fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

وللذكر مثل حظّ… الأنثى

لم تحظ مصادقة مجلس الوزراء التونسيّ على مشروع قانون المساواة في الإرث، الذي يساوي بين الرجل والمرأة، بالاهتمام الذي تستحقّ. ربّما كان وراء الإغفال ذاك الكمُّ الكارثيّ الذي يرزح تحته المواطنون العرب، طغياناً وعنفاً وحروباً أهليّة وإقليميّة. ربّما كان وراءه ضعف حساسيّة عامّة، في الثقافة العربيّة السائدة، حيال مسائل اجتماعيّة، لا سيّما جندريّة، كهذه. ربّما لم تجد القوى الفاعلة ما يثير حماستها: الأنظمة والمراجع الدينيّة مناهضة تعريفاً. علمانيّو الأنظمة عاتبون على الثورات التي افتتحتها تونس. علمانيّو الثورات عاتبون – بحقّ – على تونس التي صدرت عن قواها السياسيّة بعض أسوأ المواقف من الثورة السوريّة.

يبقى أنّ ما حصل في البلد المذكور نقلة نوعيّة خلفيّتها كامنة في التاريخ التونسيّ الحديث الذي امتلك دوماً قابليّات وحساسيّات أرفع من مثيلاتها في سائر العالم العربيّ. نكتفي هنا بأبرز العناوين:

إبّان حكم الباي أحمد في القرن التاسع عشر، ووسط دعوات إصلاحيّة، أُدخلت تعديلات على جامعة الزيتونة الدينيّة الشهيرة وطرق تعليمها. في عهد الباي محمّد صدر “عهد الأمان” الذي انطوى على المساواة المدنيّة والدينيّة. في أواخر ذاك القرن، وُضعت مسوّدة الدستور الذي اعتُمد في 1861، مؤكّداً على الحرّيّة الدينيّة والمساواة أمام القانون. ابن أبي ضيّاف وخير الدين التونسي كانا وراء هذا الإنجاز. في 1875، وكرئيس حكومة، أنشأ خير الدين “المدرسة الصادقيّة” التي صالحت، في تدريسها، التقليد الإسلاميّ والعلوم الحديثة. في 1904، انتقد عبد العزيز الثعالبي الصوفيّة لصالح “تأويل عقلانيّ” للقرآن. في 1907 شُكّل حزب “تونس الفتاة” تيّمناً بـ “تركيّا الفتاة”، فدافع بعض مؤسّسيه عن الحدّ من دور الدين في المجتمع، وعن المساواة والتحرّر المستوحيين من ثقافتهم الفرنسيّة. الطاهر حدّاد نشر في 1930 “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”. تونس كانت سبّاقة وفريدة في نظرتها إلى الغرب بوصفه احتلالاً مرفوضاً وقيماً مطلوبة في الوقت نفسه.

مع الاستقلال وحكم الحبيب بورقيبة، انتقل المشروع التحديثيّ إلى منصّة السلطة. هكذا طغى عليه اللون الفوقيّ والقمعيّ. مع هذا، صودرت أملاك المؤسّسة الدينيّة وأُضعفت قبضة الصوفيّين وعلماء الدين، كما عُيّن الطاهر بن عاشور، وهو شيخ إصلاحيّ مؤيّد لبورقيبة، على رأس الزيتونة. بورقيبة ألغى أيضاً المحاكم الشرعيّة، وأحلّ قانوناً للأحوال الشخصيّة يعزّز حقوق النساء. لكنّه طعّم إنجازاته بسلوكه القمعيّ والاستفزازيّ: ظهر على التلفزيون وهو ينزع الحجاب عن وجوه محجّبات. بعد ذاك، هاجم الفرائض الدينيّة نفسها، كالحجّ والصيام، فاستنكف عن مواكبته إصلاحيّو المؤسّسة الدينيّة من حلفاء الأمس، بمن فيهم عاشور والمفتي الأكبر عبد العزيز جعيط اللذان فُصلا.

هذه الخلفيّة المتناقضة استمرّت حتّى اليوم. لكنّ الإضافة النوعيّة أتت بها الثورة. المطلب الإصلاحيّ لم يعد يأتي من فوق، من السلطة، ولم يعد مادّة لتلاعب الحاكم ولمزاجه، كما كانت الحال مع بورقيبة، وخصوصاً مع زين العابدين بن علي.

 

الشيء الوحيد المؤكّد أنّ الأمور تتحرّك في تونس. إنّها شهادة لمصلحة الثورات لم يُتَح للبلدان الأخرى أن تقدّمها.

 

ثبت، في تونس، أنّ الحرّيّة هي الطريق الأقرب، والأضمن، للمساواة، وأيضاً للعقلانيّة. صحيح أنّ مشكلات ذاك البلد، السياسيّة والاقتصاديّة، ليست يسيرة. لكنّ الصحيح ايضاً أنّ تونس، صاحبة الثورة الأولى والثورة الوحيدة الناجحة نسبيّاً، تتقدّم وتنجز. المشكلات ليست “تناقضاً رئيسيّاً” يحول دون التعامل مع “تناقضات ثانويّة”. إنّها ليست “صوت المعركة” الذي لا ينبغي أن يعلو عليه صوت آخر. إنّها، في المقابل، سبب يضاف إلى الأسباب التي توجب حرّيّة المواطنين في التفكير بشروط حياتهم.   

ما لا بدّ من ذكره هنا أنّ إسلاميّي تونس يفضلون باقي الإسلاميّين.

منذ انتصار الثورة، ونقاش الشريعة يتصدّر أعمال البرلمان. راشد الغنّوشي، من دون أن تكون قواعد “النهضة” مؤيّدة له بالكامل، رأى أنّ طرح المسألة يشقّ قوى الثورة وأنّه سابق لأوانه. “النهضة” قرّرت ألاّ ينصّ الدستور على الشريعة، ما أدّى إلى انشقاق بعض متطرّفيها الذين انضمّوا إلى التنظيمات السلفيّة. الدستور الذي صدر مطالع 2014 عبّر عن تسوية معقولة: مكتسبات للنساء في مجال الأحوال الشخصيّة، توكيد على حقوق النساء، وكذلك نصّ على “حماية المقدّس” ومنع الإساءة إليه. “معركة الهويّة”، كما رأى الغنّوشي، حُسمت وبات ينبغي الانتقال إلى التحدّيات الاقتصاديّة والأمنيّة، أي إلى “ما بعد الإسلام السياسيّ”. “النهضة” باتت تؤكّد على شبَهها بالديموقراطيّة المسيحيّة في أوروبا.

بفعل هذا التعاون، تحقّقت إنجازات فعليّة: الدستور التونسيّ بات ينصّ في فصله الـ46 عل المساواة بين الرجل والمرأة في كلّ المجالات. القانون الأساسيّ المتعلّق بالقضاء دان العنف ضدّ المرأة، وهو ما صادق عليه مجلس النوّاب صيف العام الماضي. كذلك دينَ العنف الاقتصاديّ، وهي الإدانة التي مهّدت للمطالبة بالمساواة في الإرث.

الآن تبدو “النهضة” – ولديها الكتلة البرلمانيّة الأكبر، ومنها رئيس المجلس عبد الكريم الهاروني – محرجة. من جهة، قواعدها التي تربّت على شعارات الدوغما الدينيّة، قد لا تتقبّل المساواة في الميراث. السلفيّون، بالتأكيد، مناوئون، وقد يلجأون إلى ابتزاز ومزايدة صريحين لا يُستَبعد منهما العنف. أمّا الحجّة فوجود نصّ صريح من سورة النساء: “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الأُنثيين”. الأزهر اعترض: وكيله عباس شومان، قال إنّ دعوة الرئيس التونسيّ الباجي قائد السبسي إلى المساواة “تتصادم مع أحكام شريعة الإسلام”.

من جهة أخرى، الغنّوشي ومن يؤيّدونه في “النهضة” حريصون على السلم الأهليّ، وعلى الإبقاء على توافق ما مع حزب “نداء تونس”، رغم انفضاض العلاقة الرسميّة معه واتّهام “النهضة” بالانحياز إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد. هم حريصون أيضاً على علاقاتهم بأوروبا، وعلى صورة الانفتاح التي اختاروا تقديمها إلى العالم عن أنفسهم. هكذا بقي الغنوشي هادئاً حيال قانون المساواة. تحدّث عن التفاعل مع الاقتراح واحتمال إدخال تعديلات عليه. أكّد على حقوق النساء وقداسة النصّ وضرورة الحداثة، وأوحى بسؤال معلّق: هل يستقرّ الحال عند تسوية تضمن إضفاء طابع اختياريّ على تطبيق القانون؟ ربّما. الشيء الوحيد المؤكّد أنّ الأمور تتحرّك في تونس. إنّها شهادة لمصلحة الثورات لم يُتَح للبلدان الأخرى أن تقدّمها.

 

إقرأ أيضاً:

عقوبة القبلة سلب الحرية في تونس

عن الحق في الإجهاض باعتباره استثناءا تونسياً

 

إقرأ أيضاً