fbpx

هنا القصة الثالثة

"درج"

مقالات الكاتب

وثائق بارادايز: التحدي الإعلامي العربي

لم يكن بديهياً أن يعثر الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين على شريك عربي في “وثائق باردايز”، ذاك أن تسريب الوثائق استهدف بالدرجة الأولى النظام المالي العالمي، والعالم العربي هو جزء من منطقة نشاط هذا النظام، وهو يملك فيه شركاء كبار، والإعلام العربي ليس بعيداً عن هؤلاء الشركاء تمويلاً وتأثيراً ونفوذاً. لهذا السبب تحديداً لم تجد “وثائق بنما” التي نشرت العام الماضي شريكاً بين وسائل الإعلام العربية، على رغم عقدها شراكات بالوكالة، لكن هذه الشراكات لطالما اصطدمت بعجز وسائل الإعلام العربية الكبرى عن الخوض في الوثائق إلا إذا كانت تستهدف خصما من ضمن الانقسام الذي تقع في دائرته.”درج” وضع في هذا الامتحان في أيام انطلاقته الأولى. ها هو شريك الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين في “وثائق بارادايز”، وهو إذ ينشر بالتزامن مع وسائل إعلام عالمية تحقيقات حول الجنان الضريبية التي كشفتها الوثائق، أنجز بدوره تحقيقات عربية على هذا الصعيد.وبالنسبة إلى ـ”درج” تُمثل أيضاً شراكته بالمشروع تحدياً، ذاك أنه منصة لم يمض أيام قليلة على إطلاقها وICIJ الذي اختاره للشراكة وضعه أمام المهمة التي يدعيها تماماً. أي الطموح في مشروع إعلامي عربي مستقل، يُقدم للقارىْ قصة صحافية من خارج منطق الانحياز.بدأت التجربة في شهر نيسان (ابريل) من العام 2017 حين توجهنا إلى مقر صحيفة süddeutsche zeitung في ميونخ، وهي الصحيفة التي وصلتها هذه الوثائق، لنكون ضمن مجموعة من 381 صحافياً من مختلف أنحاء العالم يمثلون مؤسساتهم في المشروع.لا نخفي سراً أننا شعرنا أننا طارئين على نقاش الوثائق، ذاك أن الكشف والتسريب لم يكن يتقدم هواجس الحاضرين، بقدر ما كانت المهنة بتحدياتها الجديدة. فـ”وثائق بارادايز” مسربة، ومنطق السبق الصحفي يتصدر في لحظة من هذا النوع، وهو لا ينسجم مع منطق الشراكة الذي تفترضه مشاركة وسائل إعلام من كل العالم. لكن الإعلام بتحدياته الجديدة تجاوز تقنية السبق الصحافي. المهمة اليوم تقتضي شراكات لكي تكتمل. العالم صار أصغر من أن نتنافس على أسراره. القصة تبدأ في واشنطن وتمر عبر موسكو وتكتمل في بيروت أو القاهرة. القدرة على المنافسة تكمن في القدرة على التخفف من أثقال حسابات النشر، وتوفر الدافع المهني والأخلاقي، والباقي متاح أمام الصحافيين. الكفاءة والتقنيات متوفرة، أو يمكن توفرها، والميديا الجديدة ضيقت الهوة بين الصحفي وبين قدرته على النشر.   حين دخلنا المبنى العملاق لصحيفة süddeutsche zeitung في ميونيخ طلب منا المنظمون في قسم التحقيقات الاستقصائية في الصحيفة ومعهم فريق الاتحاد الدول للصحافيين الاستقصائيين ICIJ بإصرار تجنب الاحتكاك بباقي العاملين في الصحيفة، والاكتفاء في حال سألنا أحد عما يفعله هذا الحشد من الصحافيين الدوليين في المبنى أن يكون جوابنا عاما. تجمعنا في طابق واحد على مدى يومين . الاجتماعات مغلقة والتصوير متاح لوقت محدد ولفريق محدد والهواتف مقفلة والطعام يقدم إلينا في القاعة كي لا نخرج. ومرة أخرى لاحت أمامنا مفارقة أن يقرر مجموعة من الصحافيين والصحافيات مشاركة ما يكتشفونه من معلومات واسماء عبر شبكة خاصة بهم وتداولها والتحقق منها وتعميم المعلومة علما أن هذا لا ينسجم مع مسار العمل الصحفي القائم على التفرّد والمنافسة والسبق. بدت تجربة استثنائية أن يتفق صحافيون على أن مهمة مكافحة الفساد وتوحشه تقتضي التعاون لا التنافس. ومجددا نكتشف أن المشاركة العربية في مثل هذا المشروع الاستقصائي الصحفي الضخم تقريبا غير موجودة. وهدف هذه الملاحظة ليس القول بأننا كنا هناك ولكن التأمل في الغياب الصحفي العربي عن عمل استقصائي بالغ الأهمية وتاريخي لجهة كشف حجم الفساد الهائل في النظام الاقتصادي العالمي. كم بدا ذو معنى خلال الجلسات وخلال استعراض أسماء رؤساء الدول أو الشخصيات البارزة الواردة في الملفات المسربة من ضمن “وثائق بارايدايز” التلاصق بين عالمي السياسة والمال وكم بدت شركات الاوف شور أرضا جامعة لكل تناقضات السياسة. الأسماء العربية التي سربتها الملفات توضح حجما مهولا من التهرب من دفع الضرائب خصوصا من بين طبقات الرؤساء والأمراء والملوك والشيوخ ورجال الأعمال.. لا يبدو هذا تفصيلا في منطقة عربية حافلة بالحروب والأزمات والمشاكل الاقتصادية الخانقة، أعني أن تكون النخب العربية والسياسية والاقتصادية جزء من نظام التهرب العالمي من الضريبة في حين يرزح ملايين من أبناء المنطقة تحت وطأة الفقر والموت فتلك مفارقة متوحشة..

إقرأ أيضاً