fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

يوم مات السرطان تحت كندرة”مدام جورجيت”

كانت كنادر “مدام” جورجيت أجمل موسيقى تمرّ في أروقة مدرستنا. لم يكن ضجيجاً، كانت موسيقى. موسيقى الصباحات الجديدة، الأيام الدراسية الهانئة، أحلام الصغار، الأجراس التي تتمهل، وتلك التي تقرع بقوة، الحب. قد يأتي الحب من صوت كندرة لمعلّمة تحبّها. قد يأتي الحب من أي زاوية، من أي شيء. كانت أناقتها تلفتنا نحن الفتيات الصغيرات، وكنا يومها في السابعة.

مدام جورجيت دائماً على آخر طرز. كل يوم كندرة أجمل من التي قبلها. شعر مصفّف وثياب منسّقة. تحفة فنية تأتي كل يوم إلى صفّنا، وتقف أمامنا بابتسامة جميلة. لا تتكلم إلا الفرنسية. ولا تلفظ حرف الراء سوى بالـ”gh” (غ). كانت سيدة مثالية، السيدة التي نريد أن نكونها.

في فرصة الظهيرة كنا نجلس في الملعب ونتحدّث عن ثياب مدام جورجيت، فتعطي كل واحدة رأيها، وأحياناً كنا نتشاجر. كانت أناقتها اليومية أبرز مواضيعنا الخاصة.

انتهى العام، ثم أعوام كثيرة. مرّت معلمات كثيرات وناس وطلاب وكنادر وأحذية مستعجلة، وأخرى تتمهّل. حصلت أشياء كثيرة.

في 13 حزيران/ يونيو 2014، أنهت مدام جورجيت كل لوازم العام الدراسي المنصرم وقدّمت علاماتها وودّعت تلاميذها، وذهبت إلى المستشفى. قال الطبيب إن “كيس الشحم” الذي في صدرها بحاجة إلى استئصال، واستأصله.

توجّه إلى غرفتها وقال: “العملية نجحت”. تحضّرت مدام جورجيت للعودة إلى بيتها. لكنه أوقفها وأخبرها: “إنما هناك خلايا سرطانية، علينا أن نجري جلسات علاج كيماوي”.

“توقف العالم عند كلمة خلايا سرطانية”، قالت لي مدام جورجيت. “تجمّد كل شيء في ثانية واحدة”. قال الطبيب: “بعدها بإمكانك العودة إلى حياتك الطبيعية”… وأضاف: “شعرت بأن العذراء كانت معي في العملية، لا تخافي”.

هدأت مدام جورجيت وطفقت تعيد العمر ورقة ورقة. ماذا يحدث إن توقف العمر الآن؟ الأولاد؟ زوجها؟ طلابها؟ الحياة؟ الحياة برمّتها؟

“أتت النهاية، هذا ما شعرت به” قالت لي. وأضافت: “لم أجرِ في حياتي صورة لسرطان الثدي. لم أفكّر أبداً أنني معنية بالأمر. كانت الأيام تسير وكنت أركض. لم تكن الأيام تستطيع أن تواكبني في حبي للحياة. لكن ربما يأتي المرض لنفكّر بكل شيء، بكل نعمة نظنها غير مهمة، بكل لحظة حياة، لا نعيشها بملئها”.

“لم يكن نصراً. لقد مررت بالتجربة وانتهت”

“فسّر لي الطبيب المراحل التي علي أن أمر بها، العلاج الكيماوي وبعده العلاج بالأشعة. اتكلت على الله وباشرت الرحلة. قلت إن الحياة قد تنتهي الآن أو غداً، وعليّ فقط أن أكون سعيدة”.

“خلال العلاج الكيماوي، تساقط شعري. لم أنظر إلى المرآة لمدة 6 أشهر”، ثم استدركت: “شيء واحد بقيت أقوم به كل يوم، أن أضع الحمرة على شفتيّ وقرطين في أذنيّ. هذه أنا ولا يستحق المرض أن نكف عن حب أنفسنا من أجله”.

“حين فقدت شعري، حسدت الناس على شعورهم. أدركت قيمة النعم الصغيرة، مثل أن يكون لك شعرٌ مثلاً. حاولت أن أبقى عقلانية وألا أفقد إيماني بالله وبالحياة. قوة الله هي القوة التي نملكها. هذه القوة التي لا نفهمها إلا يوم نُحرَم منها”.

كل من زار مدام جورجيت دخل عابساً متشائماً لاعناً الدنيا، وخرج مبتسماً هادئاً، لأنها لم تتوقف عن الابتسام، حتى حين كان الألم أثقل من الجبال. تقول: “علينا أن نبتسم وحسب، وأن نستسلم لمشيئة الله. يحمل المرض الكثير من الحكمة وعلينا التقاطها. علينا ألا نخرج من التجربة كما دخلناها، علينا أن نفهم إشارات الحب والفرح حتى حين نتألم”.

“خلال فترة العلاج زارني أبونا يوسف، وقال إنه يحمل لي هدية. لم أحزر ما هي. لكنه أخبرني أنّها صلاة مشحة المرضى، وهي صلاة تصلّى عندنا نحن المسيحيين عادة على المرضى المشرفين على الموت. شعرت بأنّ الموت ههنا بجانبي، لكنني لم أكن خائفة. تمنحك الصلاة القدرة على المواجهة، حتى حين تكون المواجهة مع الموت”.

“العلاج الكيماوي أفقدني حاسة الذوق. صرت أطلب من زوجي أطعمة سكرية، على غير عادتي. كان يحضر لي كل ما أطلب، وكان أحياناً يختار العزلة ليحزن كما يشاء، حتى يستطيع بعدها أن يضحك من أجلي ومعي”.

“في يوم المريض العالمي طُلب مني أن أقدّم شهادة حياة. كنت ما زلت في مرحلة العلاج الكيماوي وكنت بلا شعر. قرّرت أن أتبرّج وأن أضع قرطين جميلين وشعراً مستعاراً، حتى يتقبلني الناس، أكثرت من أحمر الشفاه ولبست سترتي الحمراء الجميلة وهممت بالخروج. أحسست أنني أبدو جميلة جداً. لكن ابني أوقفني وأكد أن لا داعي لأي شعرٍ مستعار حتى أقدم شهادة حقيقية عن تجربة المرض. تركت الشعر المستعار في البيت ولم أضعها أبداً. توجّعت إلى المستشفى حيث كان الجميع بانتظاري. تحدّثت عن كل شيء وكانوا يصغون إلي بإنصات. مررت على المرضى الذين هناك وأضحكتهم. لا سعادة توازي أن تساعد المتألمين على الضحك، لا سيما حين تكون واحداً منهم”.

“في طريق العودة فكّرت أن الجمال الذي نملكه قد يتشوّه في لحظة. علينا فقط ألا نتشوّه من الداخل وأن نكون في سلام وشكر دائم لله”.

“حين بدأ شعري ينبت، عدت أنظر إلى المرآة وأتبرّج بهدوء”.

في أيلول 2014، بدأت مدام جورجيت تحضّر للعام الدراسيّ الجديد، وذهبت لتزيّن صفّها. لكنّ وعكة صحية فرملت الحياة مرة أخرى وأدخلت السيدة العظيمة إلى المستشفى. حملت هاتفها، اتصلت بالراهبة واعتذرت وأنهت خدماتها في المدرسة بعد 30 عاماً من الركض والتصحيح والتحضير. بعد 30 عاماً سكتت كنادر مدام جورجيت في أروقة مدرستنا، وسلّمت المهمة إلى من أتى بعدها.

“الخوف يدمّر المريض. المعنويات المرتفعة أكثر من نصف العلاج”.

شفيت مدام جورجيت، تستمرّ الآن في أخذ حبة دواء واحدة للوقاية.

سألتها: “هل تشعرين بالانتصار؟”.

أجابت: “لم يكن نصراً. لقد مررت بالتجربة وانتهت الحمد لله”.

أكتب الآن، لأنّ العالم مليء بالفراشات، ولا نريد أن نخسر فراشة واحدة بسبب السرطان. علينا أن نقاوم وأن نهتم بصحّتنا وألا نهمل الوقاية والكشف المبكر عن سرطان الثدي. لا أحد يريد أن تكفّ فراشة واحدة عن الطيران في بيته… أو في حياته.

إقرأ أيضاً:
الصديق الخياليّ عند البالغين… اضطراب أم شريك؟
المخدرات الرقمية كذبة.. تهويل.. أم إدمان؟

إقرأ أيضاً