fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Coda Story

ترجمة - Coda Story

مقالات الكاتب

وكالة “الأناضول”: هل باتت مصدراً للأنباء الزائفة؟

في نيسان/ أبريل الماضي، اجتمع عددٌ من الشخصيات البارزة في مجال الإعلام، لتمثيل بعض وكالات الأنباء الأوروبية الأكثر ثقةً، والممولة من قِبَل الدولة، خلال اجتماعهم السنوي لمناقشة ما اتفقوا جميعاً على أنه أخطر تهديد لنمط الحياة في بلدانهم؛ ألا وهو التضليل الإعلامي ونشر المعلومات الكاذبة. تحدَّث رئيس قسم الوسائط الإخبارية في شركة “أكسل شبرنغر” للنشر والتوزيع الألمانية عن الدور النبيل الذي تضطلع به الصحافة في تقديم “معلومات موثوقة”. كما تحدث مدير قسم الأخبار العالمية بوكالة الصحافة الفرنسية “فرانس برس” عن تعزيز ثقافة التحقّق من البيانات، ولا سيما خلال فترات الانتخابات.

تحدّث أيضاً أحد كبار المسؤولين التنفيذيين من وكالة الأناضول للأنباء التركية -التي تدعمها الدولة- خلال الاجتماع الذي دام يومين. وأوضح أورال يشيل كيف عمل فريقُه على بناء جهاز تعقّب إلكتروني يُظهِر الأماكن التي يُعاد فيها نشر الصور التي تصدر عن وكالة الأناضول، وبخاصة في وسائل الإعلام الكرديّة المعادية، سعياً لمحاربة الدعاية السوداء – وهي الدعاية المُقنّعة، ذات مصدر سري، غير بيّن، ومجهول الهوية والنسب والانتماء”.

ما لم يتضمنه في عرضه هو حقيقة أن وكالة الأناضول أصبحت نقطة الانطلاق في حروب المعلومات التي تخوضها تركيا. فعلى مدى السنوات الأربع الماضية تراجعت عن موضوعيتها التحريرية في سبيل تقديم وجهات النظر الموالية للحكومة بحماسة، بدءاً من الاتهامات بتزوير الانتخابات، والتشهير وتوجيه الاتهامات المشينة ضد منتقدي الحكومة، وصولاً إلى نشر بيانات مضلِّلة حول الحالة الاقتصادية على نحوٍ يدعو إلى التفاؤل لمشتركيها في 93 دولة حول العالم.

في الوقت الذي كان يشيل يتحدث فيه، كانت وكالة الأناضول متورِّطة في فضيحة مزعجة حول نشر معلومات مضلِّلة صنعتها بنفسها؛ واتُّهِمت فيها بالمساعدة في التلاعب بالأخبار خلال آخر انتخابات عُقدت في تركيا. فقد توقفت الوكالة عن نشر نتائج الانتخابات في وقتها ليلة الانتخابات، عندما بدا أنّ المرشح المدعوم من الرئيس رجب طيب أردوغان سيخسر السباق الحاسم في الانتخابات البلدية في مدينة إسطنبول لمصلحة مرشح حزب المعارضة الرئيسي، وهو حزب الشعب الجمهوري.

أدى التعتيم على البيانات الذي دام طوال الليل إلى إثارة وجهات نظر متباينة بين كثر من مؤيدي الرئيس، واكتسبت طابع التآمر، وانتشر خبر أن الانتخابات قد زورت؛ الأمر الذي دفع حزب الرئيس إلى تقديم طعن قانوني ضد نتيجة الانتخابات التي أظهرت فوز أكرم إمام أوغلو.

كانت وكالة الأناضول متورِّطة في فضيحة مزعجة حول نشر معلومات مضلِّلة صنعتها بنفسها؛ واتُّهِمت فيها بالمساعدة في التلاعب بالأخبار خلال آخر انتخابات عُقدت في تركيا.

أعرب مشكاة دكمن، رئيس جمعية اتحاد الصحافيين في إزمير في تركيا، عن استيائه مما حدث، قائلاً: “يُعَدّ توقّف وكالة الأناضول عن نقل البيانات في ليلة الانتخابات، فشلاً ذريعاً في التزامها إطلاع الجمهور على النحو المنصوص عليه في الدستور”. وأضاف “لقد وجَّه ذلك الفعل ضربة قاصمة للثقة التي تمتعت بها وكالة الأناضول لدى الجمهور، وألحَق ضرراً بالغاً باسمها”.

على مدى السنوات الخمس الماضية، أشرف حزب العدالة والتنمية -الذي يترأسه أردوغان- على عمليات استحواذ تضمّنت مجموعة واسعة من وسائل الإعلام، على غرار ما حدث في المجر. وأصبح الآن مؤيدو أردوغان يسيطرون على ما يقرب من 90 في المئة من وسائل الإعلام الخاصة، وباتت تركيا الآن واحدة من أكثر دول العالم تقييداً لحريات الصحافيين. وقد أفضى هذا النهج إلى تعريض الديموقراطية التركية للخطر من خلال تقويض أهم الجوانب الأساسية للانتخابات.

ساهمت النبرة الحزبية التي تعالَت أصداؤها في وكالة الأناضول في هذا التراجع. فقد تمتعت الوكالة باحتكار شبه كامل لنشر نتائج الانتخابات بعدما أُغلقت منافستُها وكالة جيهان للأنباء في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 2016، التي سعت إلى الإطاحة بالرئيس أردوغان. إذ اتَّهمت الحكومةُ وكالةَ جيهان بأنّ لها صلات مع حركة عبدالله غولن، وهي جماعة إسلامية سرية، كانت متحالفة في السابق مع حزب العدالة والتنمية، وتلومها الحكومة على الانقلاب الفاشل.

شغل سينول كازانجي، الرئيس الحالي للوكالة، منصبَ كبير مستشاري أردوغان عندما كان رئيساً للوزراء، قبل انتخابه رئيساً للبلاد عام 2014. ولذا فإن تحيُّزه الموالي للحكومة في مواجهة المرشحين الأتراك المعارضين، واضحٌ ولا لبس فيه؛ وقد بدا ذلك جليّاً في محاولة وكالة الأناضول وغيرها من وسائل الإعلام عادةً تشويهَ صورة المعارضين السياسيين لأردوغان، ووصفهم بالإرهابيين. وتعرَّض العشرات من أعضاء الأحزاب المعارضة للاعتقال، وعلى وجه الخصوص المنظمة التي اعتادت اجتذاب المواطنين الأكراد في تركيا، بتهم مثيرة للجدل، بما في ذلك دعم الإرهاب.

في يوم الانتخابات التي عُقدت في 31 آذار/ مارس الماضي، صرَّحت أحزاب المعارضة بأن اللهجة التي تبنتها وكالة الأناضول في تغطيتها لم تتسم بالحيادية الكافية. ومُهِّد الطريق أمام الجمهور التركي الذي كان يتلقّى بشكلٍ ثابت وجباتٍ إعلاميّةً دسمة تشمل تغطية مؤيدة لحزب العدالة والتنمية وأخباراً انتقادية خطيرة حول المعارضة.

“يُعَدّ توقّف وكالة الأناضول عن نقل البيانات في ليلة الانتخابات، فشلاً ذريعاً في التزامها إطلاع الجمهور على النحو المنصوص عليه في الدستور”.

عندما أغلقت صناديق الاقتراع، باشرت وكالةُ الأناضول القيامَ بدورها بصفتها المراقب المعنِيّ بنقل النتائج الانتخابية ومتابعتها. وبينما كانت تكشف عن نتائج الانتخابات بشكل سريع للمشتركين والقنوات التلفزيونية التركية، أعلنت اللجنة العليا للانتخابات في تركيا أن وكالة الأناضول لم تحصل على النتائج من الهيئة الانتخابية.

دفع هذا منتقدي الحكومة إلى الظن بأنّ الوكالة كانت تنشر النتائج التي حصلت عليها مباشرةً من حزب الرئيس، ما يضفي صفة غير رسمية على هذه النتائج في أحسن الأحوال. بيد أن العملية التي اضطلعت بها وكالة الأناضول باءت بالفشل عندما مالت موازين القوى في واحدة من أكثر السباقات الانتخابية مشاهدةً في تلك الليلة -وهي انتخابات بلدية اسطنبول- ضد حزب العدالة والتنمية. وتوقفت الوكالة فجأةً عن تحديث النتائج.

في الليل، احتشد حزب الشعب الجمهوري المعارض، وأعلن أن مرشحه إمام أوغلو هو الفائز في سباق رئيس البلدية، محتجاً بعدد أصوات الناخبين التي حصل عليها من المجلس الانتخابي. غير أن المرشح الذي اختاره أردوغان بنفسه، رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، رفض الاعتراف بتلك النتائج.

في الوقت نفسه، نشر منتقدو الحكومة صورةً لرئيس وكالة الأناضول كازانجي التقطت قبيل الانتخابات، كان يرتدي فيها قبعة تحمل اسم الرئيس، وهو ما يعتقدون أنه يُظهِر تحيُّزَه السياسي الشخصي.

تمتعت الوكالة باحتكار شبه كامل لنشر نتائج الانتخابات بعدما أُغلقت منافستُها وكالة جيهان للأنباء في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 2016، التي سعت إلى الإطاحة بالرئيس أردوغان.

في صباح اليوم التالي، أعلن رئيس اللجنة العليا للانتخابات أن إمام أوغلو هو الفائز بغالبية 28 ألفَ صوت. وبعد مرور 10 ساعات، استأنفَت وكالة الأناضول تغطيتها الانتخابات، وأوْلَت تركيزاً خاصّاً للأخبار التي تتناول الغضب الذي انتاب أعضاء حزب العدالة والتنمية ومطالبتهم بإعادة فرز الأصوات.

صرَّح رئيس اللجنة العليا للانتخابات، سَعدي غوفن، أنه لا يعرف من أين تلقّت وكالة الأناضول البيانات الانتخابية التي أعلنَتها، ولم يوضح بَعدُ المسؤولون في الوكالة مصدرَ الإحصاءات التي حصلوا عليها ليلةَ الانتخابات. وأفادت وسائل الإعلام المحلية، مثل قناة OdaTV، بأن كازانجي تلقّى أمراً بإيقاف نشر البيانات خلال مكالمة هاتفية من جهات “رفيعة المستوى”. وتحت وطأة الانتقادات الحادة التي تلقّتها الوكالة على وسائل التواصل الاجتماعي، أعلنَت أنها لم تتمكّن من الحصول على بياناتٍ موثوقة من لجان فرز الأصوات، ولذا لم يكن أمامها خيارٌ سوى وقف البثّ.

بعد مضيِّ أسبوعين على الانتخابات، رفضَت المحاكمُ التركية الطعنَ القانونيَّ الذي قدمه حزب العدالة والتنمية في انتخابات بلدية إسطنبول، وأكّدت أن الفائز هو حزب الشعب الجمهوري.

بيد أنه في 19 نيسان الماضي، نشرت الجريدة الرسمية التركية قراراً مفاده أن مكتب الرئيس سيتولّى رسمياً إدارة وكالة الأناضول خلال السنوات الخمس المقبلة، الأمر الذي يُحمِّله المسؤولية كاملةً عن العاملين في الوكالة وميزانيتها وإدارتها، ما يعني نهاية أي تظاهر بالحياد.

في الوقت الراهن، يقول حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض إنَّ ثمَّة بارقة أمل في نتائج الانتخابات، لأن المحاكم والمواطنين الأتراك وقفوا في وجه محاولة التلاعب الواضحة.

قال نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، أونال جيفيكوز “عندما فُضِح أمر وكالة الأناضول، وتبيَّنَ أنها مصدر للأخبار الزائفة، وأصبحت النتائج واضحة، لم يَسِع الوكالةَ فعل أي شيء سوى تقديم الحقيقة للناس. أعتقد أن هذا سيصبح المقياس الجديد؛ ومن الآن فصاعداً، ستواجه الوكالة صعوبة بالغة في جذب اهتمام الجمهور عندما يتعلق الأمر بمتابعة نتائج الانتخابات ونقلها”.

هذا المقال مترجَم عن codastory.com ولقراءة المادة الأصلية زوروا الرابط التالي

“أمّهات قبل الأوان”: دعاوى وتحقيقات تلاحق زيجات القاصرات السوريّات في تركيا

إقرأ أيضاً