً كان، إذ إن الرئيس هنا فعلياً فوق المساءلة ناهيك بالعقاب. منطقٌ قد يكلف ترامب، مع أقوال وأفعال أخرى كثيرة مشابهة، رئاسته.

ليس من استعمالٍ شائع في العربية يفرق بين “الحق” و”القدرة” أو “الميزة” القانونية. الدلالة، أو المعضلة، الأخلاقية، واضحة. ما تسمعه عادة، بل وما تقرأه، مثلاً لا حصراً، أن من حق المدير أو صاحب العمل فصل من أراد أنى شاء من دون أبداء الأسباب، هل يعتبر هذا حقاً؟ أم قدرة تفتقد البعد الأخلاقي؟ هل يحدد ذلك العقد برضى الطرفين، أم السياق الاجتماعي والعرف، ومن ثم هل هو “حق” مقبولٌ أخلاقياً أم عسف نتيحه “ميزة” صاحب القرار و”قدرته”؟

هل هذه المفاهيم غائبةٌ كلية عن تراثنا؟ قطعاً لا. هناك نصوصٌ دينية كثيرة، مسلمة ومسيحية، سمعناها جميعاً منذ نعومة أظفارنا، تحمل في طياتها “التماكن”، لكن أي دلالة كارثية لغياب الكلمة، ومن ثم المفهوم، أو على الأقل هامشيته؟ الحوار والجدال جزء أساس من تقليد التدريس في المدارس الإسلامية التقليدية، ناهيك عن التعددية الفقهية، داخل المذهب الواحد وبين المذاهب، التي لا يستطيع إنكار وجودها أحد.

صحيح، هذا التقليد تحده العقيدة الإسلامية، لكن حتى مبدأ الحوار والاختلاف في حدود الإيمان يبدو غائباً. الميزة والحق؟ هل يحتاج الفرق إلى شرح؟ لكن إن غابت القدرة على الجدل أو وضع نفسك مكان غيرك، ومن ثم تأكيد عجزك عن مساءلة السلطة أو تخيل نفسك مكان من ظلمته هذه السلطة، اللهم إن تعرضت أنت لظلم، كيف لك أن تفرق بين حق وقدرة؟ لكن لننبش من تراثنا القيم التي بها ولها نؤصل هذه المفاهيم، ناهيك بنحتها لغوياً. لنصل إلى ذلك لا بد لنا من الفكاك مما، مرة أخرى لا مرادف شائع له بالعربية: living in denial، إنكار الواقع.

إقرأ أيضاً:

الكرم قاموساً ومزاجاً من الأردن إلى المغرب 

نظام يوليو 52 وخلق الشرعية: ما نجح وما قد ينجح

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني