يا أعزائي فلاديمير بوتين ليس فلاديمير لينين وروسيا ليست الاتحاد السوفياتي

طوال الفترة الماضية تناسى "يسارجيون" و"قومجيون" و"مقاومجيون"، أو تجاهلوا أن فلاديمير بوتين ليس فلاديمير ايليتش لينين، وأن روسيا ليست الاتحاد السوفياتي، في غمرة إعجابهم بالأول، ومساندتهم روسيا في تمردها على زعامة القطب الأوحد، وظنّهم أن ذلك سيودي إلى عالم متعدد الأقطاب.

طوال الفترة الماضية تناسى “يسارجيون” و”قومجيون” و”مقاومجيون”، أو تجاهلوا أن فلاديمير بوتين ليس فلاديمير ايليتش لينين، وأن روسيا ليست الاتحاد السوفياتي، في غمرة إعجابهم بالأول، ومساندتهم روسيا في تمردها على زعامة القطب الأوحد، وظنّهم أن ذلك سيودي إلى عالم متعدد الأقطاب.

هؤلاء تناسوا أو تجاهلوا أن بوتين أتى إلى حكم روسيا من دوائر المخابرات، ليتحكم بسلطتها منذ أواسط التسعينات، لا سيما بعد استلامه سدة الرئاسة عام 2000، وللمصادفة هو العام الذي أصبح فيه بشار الأسد رئيساً للنظام السوري، ومصدر إعجابهم بذلك الرجل أنه يحاول استعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي (السابق)، وكأن ذلك كان مجدهم، وأنه ينافح في مواجهة الإمبريالية الأمريكية، كأن بوتين لا يستجدي تلك الامبريالية، أو يساومها، على رفع العقوبات التكنولوجية التي فرضتها على بلاده، لا سيما بعد أزمة أوكرانيا (2014)، ما يكشف حقيقة أن الدولة التي يعولون عليها، ويظنون أنها عظمى، تستجدي الدولة الأخرى (الولايات المتحدة) لرفع العقوبات عنها؛ في مفارقة صارخة، وفاضحة.

من ذكرناهم تناسوا أو تجاهلوا، أيضاً، أن الزعيم بوتين يحكم البلد كفرد، وينتهج الليبرالية المتوحشة على الصعيد الاقتصادي، وأن روسيا التي يظنونها دولة عظمى تعتمد أساساً على صادراتها من النفط والغاز، وأن مستوى القطاعات الإنتاجية فيها متدنٍّ، كمّاً وكيفاً، وأنها تعد في المكانة 11 من الناحية الاقتصادية في العالم، مع ناتج قومي سنوي قدره 1.58 تريليون دولار، في احصاءات العام الماضي، في حين تحتل الولايات المتحدة المكانة الأولى، مع ربع الناتج الاجمالي العالمي (80 ترليون دولار)، بناتج قدره 19.4 تريليون دولار، أي نحو 12 ضعف الاقتصاد الروسي، تليها الصين، (12.2 تريليون دولار)، ثم اليابان (4.8 تريليون دولار)، وبعدها ألمانيا (3.6 تريليون دولار)، فالمملكة المتحدة (2.6 تريليون دولار)، ثم الهند (4.6 ترليون دولار) وفرنسا (2.4 ترليون دولار)، والبرازيل (2.1 ترليون دولار) وإيطاليا (1.8 ترليون دولار)، وفي المرتبة العاشرة كندا (1.6 ترليون دولار). أي أن روسيا بعد كندا وإيطاليا والبرازيل والهند، وبين هذه الدول وكوريا الجنوبية وأستراليا واسبانيا واندونيسيا. (RT، 13/7/2018).

المصادفة لا تتعلق بوصول بوتين إلى سدة الحكم في روسيا مع وصول بشار الأسد إلى سدة الحكم في سوريا، وإنما هي تتعلق بالتشابه الكبير بين النظامين

وعلى رغم أن روسيا هي دولة مصدرة للسلاح، وأن سلاحها مدمّر، إلا أنها لا تمتلك أسلحة متطورة بالقدر الذي يستطيع فيه الصمود أمام دولة أخرى تمتلك أسلحة حديثة، ولعل ما حصل في “المناورة” الإسرائيلية، إن صحّ التعبير، يؤكد ذلك، إذ سقطت طائرة روسية بسلاح روسي، بأيد سورية، كنتاج لتخلف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأسلحة الروسية، وهذه باتت مسألة حاسمة في حروب اليوم. وربما تجدر الإشارة هنا إلى أن صادرات السلاح لا تعبر عن تطور في البني الاقتصادية ولا تشكل كتلة كبيرة بالنسبة إلى حجم الموارد، إذ إن الرئيس بوتين نفسه صرح بأن صادرات السلاح الروسية بلغت 15 مليار دولار (RT، 7/11/2017)، علماً أن إسرائيل الصغيرة تصدر أسلحة بما قيمته 9 مليارات دولار سنوياً، وأن الولايات المتحدة التي تحتكر ثلث صادرات السلاح في العالم تنفق نحو عشرة أضعاف ما تنفقه روسيا على التسلح، فالأولى تنفق بين 600 و700 مليار دولار سنوياً، في حين تنفق الثانية بين 60 و70 مليار سنوياً.

بيد أن مدى الادعاء والرياء والسذاجة، لا يتوقف على ما  تقدم، إذ هو يشمل حقيقة أخرى مفادها أن روسيا تلك تربطها علاقات وطيدة بإسرائيل، إلى درجة أنها تنسّق معها تماما، في كل شيء في سوريا، وأنها وافقت على طلبها إبعاد القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها، عن حدودها، إلى مسافة 80 كلم، بل إنها تنسق معها الضربات التي توجهها إلى تلك القوات، بين فينة وأخرى، وتسكت حتى عن ضربها قواعد النظام، بدعوى حماية أمنها القومي، إضافة إلى أن  الرئيس بوتين هو أول رئيس روسي يزور إسرائيل (2005)، للقاء رئيس حكومتها وقتها اريئيل شارون، وفي العامين السابقين التقى برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو أكثر من عشرة مرات، وهما متفقان على تحجيم نفوذ إيران، وأن كل المشكلة بينهما الآن تتعلق بإسقاط طائرة روسية، وليس أي شيء اخر.

بيد أن من نقصدهم لا يهمهم كل ذلك، أي لا تهمهم حقائق السياسة، ومعطياتها العملية، إذ إن ما يهمهم، هو إرضاء ذواتهم، وتبرير مواقفهم، عبر تصديق ادعاءات روسيا، وتبجّحات زعيمها بوتين، الذي لا يستعرض أسلحته إلا على لحم السوريين، في حين أن تلك الأسلحة، ومعها أنظمة الدفاع الجوية، لم تثبت شيئاً، تجاه طائرات بدون طيار، بعد استهداف ثماني طائرات في مطار حميميم أوائل هذا العام، وإسقاط طائرة بصاروخ ارض جو في شباط/ فبراير الماضي، وضمن ذلك قضاء القوات الأميركية، على مئات المرتزقة الروس الذين حاولوا تجاوز الخط الأحمر الأميركي، بمحاولتهم العبور إلى شرق الفرات وقتها، وكما شهدنا فإن القيادة الروسية سكتت عن ذلك بدعوى أن هؤلاء مجرد مرتزقة روس.

في أي حال فإن المصادفة لا تتعلق بوصول بوتين إلى سدة الحكم في روسيا مع وصول بشار الأسد إلى سدة الحكم في سوريا، وإنما هي تتعلق بالتشابه الكبير بين النظامين، الروسي والسوري، على كافة الأصعدة، وضمنها التبجحات والادعاءات ونمط الحكم والتسلط.

إقرأ أيضاً

نقاش عن سوريا من دون سوريين

المعارضة السورية تخسر الصراع على الصورة

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني