fbpx

هنا القصة الثالثة

ماجد كيالي

مقالات الكاتب

يا أعزائي فلاديمير بوتين ليس فلاديمير لينين وروسيا ليست الاتحاد السوفياتي

طوال الفترة الماضية تناسى “يسارجيون” و”قومجيون” و”مقاومجيون”، أو تجاهلوا أن فلاديمير بوتين ليس فلاديمير ايليتش لينين، وأن روسيا ليست الاتحاد السوفياتي، في غمرة إعجابهم بالأول، ومساندتهم روسيا في تمردها على زعامة القطب الأوحد، وظنّهم أن ذلك سيودي إلى عالم متعدد الأقطاب.

هؤلاء تناسوا أو تجاهلوا أن بوتين أتى إلى حكم روسيا من دوائر المخابرات، ليتحكم بسلطتها منذ أواسط التسعينات، لا سيما بعد استلامه سدة الرئاسة عام 2000، وللمصادفة هو العام الذي أصبح فيه بشار الأسد رئيساً للنظام السوري، ومصدر إعجابهم بذلك الرجل أنه يحاول استعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي (السابق)، وكأن ذلك كان مجدهم، وأنه ينافح في مواجهة الإمبريالية الأمريكية، كأن بوتين لا يستجدي تلك الامبريالية، أو يساومها، على رفع العقوبات التكنولوجية التي فرضتها على بلاده، لا سيما بعد أزمة أوكرانيا (2014)، ما يكشف حقيقة أن الدولة التي يعولون عليها، ويظنون أنها عظمى، تستجدي الدولة الأخرى (الولايات المتحدة) لرفع العقوبات عنها؛ في مفارقة صارخة، وفاضحة.

من ذكرناهم تناسوا أو تجاهلوا، أيضاً، أن الزعيم بوتين يحكم البلد كفرد، وينتهج الليبرالية المتوحشة على الصعيد الاقتصادي، وأن روسيا التي يظنونها دولة عظمى تعتمد أساساً على صادراتها من النفط والغاز، وأن مستوى القطاعات الإنتاجية فيها متدنٍّ، كمّاً وكيفاً، وأنها تعد في المكانة 11 من الناحية الاقتصادية في العالم، مع ناتج قومي سنوي قدره 1.58 تريليون دولار، في احصاءات العام الماضي، في حين تحتل الولايات المتحدة المكانة الأولى، مع ربع الناتج الاجمالي العالمي (80 ترليون دولار)، بناتج قدره 19.4 تريليون دولار، أي نحو 12 ضعف الاقتصاد الروسي، تليها الصين، (12.2 تريليون دولار)، ثم اليابان (4.8 تريليون دولار)، وبعدها ألمانيا (3.6 تريليون دولار)، فالمملكة المتحدة (2.6 تريليون دولار)، ثم الهند (4.6 ترليون دولار) وفرنسا (2.4 ترليون دولار)، والبرازيل (2.1 ترليون دولار) وإيطاليا (1.8 ترليون دولار)، وفي المرتبة العاشرة كندا (1.6 ترليون دولار). أي أن روسيا بعد كندا وإيطاليا والبرازيل والهند، وبين هذه الدول وكوريا الجنوبية وأستراليا واسبانيا واندونيسيا. (RT، 13/7/2018).

المصادفة لا تتعلق بوصول بوتين إلى سدة الحكم في روسيا مع وصول بشار الأسد إلى سدة الحكم في سوريا، وإنما هي تتعلق بالتشابه الكبير بين النظامين

وعلى رغم أن روسيا هي دولة مصدرة للسلاح، وأن سلاحها مدمّر، إلا أنها لا تمتلك أسلحة متطورة بالقدر الذي يستطيع فيه الصمود أمام دولة أخرى تمتلك أسلحة حديثة، ولعل ما حصل في “المناورة” الإسرائيلية، إن صحّ التعبير، يؤكد ذلك، إذ سقطت طائرة روسية بسلاح روسي، بأيد سورية، كنتاج لتخلف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأسلحة الروسية، وهذه باتت مسألة حاسمة في حروب اليوم. وربما تجدر الإشارة هنا إلى أن صادرات السلاح لا تعبر عن تطور في البني الاقتصادية ولا تشكل كتلة كبيرة بالنسبة إلى حجم الموارد، إذ إن الرئيس بوتين نفسه صرح بأن صادرات السلاح الروسية بلغت 15 مليار دولار (RT، 7/11/2017)، علماً أن إسرائيل الصغيرة تصدر أسلحة بما قيمته 9 مليارات دولار سنوياً، وأن الولايات المتحدة التي تحتكر ثلث صادرات السلاح في العالم تنفق نحو عشرة أضعاف ما تنفقه روسيا على التسلح، فالأولى تنفق بين 600 و700 مليار دولار سنوياً، في حين تنفق الثانية بين 60 و70 مليار سنوياً.

بيد أن مدى الادعاء والرياء والسذاجة، لا يتوقف على ما  تقدم، إذ هو يشمل حقيقة أخرى مفادها أن روسيا تلك تربطها علاقات وطيدة بإسرائيل، إلى درجة أنها تنسّق معها تماما، في كل شيء في سوريا، وأنها وافقت على طلبها إبعاد القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها، عن حدودها، إلى مسافة 80 كلم، بل إنها تنسق معها الضربات التي توجهها إلى تلك القوات، بين فينة وأخرى، وتسكت حتى عن ضربها قواعد النظام، بدعوى حماية أمنها القومي، إضافة إلى أن  الرئيس بوتين هو أول رئيس روسي يزور إسرائيل (2005)، للقاء رئيس حكومتها وقتها اريئيل شارون، وفي العامين السابقين التقى برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو أكثر من عشرة مرات، وهما متفقان على تحجيم نفوذ إيران، وأن كل المشكلة بينهما الآن تتعلق بإسقاط طائرة روسية، وليس أي شيء اخر.

بيد أن من نقصدهم لا يهمهم كل ذلك، أي لا تهمهم حقائق السياسة، ومعطياتها العملية، إذ إن ما يهمهم، هو إرضاء ذواتهم، وتبرير مواقفهم، عبر تصديق ادعاءات روسيا، وتبجّحات زعيمها بوتين، الذي لا يستعرض أسلحته إلا على لحم السوريين، في حين أن تلك الأسلحة، ومعها أنظمة الدفاع الجوية، لم تثبت شيئاً، تجاه طائرات بدون طيار، بعد استهداف ثماني طائرات في مطار حميميم أوائل هذا العام، وإسقاط طائرة بصاروخ ارض جو في شباط/ فبراير الماضي، وضمن ذلك قضاء القوات الأميركية، على مئات المرتزقة الروس الذين حاولوا تجاوز الخط الأحمر الأميركي، بمحاولتهم العبور إلى شرق الفرات وقتها، وكما شهدنا فإن القيادة الروسية سكتت عن ذلك بدعوى أن هؤلاء مجرد مرتزقة روس.

في أي حال فإن المصادفة لا تتعلق بوصول بوتين إلى سدة الحكم في روسيا مع وصول بشار الأسد إلى سدة الحكم في سوريا، وإنما هي تتعلق بالتشابه الكبير بين النظامين، الروسي والسوري، على كافة الأصعدة، وضمنها التبجحات والادعاءات ونمط الحكم والتسلط.

إقرأ أيضاً

نقاش عن سوريا من دون سوريين

المعارضة السورية تخسر الصراع على الصورة

 

إقرأ أيضاً