fbpx

مأساة البطالة في المغرب: كارثة تتفاقم مع سياسات الليبرالية الجديدة

الأرقام الرسمية في المغرب وحدها تدلل على حجم المأساة. مليون و200 ألف شخص عاطل عن العمل، وهو رقم لا يأخذ بعين الاعتبار ملايين أخرى من أشباه العاطلين، أو الذين يزاولون مهناً بشكل غير منتظم. عاطل من كل اثنين يبحث عن أول وظيفة له، وما يفوق ثلثي العاطلين متوقفين عن العمل لمدة تفوق السنة، وزهاء 30 بالمائة من العاطلين مسرّحون من العمل.

الأرقام الرسمية في المغرب وحدها تدلل على حجم المأساة. مليون و200 ألف شخص عاطل عن العمل، وهو رقم لا يأخذ بعين الاعتبار ملايين أخرى من أشباه العاطلين، أو الذين يزاولون مهناً بشكل غير منتظم. عاطل من كل اثنين يبحث عن أول وظيفة له، وما يفوق ثلثي العاطلين متوقفين عن العمل لمدة تفوق السنة، وزهاء 30 بالمائة من العاطلين مسرّحون من العمل. أرقام مفزعة ولكنها توضح لماذا يسود الإحباط وسط الباحثين عن العمل، حسب المندوبية السامية للتخطيط (قرابة 84٪ من هؤلاء المحبطين المتوقفين عن العمل يقطنون في المدن، وما يزيد على 54٪ منهم شباب تتراوح أعمارهم ما بين 15 و29 سنة، وأكثر من 78٪ منهم حاصلون على شهادات جامعية أو مهنية).هذا الواقع المر – لا شك – يدفع شباب المغرب إلى السخط، بعضهم يغامر مهاجرًا، والبعض يسبح أو يغرق في عوالم الجريمة مثل تجارة المخدرات والدعارة والسرقات الصغيرة. قسم آخر يقاوم بأشكال مختلفة مثل امتهان تجارة الرصيف، وكل طرق التحايل من أجل الحصول على دخل، وهناك أكثر من 80 في المائة من العاملين لا يعملون في اطار تعاقدي مقونن،  وهناك من ينتقي أي من هذه الخيارات أو ينحيها كلها، وفي نفس الوقت  يسير في دروب التنظيم والنضال والاحتجاج، لانتزاع حق عزّ في زمن سياسات الليبرالية الجديدة  القاسية. علاقة المغرب بالمؤسسات المالية الدولية عريقة، إذ يرجع تاريخ أول قرض تلقاه المغرب من البنك الدولي إلى سنة 1962. ومنذ ذلك الحين تزايد تدخل تلك المؤسسات بالتعاون مع السلطات الحاكمة. وبين 1973 و1982 بلغت قروض البنك الدولي للمغرب 1559 مليون دولار، وسجلت أعلى معدل سنة 1981 حيث بلغت 293 مليون دولار. وبفعل تراجع أسعار الفوسفات ابتداء من سنة 1975، لجأت الدولة أكثر للقروض الخارجية، وساء الوضع مع ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية، إذ يستورد المغرب 98% من احتياجاته من الطاقة من الخارج.وعندما صار المغرب عاجزًا على الوفاء بالتزاماته المالية (لسداد أقساط الديون وتمويل التجارة الخارجية) في صيف ١٩٨٣، شرع في تطبيق برنامج تقويم هيكلي برعاية صندوق النقد الدولي. كان البرنامج كعادة النموذج المستخدم منذ تلك الأيام، والذي صار معروفا ًفي نهاية الثمانينيات، بتوافقات واشنطن، يدعم الخصخصة وسحب الدولة من مجالات اقتصادية برمتها، ويدعو لخلق مناخ داعم للقطاع الخاص، وتدفق الاستثمارات الأجنبية من حيث السياسات المالية والنقدية، (خفض عجز الموازنة وخفض الانفاق الحكومة والحفاظ على أسعار صرف وفائدة ملائمة للسوق). ويعني هذا ارتفاع أسعار السلع الغذائية والتموينية الأساسية، وخفض قيمة العملة المحلية، وخفض الاستثمار العمومي، ووقف التشغيل في القطاع العام، وتقليص الانفاق على الخدمات العامة الأساسية، وكلها إجراءات في نهاية المطاف تقلل من فرص العمل وترفع معدلات البطالة.  وخلال فترة التقويم 1983-1991، تضاعف معدل البطالة ليصل إلى ٢١٪. وفي العامين الماضيين ارتفعت نسبة البطالة من ٤ر١٠٪ إلى ٧ر١٠٪ ، من ٢٠١٦ الى ٢٠١٧. وتصل النسبة بين النساء إلى ١٥٪، ولدى الشباب بين 15 و24 عاما نحو ٢٦٪، وبين حاملي الشهادات قرابة ٢٠٪، هذا فضلا عن هشاشة حال العمل (عمل غير مستقر، وأجور أقل، وحماية اجتماعية منعدمة أو شبه منعدمة) المتوفر أصلا والذي يتركز في قطاع الخدمات. وتوقعت المندوبية ألا يزيد معدل النمو في العام الجاري عن ٨ر٢٪ مقابل ٤٪ سنة 2017، بفضل موسم فلاحي جيد في ذلك العام. ولا يخلق هذا النمو المتذبذب ما يكفي من فرص العمل، أو يخلق فرص عمل هشة للغاية. ويعبر هذا الوضع عن اعتماد مفرط للاقتصاد المغربي على قطاع الفلاحة وأيضا عن تأثره بالوضعية الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، التي تعد سوقه الرئيسية.  وزاد الانفتاح الاقتصادي المفرط بفعل انتهاج سياسات ليبرالية جديدة، برعاية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، من تفاقم أزمة الاقتصاد المحلي، إذ جعلته في مواجهة منافسة غير متكافئة، مع الاتحاد الأوروبي بخاصة، لأنه يشكل سوقه تصديرا واستيرادا وإقراضا. واستمر تدهور القطاع الصناعي، وهو المورد الرئيسي لفرص العمل، بل إن قسما منه بات مهددًا بالاندثار في قطاعات النسيج والجلد والصلب والميكانيك، والبلاستيك، حيث يشهد المغرب تصاعد استيراد ما كان يتم تصنيعه سابقا. وكل هذا جرى، ويجري، وفقا لتوصيات الاتحاد الأوروبي والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي، ومقتضيات منظمة التجارة العالمية. لقد أجبرت إملاءات المؤسسات المالية الدولة المغرب وذلك لا شك بموافقة وتعاون النخبة السياسية والتكنوقراطية على التحكم الصارم في التوازنات الاقتصادية الكبرى، من خلال التقشف القاسي في كل ما هو اجتماعي، وبالأخص وقف التوظيف بالقطاع العام لخفض نصيب الأجور من الميزانية العامة، وهو ما أدى إلى تفشي بطالة الشباب عموما، وحاملي الشهادات خاصة. ومنذ الثمانينيات كانت إملاءات هذه المؤسسات جذوة غضب جماهيري شهده المغرب. ووقعت انتفاضتان بفعل الغلاء، جراء تحرير واسع لأسعار مواد الاستهلاك الجماهيري التي كانت مدعومة من قبل، وأيضا بفعل إجراءات أخرى منها تجميد الأجور، ووقف التوظيف. وفي سنة 1990 جرت انتفاضة أخرى لنفس الأسباب، ونشهد الآن في السنوات الأخيرة تجددا لنفس النمط، لم ينته مع حراك ٢٠ فبراير/شباط ٢٠١١. وكمن في جذور هذا الحراك، كل المآسي التي سببها انتهاج سياسات المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها سياسة التشغيل التي أدت لبطالة متزايدة وسط الشباب، الذي كان الفاعل الأبرز في هذا الحراك. وكانت البطالة أيضا العامل المفجر للسخط الذي تجدد في احتجاجات الأشهر القليلة الماضية في منطقة الريف شمال المغرب ومدينة جرادة شرق المغرب، بالإضافة لمناطق أخرى تعاني من فقر وبطالة شديدين. وتظل المراكز الحضرية الكبرى، مثل الدار البيضاء، حتى الآن هادئة، ليس لأنها لا تعاني من نفس أسباب الاحتجاج، بل فقط لأنها توفر مصادر دخل هشة لآلاف المقصيين، والذين يفتقرون لمنظمات تدافع عن مصالحهم. وتنتشر شبكات المحسوبية والزبونية في المدن، كما أن أجهزة الأمن تبذل جهدا أكبر في قمع أي مبادرة للاحتجاج، مهما قلت أهميتها مثلما حدث مع محاولات باعة الرصيف للتنظيم والاحتجاج في البيضاء وبني ملال وغيرهما.ليست البطالة التي يشهدها المغرب قدرا محتوما، بل نتيجة سياسة تنهجها الدولة تلقي القادرين على العمل إلى هامش المجتمع، ليعانوا مختلف أوجه الحرمان. وتدعم أغلب القوى السياسية المغربية، يمينا ويسارا، هذه السياسات الليبرالية الجديدة، فقد نفذت حكومة عبد الرحمان اليوسفي “الاشتراكي” تلك السياسة في نهاية التسعينيات، ولم يختلف حزب العدالة والتنمية كثيرا بعد وصوله للسلطة في ٢٠١٢. أما القيادات النقابية فتساير هذه السياسات، بل وتساهم في تمرير بعضها مثل مدونة الشغل، وميثاق التربية والتكوين، وتعمل حاليا في مساعي يمكن أن تؤدي لتفكيك أنظمة التقاعد، والتحول للتشغيل بعقود في الوظيفة العمومية، وتفكيك صندوق دعم أسعار المواد الأساسية. هناك قوى يسارية تعارض هذه السياسات مع اختلاف بين ما تطرحه فرقها المختلفة، فمنها من يدعم التفاوض حول الديون الخارجية، ومنهم من يدعو لضرورة التوقف عن دفع اقساطها والقيام بعملية تدقيق شعبي لها. وتواصل جمعية أطاك المغرب، التي أنتمي إليها، مناهضة للسياسات الرأسمالية والليبرالية الجديدة، لأنها مهتمة بكشف ضرر هذه السياسات البالغ، والنضال من أجل إسقاطها، لصالح بديل مجتمعي حر وديمقراطي يدعم المساواة ويكرس الكرامة الإنسانية.   لقد انتجت العلاقة المستمرة للحكومات المغربية مع المؤسسات المالية الدولية، ولا تزال، نتائج كارثية على الاقتصاد المغربي الذي تعمق تخلفه. ولن تؤدي مواصلة نفس السياسات سوى لنفس الكوارث. لن يجدي الرهان على الخصخصة وإلغاء الدعم العمومي، وفتح الأسواق، والتعويل على الاستثمار الأجنبي المباشر، سوى في تعزيز تخلف وتبعية الاقتصاد المحلي للرأسمالية العالمية، وإجهاض فرص التنمية الحقيقية والمستقلة القائمة على الذات.*علي أزناك – كاتب مغربي وعضو جمعية اطاك[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني