fbpx

هنا القصة الثالثة

قصي عمامة - صحافي فلسطيني سوري

قصي عمامة - صحافي فلسطيني سوري

مقالات الكاتب

وداعاً يا إسطنبول… تركيا تُرحّل لاجئيها

تظاهرة في اسطنبول احتجاجاً على ترحيل اللاجئين السوريين

11 يوماً فقط فصلت بين تصريحين متناقضين أدلى بهما وزير الداخلية التركي سليمان صويلو حول اللاجئين السوريين في مدينة اسطنبول التركية، إذ قال في 13 تموز/ يوليو، وأمام صحافيين سوريين إن “علميات الترحيل ستطاول من لا يحملون بطاقات حماية موقتة إلى الأراضي السورية”، ليعود ويعلن في لقاء تلفزيوني في 24 تموز أن “لا ترحيل إلى داخل سوريا لأي سوري كان”.

بين التصريحين، واصلت السلطات التركية ترحيل لاجئين سوريين من أراضيها إلى مدينة إدلب، ليس من يحملون بطاقة الحماية الموقتة وحسب، بل من يحملونها من دائرة الهجرة في إسطنبول، والذين أكد الوزير التركي أن الإجراءات لن تشملهم أبداً.

“اقتحموا المنزل، اعتدوا علينا بالضرب، لقد اذلونا تماماً” يقول وليد عباس (اسم مستعار) الشاب السوري الذي يبلغ 24 سنة، وقد رحّلته السلطات التركية من مدينة اسطنبول، ووصل إلى ريف إدلب يوم الجمعة 19 تموز، لينضم إلى عشرات اللاجئين السوريين الذين رحلتهم تركيا خلال أسبوعين.

يتابع وليد: “لم يسمحوا لنا باصطحاب أي من ممتلكاتنا الشخصية، ولا حتى ما نملكه من مال، اقتادونا إلى مخفر للشرطة، ومنه إلى الجزء الآسيوي من إسطنبول حيث وضعونا في سجن حتى الصباح، ثم نقلونا إلى سوريا، وضربونا طوال الطريق، أهانونا كثيراً”.

يرسل وليد مقاطع تمكن من تصويرها في مركز الاحتجاز في القسم الآسيوي من إسطنبول، والذي تقاطعت المعلومات حول نقل اللاجئين السوريين إليه قبل ترحيلهم أو إعادتهم إلى الولايات التي أصدروا منها بطاقات اللاجئين.

تتقاطع رواية وليد مع آخرين تحدثنا معهم، في أن عمليات الترحيل تتم نحو إدلب، التي تسطير عليها هيئة تحرير الشام، ولا تزال تشهد عمليات عسكرية من قبل قوات النظام الروسي والقوات الروسية في سوريا.

حتى تاريخ ترحيل وليد، كانت أنقرة قالت إنها سترحل من لا يحملون أوراقاً ثبوتية إلى سوريا، لكن ليس إلى إدلب، بل إلى ما تعتبره أنقرة منطقة آمنة من سوريا، وهي ريف حلب الشمالي، حيث يسيطر الجيش الوطني المدعوم منها على مساحة تمتد من عفرين حتى حدود منبج.

عمّ الخوف

بعد أيام من إعلان صويلو الأول، انتشرت الشرطة التركية، في محطات المواصلات الرئيسية، وفي الميادين الكبرى في المدينة، التي تضم أكثر من 500 ألف سوري مسجلين كلاجئين، وقرابة 150 ألفاً غير مسجلين، بحسب صويلو. بالتزامن مع ذلك، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهاتف المحمول استنفاراً من اللاجئين السوريين، الذين أنشأوا مجموعات وصفحات لتناقل الأخبار، وتموضع الدوريات.

وفي الأيام الأخيرة، وفي أحياء Esenyurt  وEsenler وZetinbornu   دخلت دوريات الشرطة على ورشات العمل والمعامل الصغيرة، بحثاً عما سمته السلطات المحلية “الهجرة غير الشرعية والعمالة غير المسجلة”، من تلك الورشات اقتادت عشرات الشبان السوريين، ورحلت عدداً منهم إلى سوريا مباشرة.

أدى انتشار الخبر بين اللاجئين السوريين، إلى توقفهم عن التوجه إلى أماكن عملهم، يقول الشاب السوري محمد كسار (22 سنة)، إن الحي الصناعي في منطقة Ok Meydan قد شلّ بالكامل.

“كنتُ السوري الوحيد في جميع ورشات الخياطة، طيلة أيام، لم يجرؤ أي من زملائي السوريين الذي لا يحملون أوراقاً رسمية على التوجه إلى العمل، خسر أصحاب العمل من الأتراك عشرات الآلاف في خمسة أيام وتخلفوا عن تسليم البضائع والطلبيات”.

نحن لا نرحل الجميع

فيما كانت السلطات التركية، وعلى لسان مسؤوليها الرسميين، أكدت أنها لن ترحل من يحملون بطاقة الحماية الموقتة من أي ولاية تركية غير اسطنبول، كان سعد فياض (اسم مستعار) قد وصل إلى إدلب، ودخل من معبر باب الهوى صباح الخميس 18 تموز.

يقول سعد: “أوقفتني الشرطة في ميدان Esenyurt عرفت على الفور أنني سأرحل”.

اقتادت الشرطة سعد مع آخرين في حافلة إلى مخفر الشرطة في الحي، ومنه إلى الحدود السورية – التركية، بالقرب من معبر باب الهوى، وقع سعد مجبراً كما يقول على أوراق باللغة التركية لم يعرف محتواها.

يقول “أخرجوا الأوراق وطلبوا مني أن أوقعها، كانوا يهددون الجميع، ومن لم يوقع ضربوه، وقعت، لم أُرد أن أضرب”.

سألنا المحامية السورية ميسر حديد، التي تمتلك شركة قانونية خاصة في اسطنبول، عن تلك الأوراق التي قال سعد إنه أجبر عليها، أخبرتنا أن حالات كثيرة وصلتها خلال الأيام الأخيرة، تفيد بإجبار اللاجئين الحاملين بطاقات إقامة موقتة، على توقيع طلبات عودة طوعية.

تقول حديد: “أجبر عدد من اللاجئين الحاصلين على حق الحماية، على توقيع أوراق بالتنازل عن هذا الحق من قبل عناصر الشرطة. أنا لا أتحدث عن حالة أو حالتين، لقد وصلتني حالات كثيرة”.

ليس بعيداً من المكان الذي اعتقل منه سعد، وفي الساحة الرئيسية للحي الفقير ذاته، تناشد أم خالد مساعدتها في تسجيل صوت وصل إلينا، “اعتقل ابني لأنه نسي أن يصطحب معه بطاقة الحماية الموقتة، نقلوه إلى القسم الآسيوي، وعلمت اليوم أنه نقل إلى سوريا”.

تقول أم خالد إن ابنها يتصل بها ويبكي، وتناشد مساعدتها من أي جهة كانت.

كانت إدارة الهجرة ووزارة الداخلية أكدت أن لا ترحيل لأي سوري يحمل بطاقة الحماية الموقتة من أي ولاية كانت، إلا أن ابن ام خالد رحل إلى سوريا، ومثله العشرات من اللاجئين السوريين.

سألنا المحلل السياسي التركي، حمزة تيكين والمقرب من حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد عن حالات الترحيل المسجلة، وكيف من الممكن أن تحدث رغم التأكيدات الرسمية السابقة، قال تيكين “نعم حصلت عمليات ترحيل لكنها من قبل ضباط وأجهزة بشكل منفرد، وهي ليس سياسية رسمية في البلاد، أي أن عمليات الترحيل حصلت من طريق الخطأ، وستتم محاسبة الجهات التي قامت بعمليات الترحيل تلك”.

في يوم الاثنين، 22 تموز، أعلن والي إسطنبول في بيان رسمي، إيقاف عمليات الترحيل إلى سوريا بشكل نهائي، وترحيل المخالفين من إسطنبول إلى ولايات تركية من الممكن اصدار بطاقات الحماية الموقتة منها، لكن عمليات الترحيل استمرت بعد بيان الوالي، والذي عاد ليؤكده وزير الداخلية في لقاء تلفزيوني في 24 تموز.

“العلاني” معبر الليل

محمد، وجابر، ومصطفى. ثلاثة شبان لا يعرفون بعضهم بعضاً، ويسكنون في أحياء مختلفة من إسطنبول Esenyurt- Esenler-menderes اشتركت قصص ترحيلهم في:

اقتحام المنازل: اقتحمت قوات الشرطة منازلهم وتم اقتيادهم منها إلى مراكز الشرطة.

الاعتداء: ضرب العناصر المقتحمون اللاجئين وأهانوهم.

التوقيت: عمليات الترحيل والاقتحام تمت ليلاً وقرابة منتصف الليل.

المعبر: لم يصل أحد من المرحلين إلى الأراضي السورية، إدلب، عبر معبر باب الهوى، هو المعبر الرسمي نحو إدلب.

أجمع الشبان الثلاثة على أن دخولهم إلى تركيا كان عبر معبر “غير رسمي” واختلفوا على تسميته، ففيما قال جابر إنه معبر “الصداقة”، ذكر محمد ومصطفى اسم “العلاني” لتعريفه، واتفق الثلاثة على أنه قريب من مدينة حارم في ريف إدلب.

في بقية التفاصيل، يروي الشبان أن الحافلات اقتادتهم من طرق زراعية، واستغرقت وقتاً أكثر من المعتاد حتى الوصول إلى الأراضي السورية “ثلاثة أيام من إسطنبول حتى إدلب” فيما المرحلون من معبر باب الهوى تحدثوا عن ساعات فقط استغرقتها الرحلة، من 16 إلى 20 ساعة.

4500 مرحل شهرياً

“عبر معبر باب الهوى الرسمي، الذي يصل بين ولاية هاتاي التركية، ومدينة إدلب السورية، ترحل السلطات التركية أكثر من 4500 لاجئ سوري شهرياً ومنذ سنوات”، يقول مازن علوش مدير المكتب الإعلامي للمعبر، في اتصاله معنا.

“خلال هذا الشهر، هناك أكثر من 3800 مرحل، ليسوا جميعهاً آتين من إسطنبول، فهناك من تم ترحيلهم فور دخولهم الأراضي التركية متسللين، وهناك من ارتكبوا مخالفات أخرى أيضاً”.

يلمح علوش إلى إمكان أن تكون السلطات التركية تستخدم معابر أخرى لعمليات الترحيل، ويشير إلى نقطة تتقاطع مع شهادات من تحدثنا معهم “عمليات الترحيل تتم خارج أوقات الدوام الرسمي”.

وصل عبد الله (26 سنة) إلى معبر باب الهوى، كان برفقة أخيه وائل الذي يبلغ من العمر 24 سنة، مرحلين من تركيا إلى سوريا، بعدما أجبرا على التوقيع على طلب العودة الطوعية إلى سوريا.

بعدما دخل عبد الله ووائل إلى الأراضي السورية بساعات، اعتقلت هيئة تحرير الشام وائل، واقتادته إلى جهة مجهولة، وقالت لحسين إنها تشتبه به. ينتظر حسين الآن في ريف إدلب، عودة أخيه، ليعود إلى تركيا من جديد، ويعمل 12 ساعة يومياً، وبراتب دون الحد الأدنى، ومن دون أي تأمين صحي أو اجتماعي، حاله كحال آلاف اللاجئين السوريين في تركيا، الذين باتوا اليوم يبحثون عن أي منفذ قانوني، يبقيهم في إسطنبول، وفي ظروف العمل المجحفة هذه، كي يستمروا في الحياة.

 

ترحيل السوريين من تركيا مطابق للقانون المحلي ومخالف للقانون الدولي

إقرأ أيضاً