fbpx

هنا القصة الثالثة

يوسف البيروتي

يوسف البيروتي

مقالات الكاتب

نبيل قروي .. شعبويٌ يشق طريقاً نحو الرئاسة في تونس

تشير استطلاعات الرأي في تونس إلى أن حظوظ نبيل قروي قد تكون وفيرة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المُقبِلة، إلاّ أن هذه الاستطلاعات تكشف إشكالية تواجه الديموقراطية التونسية الناشئة.

“منّيش رجل سياسة”

يبدو السؤال مشروعاً، من هو نبيل قروي؟ ولماذا شكّل تصدّره استطلاعات الرأي صدمة للتونسيين؟

يقول قروي عن نفسه، “منّيش رجل سياسة“، ما يُفسِّر سبب الانزعاج السياسي من حركته، لأنه من خارج المنظومة وغير مدعوم من أحد. يملك المرشّح المحطة التلفزيونية “نسمة“، وهو رجل أعمال معروف في تونس، منذ عهد الرئيس زين العابدين بن علي. دعمَ قروي الرئيس التونسي الحالي الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الماضية، وذلك من خلال تحويله “نسمة” أداةً إعلامية ضد “حزب النهضة”. ساهم ذلك في حصول “حزب نداء تونس” على النسبة الأعلى من الأصوات في الانتخابات، فأُطلق على قروي لقب “صانع الرؤساء.

بعد الانتخابات، بدّل قروي موقفه من “نداء تونس”، وراح ينتقد علناً الطبقة السياسية التونسية بأكملها، مُصّوّراً نفسه خياراً بديلاً، لكونه من “خارج المنظومة”.

نبيل قروي

العمل الإنساني ومحاولة الإقصاء

أسّس قروي جمعية “خليل تونس“، بعد وفاة ابنه بحادث مرور وذلك بهدف مساعدة الفئات المحتاجة. ويتركز نشاط هذه الجمعية على أربعة محاور أساسية وهي الصحة والتربية والتشغيل وتحسين المساكن. التصق اسم قروي بـتلك الجمعية خير التصاق، من خلال تجوّله في أنحاء تونس ضمن حملات توزيع المساعدات وظهوره بتقارير دعائيّة تُظهره بصورة القريب مِن الناس ومُساعِد الفقراء، إضافة إلى تقديمه برنامج “خليل تونس” على شاشة تلفزيون “نسمة”. توقف قروي عن تقديم البرنامج في حزيران/ يونيو 2019، وذلك بعد إدخال تعديلات على قانون الانتخابات، تقضي باستبعاد كل شخص استفاد من الأعمال الخيرية والدعاية السياسية من الترشّح. وعلى رغم إقرار هذه التعديلات، يُصر قروي على المضي في ترشّحه ومواجهة قرار الطبقة الحاكمة بمحاولة إقصائه.

“أنا جايي من عالم الاقتصاد… هم لا يفهمون”

يلفت الانتباه غياب البرنامج الاقتصادي عن أدبيّات قروي، هو الذي بنى حركته بشكل شبه كامل حول ضيق الوضع الاقتصادي في تونس وارتفاع نسبة البطالة والفقر. ولدى سؤاله عن الحلول التي يمكن أن يطرحها، يشير قروي إلى حجم المساعدات التي قدّمتها جمعية “خليل تونس” وهو خارج السلطة، وإلى خبرته في “تأسيس الشركات والأعمال” ويترك للمُستَمِع استنتاج ماهيّة الإنجازات التي يمكن أن يحملها في حال أصبح رأس السلطة في تونس. “أنا جايي من عالم الاقتصاد، أنا أعرف كيف أؤسس الشركات وكيف أُكَبِّرها. ولكن هم لا يفهمون، ليست لدينا ثقافة واحدة”، يقول قروي في مقابلة تلفزيونية.

خواطر وخُلاصات

تكشف ظاهرة قروي، كما تكشف حركات شعبويّة أخرى حول العالم، هشاشة النظام الديموقراطي، بحيث يستطيع لاعِب ذكي أن يستغّل وضعاً اقتصادياً أو اجتماعيّاً معيّناً خير استغلال، وذلك من أجل الوصول إلى السلطة، بغض النظر عن قدرة ذلك اللاعب على أن يُقدّم حلولاً حقيقيّة لأيّ من المشكلات التي تتمحور حركته حولها. على رغم حديث قروي المتكرّر عن “تونس المنسيّة”، فإنّ جُل ما يُقَدّمه من حلول للوضع الاقتصادي هو المساعدات التي يجول البلاد مُقَدّماً إياها لأعداد هائلة من الناس، فيما لا يستطيع تقديم حلول مُستَدامة للوضع الاقتصادي والاجتماعي المُتَردّي في تونس. يُشبه هذا الأمر الاستغلال الكبير لموضوع أزمات اللجوء والنزوح في الكثير من الدول، بما فيها فرنسا، الولايات المتّحدة الأميركيّة، إيطاليا، لبنان، بحيث يتسابق السياسيّون على تضخيم المشكلة وتعظيم نتائجها، وذلك من أجل مكسبٍ سياسي من هنا أو مكسبٍ شعبوي من هناك، من دون العمل الجدّي على تقديم الحلول العمليّة التي يمكن أن تُساهم بحلّ المشكلة، أو التخفيف من وطأتها.

يقول قروي عن نفسه، “منّيش رجل سياسة”، ما يُفسّر سبب الانزعاج السياسي من حركته، لأنه من خارج المنظومة وغير مدعوم من أحد

تشكّل إشكالية الشعبوية والأنظمة الديموقراطية مادّة جدل وبحث ونقاش، ويتّفق البعض على أنها ناتجة عن إعطاء السياسيّين الأولوية لإعادة انتخابهم، على رغم أنهم لم يغلّبوا المصلحة العامّة على أي منطقٍ آخر. إن اعتماد منطق “ما يطلبه المستمعون” هو لعبة العصر، ويمتهنُها السياسيّون على تنوّع مشاربهم – إلا أن الخطر الأكبر يكمن حينما تنعدم السياسات والمشاريع الجدّيّة بشكلٍ شبه تام، كما هي حالة قروي.

أما الإشكالية الثانية التي تطرحها هذه الظاهرة فمُتعلّقة بالخوف الذي أظهره قادة الأحزاب السياسية الأساسية من استطلاعات الرأي وصعود نجم قروي، وإقرار التعديلات القانونية بمفعولٍ رجعي بهدف إقصائه عن السباق الرئاسي المُقبل. تُذكّرنا هذه المحاولة بمشروع قانون “تحصين الثورة” لعام 2013، الذي كان يهدف إلى إقصاء كل رموز نظام زين العابدين بن علي من إمكان الترشح إلى النيابة.

ساهم سقوط هذا المشروع آنذاك بالتحصين الحقيقي للثورة، عبر فتح مجال المشاركة السياسية للأطياف التونسيّة كافّة. من هذا المنطلق، تشكّل هذه المحاولة لاستبعاد قروي من السباق الرئاسي (والتي تستبعد أيضاً المرشّحة الثانية الأكثر حظاً ألفة التراس، رئيسة جمعية “عيش تونسي”)، تهديداً للمسار الديموقراطي التونسي، قد يفوق بخطورته شعبويّة قروي ومشروع “ما يطلبه المستمعون”. فذلك يفتح المجال واسعاً أمام إقصاء الأصوات الجديدة التي قد تهدّد بدخول النادي السياسي، الذي يرغب بعضهم في إغلاقه باكراً. إن الطبقة السياسية تغامر من خلال هذه التعديلات بخلق صورة “ضحية موسم الانتخابات”… صورة قد يستخدمها قروي أجمل استخدام في اللعبة الشعبوية التي يُتقنها.

 

رحل “عجوز” تونس 

إقرأ أيضاً