هل ينجح ماكرون في هيكلة الاسلام في فرنسا؟

في مقابلةٍ أجرتها معه صحيفة "لو جورنال دو ديمانش" مطلع الشهر، وبعد انتظار طويل، تحدّث الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن تصوّره ورؤيته لما سمّاه "إعادة هيكلة الإسلام في فرنسا". إنه الموضوع الذي شكّل مادة جدل كبير منذ عهد الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي أعلن رغبته في أن يكون الإسلام فرنسياً متماشياً مع مبادئ الجمهورية الخامسة. عاد موضوع الإسلام في فرنسا ليتصدّر المشهد السياسي-الإجتماعي في البلاد بعد مقابلة ماكرون الأخيرة.

في مقابلةٍ أجرتها معه صحيفة “لو جورنال دو ديمانش” مطلع الشهر، وبعد انتظار طويل، تحدّث الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن تصوّره ورؤيته لما سمّاه “إعادة هيكلة الإسلام في فرنسا”. إنه الموضوع الذي شكّل مادة جدل كبير منذ عهد الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي أعلن رغبته في أن يكون الإسلام فرنسياً متماشياً مع مبادئ الجمهورية الخامسة. عاد موضوع الإسلام في فرنسا ليتصدّر المشهد السياسي-الإجتماعي في البلاد بعد مقابلة ماكرون الأخيرة. إسلام فرنسا أو الإسلام في فرنسا ؟ تشكّل الديانة الإسلامية ثاني الديانات في فرنسا بعد الكاثوليكية، ولا يمكن العودة لأرقام رسمية لإحصاء عدد مسلمي البلاد لأنّ الدستور الفرنسي لا يسمح بعمل إحصاء سُكَّاني يرتكز إلى الدين أو العرق أو اللون، ولكن توجد بعض الجهات المستقلّة من مؤسسات ومراكز أبحاث التي أحصت تعداداً للسُّكان المسلمين في فرنسا، وبحسب الأرقام الأخيرة فإنّ نسبة المسلمين- وغالبيتهم من الجزائر والمغرب وتونس- بلغت حوالي ٨٪؜ من نسبة إجمالي السكان، أي ما يعادل حوالي ال ٦ ملايين نسمة. وعلى الرغم من أن الأغلبية الساحقة من الفرنسيين ذوي الثقافة الإسلامية، هم مواطنون فرنسيون حاصلون على الجنسية الفرنسية، فإنّ الغمز عادةً يكون من باب “الإنتماء المزدوج”. تهمة يردّ عليها هؤلاء، وبعض المثقفين الفرنسيين المنتمين إلى اليسار، باستمرارية تمسّك فرنسا ب “خطاب مزدوج”، يرتكز بشكل رئيسي على دعوة علانية للإندماج في النسيج الفرنسي من ناحية، وعلى ترسيخ فعل تدخّل الدول التي ينحدر منها المسلمون في شؤون هؤلاء من ناحية أخرى. مع الإقتراح الذي تقدّم به وزير الداخلية الفرنسي سنة ١٩٩٩ جان-بيار شوفونمان بتأسيس مجلس فرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) لتمثيل مسلمي فرنسا وضبط العلاقة مع الدولة، دخلت فرنسا فعلياً في البحث عن إسلام ذائب في العلمانية العمومية (قانون ١٩٠٥)، القانون نفسه الذي لا يريده ماكرون أن يكون عنواناً ل “حرب هوياتية”، فالعلمانية عنده “حرية وحماية قبل أن تكون فعل منع وتعدّي”. أبصر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية النور سنة ٢٠٠٣ بتشجيع من وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي، وأخذ على عاتقه تنظيم العلاقة مع الدولة في ما يخصّ بناء المساجد والتجارة الحلال وتأهيل الأئمة وتحديد الأعياد الإسلامية. لكنّ الأمور تغيّرت في الفترة التي تلت اجتياح العراق والحرب على الإرهاب، وتعزّزت مع اندلاع الانتفاضات العربية ولبسها لبوساً اسلامياً، إذ أصبح مسلمو فرنسا مطالبين بشكل دائم بترجمة رفضهم للإرهاب والمزايدة على العلمانية الفرنسية. إلا أنّ السؤال عن رغبة حقيقية لدى مسلمي فرنسا في خضوعهم لقوانين الجمهورية والتزامهم بالدستور كفاصل وضابط فعليّ لممارساتهم الإجتماعية، ييقى مشروعاً، ومفتوحاً على احتمالات سلبية عديدة: أوّلها رفض شرائح واسعة من هؤلاء لفوقية القانون الوضعي، على حساب الشريعة الإسلامية المستمدة من القرآن والسنّة النبوية، بوصفها دستورا للمسلمين، وقد بيّنت الأرقام الأخيرة للدراسة التي أجراها مركز Montaigne أنّ ٢٩٪؜؜ من المسلمين الفرنسيين يرون في الشريعة الإسلامية دستورهم الأول. وثانيها أنّ الحالة الأهلية للمسلمين في فرنسا ليست مرتبطة بشكل وثيق بالمؤسسات الإسلامية التي وقّعت على “ميثاق العلمانية”، وأعلنت مرارا التزامها بمبادئ الجمهورية، اذ لم يسمع سوى ٤١٪؜ من المسلمين بالمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي تأسس من ١٥ سنة ! خطة ماكرون وفرص نجاحهافي الإليزيه، كلام كثير عن رغبة ماكرون في تناول هذا الملف الشائك بهدوء لأنّ الرئيس الشاب يريد أن ينجح في “هيكلة الإسلام”، حيث أخفق الرؤساء السابقون، وهو يعلم جيدا أنّ انتقاء الكلمات يعدّ المهمة الأصعب في فرنسا. على نفس الموجة، يلتقي وزير التربية جان-ميشال بلانكيه مع الرئيس على أهميّة التعاطي بشكل تصاعدي مع هذا الموضوع، اذ أنّ “العلمانية في فرنسا ليست مفهوما ثابتا، بل هي في تطوّر مستمرّ، غرضه الأساسي ضمان سيادة الدولة وحرية المعتقد تحت سقف الدستور”. في تصوّر ماكرون، الذي يستعين بمستشارين ومفكّرين ودراسات ليوسف صديق وجيل كيبيل وحكيم القروي (الرجل الذي كتب خطاب الرئيس التونسي الأخير المخلوع زين العابدين بن علي)،فإنّ الخطوة الأولى من الخطة التي وضعها للنصف الأول من العام الحالي، هي دعوة رجال الدين من أئمة وعلماء ومفكرين إسلاميين لتحقيق ما يعرّفه ب “الإنسجام المدني”، وهذا الأمر يرتكز على إعطاء بعد مؤسساتي للدين الإسلامي (Strapontin institutionnel)، أي تعليبه في مؤسسة جمهورية، بهدف نزع أنياب الأصوات التي تعلو يميناً ويساراً من المساجد والمراكز الدينية. ولا يخفي مقرّبون من الرئيس ماكرون تأثرّه بالفيلسوف الألماني هابرمارس (الذي التقاه خلال حملته الإنتخابية العام الماضي) ونظرته ل”مجتمعات ما بعد العلمانية”، اذ  يرى في قياس فرنسي أنّ الشخص العلماني لا يحق له، “طالما يقدم نفسه بدوره كمواطن، ألا ينكر الصحة الممكنة للتصورات الدينية حول العالم، ولا حرمان المواطن المؤمن من حقه في التعبير بلغة دينية، وطرح مواضيع للمناقشة عمومية.” وهذا منطلق رئيسي لإستيعاب المسلمين كأقلية دينية في فرنسا العلمانية. يحاول ماكرون، حسب المؤرخ ريمي براغ، التمييز بين الإسلام كدين والإسلام كدستور، وهنا يكمن التوجّس والخوف لدى طيف واسع من الفرنسيين، يرى،عن سوء تقدير وعدم تبحّر ومخاوف مشروعة،  في الإسلام غزواً ثقافيا لثقافة سائدة. لكنّ براغ يشيد بقدرة ماكرون على الفصل بين إسلامين : واقعي، وهو إسلام محمد، ومثالي، وهو إسلام الأصوليات الصاعدة. ويستعين ماكرون في هذا السياق، بناء على نصيحة المؤرخ جان بوبيرو، بدراسات سيكولوجية أعدّها الباحث التونسي فتحي بن سلامة لفهم الأسباب النفسية والإجتماعية التي تدفع بجيل من الشباب الفرنسي للتطرّف. من بين المقترحات التي يدرسها ماكرون تنصيب إمام للمسلمين في فرنسا في شكل يشبه الحالة الباباوية في الفاتيكان. ولا يتوقّف ماكرون عن التلميح إلى الدور الخارجي في إرسال أئمة لا يعترفون بالجمهورية ودستورها العلماني، وهو لذلك يرغب في تحضير أئمة المساجد بشكل يسمح في “بثّ خطاب إسلامي متسامح”، فإصلاح الإسلام، “لن يكون عبر مرسوم صادر من الإليزيه.”. ويضيف “هذه مسؤولية المسلمين حتما، لكنها أولوية الدولة أيضا”. في أوكتوبر ٢٠١٦، أثناء تجوله في مدينة مونبيليه في حي “لا باياد” (La paillade) الذي تسكنه غالبية مسلمة، ولم يكن بعدها قد طرح نفسه مرشحا للرئاسة، اقترب  شاب من ايمانويل ماكرون، عرّف عن نفسه بأنّه “مسلم سلفي” وقال له بعد الخطاب الذي ألقاه في المدينة وفيه صوّب على المال الخليجي الذي يستثمر في ترسيخ الأصولية في فرنسا، “هل تعلم أنك في حي يعيش فيه مسلمون سلفيون يمارسون شعائرهم ولهم الحق في ذلك وأنت تهاجمهم ؟”. جواب ماكرون الهادئ ذهب إلى التدليل على جمعيات تخالف قوانين الجمهورية الفرنسية في الفضاء العام، “عندما لا نحترم المساواة بين الرجل والمرأة نكون قد خرجنا من حيّز الحرية الفردية لممارسة الشعائر الدينية”. يبدو ماكرون واثقا من الفريق الذي يعمل معه على ملف “إعادة هيكلة الإسلام”، رغم الإنتقادات العديدة التي طالت وجوها في هذا الفريق، كالقروي، وكيبيل وآخرين، ولا يعبّر عن خوفه من الذهاب بعيدا في هذا الموضوع، كما ورد في “الجورنال دو ديمانش”، وتبقى التساؤلات عن أولى  الخطوات التي ستترجم في القريب العاجل ومدى فعاليتها في تحويل الإسلام إلى دين جمهوري في فرنسا. [video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
استأنفت الدول الأوروبية في الفترة الأخيرة وارداتها المثيرة للجدل من الفوسفات السوري وهو مكون رئيسي في صناعة الأسمدة. وتثري هذه التجارة، التي تستمر بسبب ثغرات في تطبيق العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، الأوليغارشيين الخاضعين للعقوبات والمنتفعين من الحرب والكيانات الحكومية السورية.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني