fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

يوم قتلنا “بوسي”…

لا أذكر تماماً ما كان اسم تلك القطة. أذكر أنها كانت عرجاء ونتنة، وكان لونها أشقر. لنقل إنّ اسمها كان “بوسي”. وضعت بوسي قططاً صغيرة، صارت تلاحقها من مكان إلى آخر. كانت بوسي حنوناً جداً، تحبّ صغارها وتطعمهم (يحدث أن نستخدم صيغة العاقل لغير العاقلين، اللغة ليست سجناً، اللغة أن نشعر بما نكتب، عذراً سيبويه) من حليبها. كنّا نراقبها عن كثب، أولاد الحي وأنا.

في دار جدّي وجدتي اللذين رحلا الآن، كانت مواسم القطط تتجدد كل سنة، وأحياناً كل فصل. كانت الحديقة مزدحمة بالقطط. وصغار بوسي أضيفوا إلى عشرات القطط التي كانت هناك. فوق الشجر، بين الزهور، على بركة الماء، على الأحجار حيث كنا نجلس… في كل مكان ستصادف قططاً من كل الألوان والأحجام.

صبيان الحي دبروا المؤامرة وقرروا التخلّص من بوسي نهائياً. كانوا يريدون تعذيب أولادها، لا بل لنقل كانوا يودون مشاهدة فيلم “ما بعد قتل بوسي”، أيضاً كانوا يودون تجريب القتل…

كانت بوسي تعرج من مكان إلى آخر بحثاً عن شيء تأكله. حضّر الصبيان عُدة الجريمة، أحجاراً وعصياً… ولزوم الجريمة، أن ترغب في فعلها. نحن البنات كنا نتفرّج فقط. كنتُ الأكثر خوفاً هناك، والأقصر قامة، والأشد هشاشة. كنت طفلةً جبانة وخجولة وأبكي لأي سبب.

أمسك الأول قدم بوسي وكسرها نهائياً، على وقع صوت موائها، وضحكات الأولاد. تقوقعت بوسي في مكانها. قالت جدتي إنها تدعو علينا. وفُتح موضوع طويل عن أن القطط تدعو على من يؤذيها، وأن دعاءها يتحقق. سألتُ: “هل سنموت إذاً؟”. نظروا كلهم إليّ، من دون أن يقولوا أي شيء. كررت السؤال ثانيةً وثالثةً. ردّ قريب لي: “اسكتي باسكال”. فسكتت إلى أن انتهى كل شيء.

بدأتْ بعدها لعبة التعذيب بالحجارة. رموا بوسي بمليون حجر، على رأسها، على جسمها المسكين، على أقدامها، على وجهها. سقطت قواها تماماً. أصبح صوت موائها شبيهاً بجنازة.

أكتب لأنني نادمة على سكوتي يوم قتلت بوسي.

أكتب لأن العالم مليء بالقطط وأنا خائفة.

أصبح منظرها مؤلماً ومخيفاً. صغارها تحت الشجرة تقوقعوا وارتعبوا من فظاعة ما يحدث. لقد كانوا شاهدين على قتل أمّهم.

أخيراً أتت الضربة القاضية، ضربةٌ على الرأس بعصا خيزران رفيعة. سال دم بوسي. خفنا كلنا وابتعدنا. صرنا نركض بلا توقف، كما يفعل أي مجرم حين يتأكد أن كل ما خطط له قد تم وانتهى. لا أحد نظر إلى أحد. كانت الأعين محاكمات عادلة، ولم نكن نريد أي عدالة.

من قتل بوسي؟ كلنا؟ أم العصا الأخيرة؟ نحن المتفرّجات؟ الذين سكتوا؟ بقيت لمدة طويلة بعدها أفكّر إن كنت قد شاركت في تلك الجريمة أم لا. لا أذكر ماذا حل بصغارها، وبعد موتها لم يأتِ أحدٌ منا على ذكرها أو ذكر الحادثة. طويت صفحة بوسي تماماً.

بعد موتها، بدأت “فوبيا” القطط عندي والتي لا أظنها ستتوقف. لا شيء يرعبني كما تفعل القطط. لا أذهب إلى أي مكان قبل أن أسأل إن كان يحوي قططاً، أو إن كانت القطط تمر من هناك. لسنوات طويلة كانت تلك الفوبيا تسلية ودلعاً. إنما لم يعد الأمر كذلك الآن. جريمة قتل بوسي تلاحقني حتى اليوم.

قال الطبيب النفسي ذات مرة إنني شفيت تماماً. حقاً حدث ذلك، إنما لأيام، قبل أن تعاودني نوبات الرعب. ربما يكون دعاء بوسي قد أثمر حقاً، وها هي تعذّبني إلى الآن.

أكتب الآن عن بوسي وعن الفوبيا التي تخنقني، لأنني متعبة، وقد تكون الكتابة أفضل الأطباء. أكتب لأنني أخشى أن أنجب أطفالاً وتنسل إليهم جينات الخوف تلك. أكتب لأبوح بما يحدث في داخلي منذ سنوات، أنا أرتعب من احتمال مرور قطة، من القمامة، من الطرق، الحدائق، الشوارع الضيقة، البيوت، مداخل البيوت، النوافذ، شباط/ فبراير، أصوات القطط وهي تنتشي، أصواتها حين تجوع، حين تتألم وحين تحزن، عيونها إذا نظرت إليّ وإذا لم تفعل، من ألوانها، من موائها، من الشجر، من جارتنا التي تعيش مع قططها كعائلة واحدة، من قطع اللحم التي تضعها أمي قرب القمامة من أجل القطط، من جارنا الذي وعدني أن ينصب فخاً من السم حتى تموت قطط الحي.

يومها وافقت وتحمّست للفكرة، وأخبرت أختي، وقالت: “هذه جريمة”. شعرت بذنب قررت ألا أقترفه.

أكتب لأنني نادمة على سكوتي يوم قتلت بوسي.

أكتب لأن العالم مليء بالقطط وأنا خائفة.

إقرأ أيضاً:

مقبرة “الغرباء” في طرابلس: ملعبٌ للأولاد ملجأٌ للفقراء

بشير الجميل كما أحببته

 

إقرأ أيضاً