fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

daraj admin

ana ladmin

مقالات الكاتب

٢٠١٨:  عام الناجين

لا يبدو أن العالم سيكون أجمل في العام ٢٠١٩. مؤشرات العام المنصرم سترخي بأثقالها على العام الذي ننتظره، وأمنياتنا بعام أجمل تصطدم بحقائق ثقيلة، ليس أقلها أنه عام يبلغ فيه العمر الرئاسي لدونالد ترامب ثلاث سنوات، وهو ما أفضى إلى ما صار يسمى بالـ”ترامبية العالمية”، ذاك أن الرجل يقف ليس على رأس السلطة في الولايات المتحدة الأميركية فحسب، بل على رأس العالم، وهو أنجب نظراء له في البرازيل وفي المجر وفي إيطاليا وفي النمسا، وها هي موجات اليمين المتطرف تتدفق على أوروبا فتهدد أنجيلا ميركل، وتنتزع بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتخوض حروبها الانتخابية متسلحة بمشاعر العداء للنازحين والمهاجرين.

أما نحن، أهل هذا المكان البائس من العالم، فالـ”ترامبية” أثمرت عندنا صوراً أكثر بؤساً وأشد قسوة، تبدو الحروب في ظلها خياراً مستمراً ومتواصلاً. ولعل أبرز صور الزمن الـ”ترامبي” لدينا هو ظاهرة الرؤساء والزعماء “الناجون”، والذين أسعفهم الزمن “الترامبي” بما يعينهم على الاستمرار في البقاء في السلطة على رغم الدماء التي أهدروها.

عندنا، كان العام ٢٠١٨ عام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الناجي الأول من جريمة ارتكبت تحت أنظار العالم كله. وما تحمله نجاة الأمير من دلالات ربما تفوق ما حملته نجاة أقرانه من الزعماء العرب. فجريمة إسطنبول التي أودت بالصحافي جمال خاشقجي تكثفت فيها صور هوان العالم وتهافته على مليارات الأمير وعلى وعوده وقابليته لدفع ثمن الجريمة مهما بلغ هذا الثمن، طبعاً باستثناء تخليه عن موقعه ملكاً بعد وقت ليس ببعيد. ولعل سقوط العالم في جريمة إسطنبول كان تكثيفاً لفكرة الزمن الترامبي. والقيم التي تداعت بفعل قبول العالم الجريمة تفوق بخسائرها قبول العالم جرائم أكبر، ذاك أننا كنا أمام جريمة لا لبس في هوية منفذها، والأخير لم يكن راغباً في إخفاء فعلته. قال للعالم ها أنا ذا، وهذا وجهي وتلك أدواتي التي قطعت فيها جسد الصحافي، وأذبت فيها أوصاله. والعالم قَبِل، وليس دونالد ترامب وحسب. فصورة ايمانويل ماكرون رئيس فرنسا، حاملة قيم الثورة الفرنسية والجمهوريات التي أعقبتها، مبتسماً إلى جانب الأمير بعد فعلته، تفوق في قسوتها صورة ترامب مدافعاً عن بن سلمان.

 

الـ”ترامبية” أثمرت عندنا صوراً أكثر بؤساً وأشد قسوة، تبدو الحروب في ظلها خياراً مستمراً ومتواصلاً. ولعل أبرز صور الزمن الـ”ترامبي” لدينا هو ظاهرة الرؤساء والزعماء “الناجون”، والذين أسعفهم الزمن “الترامبي” بما يعينهم على الاستمرار في البقاء في السلطة على رغم الدماء التي أهدروها.

 

الناجي الثاني في قارب العام ٢٠١٨ هو بشار الأسد، ففي هذا العام ثبت لنا أن قاصف شعبه بالسلاح الكيميائي باق في منصبه، ومرة أخرى قال لنا العالم أن الجريمة مهما بلغ وضوحها ووقعها لا تساوي مصالح رعاتنا، وأن فكرة “الأبد” التي ابتكرها أهل البعث في سوريا تصلح لنا. أكثر من ٥٠٠ ألف قتيل ونحو عشرة ملايين نازح ومدن وأرياف تحولت إلى ركام، كل هذا والأسد باق في موقعه في سوريا. واختتم العام بتوسع دائرة الانفتاح على قبول الجريمة في سوريا. الخليج عاد سياسياً إلى دمشق. أبو ظبي افتتحت سفارتها وكذلك البحرين والسعودية ليست بمنأى عن هذه الخطوات، ذاك أن أميرها باشر تسديد الديون التي أملتها جريمة إسطنبول. وكل هذا في ظل وهمٍ عربي متعاظم حول “ضرورة انتزاع الأسد من حضن طهران”. وأمام هذه الحقيقة المغرقة في مذهبيتها، قَبِل نظام الجريمة العربي مجرماً من غير مذهبه ومن غير ملته.

الناجي الثالث الذي أجاد علينا به العام ٢٠١٨ مختلف عن قرينيه في السعودية وفي سوريا لأنه نجا من دون موقعه. إنه الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك. ومن نجا في هذه الحال هو صورة مبارك وليس الرئيس ولا منصبه. فقبل أيام قليلة من انقضاء هذا العام ظهر علينا الرئيس المخلوع ماثلاً في المحكمة كشاهد في محاكمة نظيره المخلوع أيضاً محمد مرسي. مبارك وقف بكامل أناقته الرئاسية في المحكمة وبدا متماسكاً وناجياً تماماً من آثار مكوثه على رأس سلطة فاسدة نحو ٣٠ عاماً، فيما أمضى مرسي عاماً في الرئاسة تخللهما جموحٍ وشره اخواني لاحتكار السلطة، كانت كفيلة بأحكام إعدامٍ وسجن مدى الحياة. مشهد الرئيسان تحت قوس المحكمة، الأول شاهداً على “جرائم” الثاني، حمل مقداراً هائلاً من انعدام العدالة ومن اختلال القيم، وهو صورة مكثفة أيضاً عن ثقل العام ٢٠١٨ وعن قبحه.

ينتمي الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى فئة “الرؤساء الناجين”، من دون أن يكون قد نجا من ثورة أو من جريمة مباشرة. لقد نجا بوتفليقة من استحقاق العمر ومن الطموح إلى فكرة تداول الأجيال السلطات. النظام في الجزائر متمسك بصورة الرئيس، وبكرسي يجلس عليه عجوز يكاد لا يقوى على رفع يده. نجا النظام من رئيس جديد، ونجا بوتفليقة من استحقاق قضاء ما تبقى له من عمر خارج الكرسي. الفارق بينه وبين حسني مبارك كلمة واحدة، الأول هو الرئيس الحالي، والثاني هو الرئيس المخلوع. كلاهما لا يحكم، لكن كلاهما خارج دائرة المحاسبة. النظامان أبقياهما صوراً لأنفسهما، وحرصا على تثبيتهما بصفتهما زمناً لم ينقضِ. الصور أهم من أصحابها طالما أنها تغذي وترفد نظاماً منتصراً على أهله.

الناجون كثرٌ في العام ٢٠١٨. النظام العربي الذي كادت تطيحه ثورات، نجح في تحويلها حروباً، نجا بأكمله من تبعات جرائمه وفساده وفشله. أما غير الناجين في العام ٢٠١٨ فهم مئات الملايين من أهل هذه الحروب. فإذا كانت هذه حال سوريا والسعودية ومصر والجزائر، فالحال أسوأ في اليمن حيث الحرب ولدت مجاعة، وفي ليبيا حيث يكاد النفط يحرق أهله. أما فلسطين مفتتحة الخسائر فقد شهدت في هذا العام أرذل أفعال دونالد ترامب وصحبه من الرؤساء والملوك العرب. شهدت انتقال العالم من تل أبيب بصفتها عاصمة لإسرائيل، إلى القدس بصفتها العاصمة البديلة.

بهذه الحقائق الثقيلة، وبأكثر منها، سنستقبل العام ٢٠١٩. فعذراً من مستخدمينا على عدم إفراطنا بالتفاؤل، مع وعد بالاستمرار بمقاومة هذا الواقع.   

 

إقرأ أيضاً