fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

daraj admin

ana ladmin

مقالات الكاتب

“وثائق الزرع الطبي”: “جمهورية ميدترونيك” حولت مضخات القلب إلى مضخات نقود

سيدني بي فريدبرغ وسيلا ألكسي

في خريف 2008، كانت شركة الأجهزة الطبية العملاقة “ميدترونيك” في حال من الانهيار. كانت الأرباح تتراجع بسرعة. وكانت الشركة تصارع مئات الدعاوى القضائية بسبب جهاز قلبي الذي كان يصدم بعض المرضى بلا داعٍ ويفشل في إيقاف الأزمات القلبية في بعضهم الآخر.

وكانت السلطات في الولايات المتحدة تلاحق مزاعم بأن “ميدترونيك” رشت الأطباء في كل أنحاء أوروبا ليستخدموا منتجاتها. وقبل أشهر فقط، كانت الشركة وافقت على دفع 75 مليون دولار لتسوية مزاعم بأنها قامت بفرض رسوم مبالغ فيها على برامج صحية حكومية.

وفي مساء يوم الأحد الموافق 12 تشرين الأول / أكتوبر 2008، قام مسؤول الأخلاقيات في “ميدترونيك” بشحن ثلاثة مجلدات من الوثائق مصنفة سرية إلى المفتشين في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية في واشنطن العاصمة. وشملت الملفات التي سُلِّمت إلى الحكومة كجزء من إحدى التسويات، نسخة من مدونة الأخلاقيات في “ميدترونيك” المؤلفة من 10 صفحات. ومن بين أمور أخرى، تعهدت المدونة بأن “لا يجري تقديم أي رشاوى أو خوات أو مدفوعات أخرى لأغراض غير قانونية”.  

وشملت الوثائق نسخة من خطاب من الرئيس التنفيذي السابق ويليام هوكينز إلى موظفي “ميدترونيك”. وكتب هوكينز يقول، “لا يمكننا أن نسمح بأي شيء – لا تحقيق الأرقام أو الغرائز التنافسية أو الأوامر المباشرة من رئيس – أن تعرض التزامنا بالنزاهة للخطر”.

وعلى مدى العقد التالي، انقلبت الأمور. وصعدت “ميدترونيك” إلى قمة عالم الأجهزة الطبية، دافعة إلى أكثر من الضعف الإيرادات السنوية التي بلغت 30 مليار دولار. وأطلقت الآلاف من المنتجات وفتحت مكاتب في أكثر من 160 دولة.

كذلك انتهكت الشركة تعهدها بالنزاهة على نطاق عالمي، وفق ما تبين للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين من ضمن فحص شامل لمدة سنة لقطاع الأجهزة الطبية يسمى “ملفات الأعضاء المزروعة”.

وفي السنوات العشر التي تلت تعهد الشركة بالنزاهة، اتهمت الحكومات في أربع قارات “ميدترونيك” بالترويج لاستخدامات غير مصرح بها للمنتجات، والاحتيال على برامج الصحة الحكومية، وتحديد الأسعار مع المنافسين، والدفع للأطباء لإجراء دراسات ملائمة، والانخراط في سلوك مناهض للمنافسة.

وفي الولايات المتحدة، رفعت وزارة العدل دعوى على “ميدترونيك” حول مشاكل سلامة الأجهزة. وفي الهند، كشف المنظمون عن رفع غير مبرر للأسعار. وفرضت السلطات الصينية غرامة عليها بسبب ممارسات احتكارية.

وحققت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية في مزاعم تتعلق برشاوى استهدفت “ميدترونيك” في تركيا وماليزيا وفرنسا وألمانيا واليونان وبولندا لكنها أغلقت التحقيق بعد ست سنوات من دون اتخاذ إجراء.

ونفت “ميدترونيك” ارتكاب أي مخالفات وتؤكد أنها تمتثل بصرامة لقوانين مكافحة الفساد.

ويوفر تاريخ الشركة نافذة على بعض الممارسات التجارية في صناعة الأجهزة التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار والتي طورت منتجات متقدمة لإنقاذ الحياة، لكنها دفعت أيضاً باتجاه ثني الحدود القانونية والأخلاقية أو كسرها. كذلك واجهت منافسات “ميدترونيك” – “جونسون أند جونسون” و”أبوت لابوراتوريس” و”بوسطن ساينتيفيك” أو شركات تابعة لها – ادعاءات بالاحتيال والرشوة وغيرها من الانتهاكات.

وأكدت الشركات الثلاث أنها تدير أعمالها بأعلى المعايير الأخلاقية، وتلتزم بكل القوانين وتملك برامج صارمة لمنع سوء سلوك الموظفين.

تقوم “ميدترونيك” بصنع الأجهزة التي تساعد في السيطرة على مرض السكري وإدارة الألم المزمن والتخفيف من مرض باركنسون. واخترعت جهازاً لاسلكياً لتنظيم ضربات القلب بحجم حبة فيتامين. وهي تتوسع في مجالات جديدة من الطب – إدارة غرف العمليات، وترتيب قروض الرعاية الصحية، ومراقبة المرضى. لكن الشركة أو الشركات التابعة لها تواجه أيضاً تحقيقاً في تزوير العطاءات في البرازيل، وتحقيقات في ممارسات تجارية متعلقة بالأجهزة الوعائية في الولايات المتحدة، وادعاءات متعلقة بالتهرب الضريبي في إيطاليا.

الرسوم لـ Christian Chung (ICIJ)

التحقيق يشمل 36 بلداً

على مدار سنة، تابع أكثر من 250 من المراسلين وأخصائيي البيانات من 58 مؤسسة إخبارية في 36 دولة تحقيق ملفات الأعضاء المزروعة. وشمل ذلك إجراء مقابلات أو مراجعة شهادات من أكثر من 50 موظفاً في “ميدترونيك” والتحدث مع العشرات من المسؤولين الحكوميين والمرضى والأطباء والخبراء. ودقق المراسلون في عشرات الآلاف من صفحات الإيداعات القضائية وسجلات الشركات والتقارير التنظيمية والمراجعات الحكومية وسجلات اللوبي ونسخ دعوات المحللين ومقالات المجلات الطبية وغيرها من الوثائق.  

ورفض عمر إشراق، الرئيس التنفيذي لـ”ميدترونيك”، التعليق على هذه القصة. وفي بيان مكتوب، قال الناطق باسم “ميدترونيك” روب كلارك إن الشركة تعتبر سلامة المرضى أولوية قصوى وتدعم “أعلى معايير الممارسة الأخلاقية”.  

ونفى كلارك حصول الأطباء على أموال لاستخدام منتجات “ميدترونيك” أو ترويجها بطرق غير مصرح بها. ولم تجب “ميدترونيك” على أسئلة حول مزاعم محددة عن ارتكاب مخالفات ورد ذكرها في هذه المقالة، لكنها أكدت أن العديد منها يستند إلى “ادعاءات لا أساس لها من متقاضين ونقاد للصناعة”.

وقال كلارك، “إن الادعاءات ليست حقائق ولا ينبغي تفسيرها على أنها توحي بأن ميدترونيك قد انتهكت التزاماتنا القانونية أو الأخلاقية أو التنظيمية بأي شكل من الأشكال”، مضيفاً أن موظفين أو شركات تابعة قاموا بحالات قليلة بخرق قواعد الشركة، وجرت معاقبتهم. “سمعتنا هي نتيجة التزامنا بسلامة المرضى والشفافية والامتثال والممارسات التجارية الأخلاقية”.  

 

صعدت “ميدترونيك” إلى قمة عالم الأجهزة الطبية، دافعة إلى أكثر من الضعف الإيرادات السنوية التي بلغت 30 مليار دولار. وأطلقت الآلاف من المنتجات وفتحت مكاتب في أكثر من 160 دولة.

 

وفي شباط / فبراير، قال الرئيس التنفيذي إشراق للمستثمرين أن العلاجات في “ميدترونيك” تجعل الحياة أفضل لأكثر من 70 مليون مريض جديد كل عام – ما يحسن حياة شخصين كل ثانية.

وحدد تحليل الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين لتقارير الأحداث السلبية المرفوعة إلى المنظمين الأميركيين في الفترة من 2008 إلى 2017، تسعة آلاف و300 حالة وفاة و292 ألف إصابة يحتمل ارتباطها بمنتجات مصنوعة من قبل “ميدترونيك” أو شركات تابعة لها.

وفي العام 2017، جرى ربط واحد من كل خمسة تقارير تتعلق بأحداث ضارة بسبب أجهزة طبية بجهاز من صنع “ميدترونيك” – أي أكثر من ضعف النسبة لدى المنافسين. كذلك وضعت تقارير مقدمة إلى السلطات في اليابان والنرويج وأستراليا “ميدترونيك” ضمن الشركات المصنعة المرتبطة بمعظم تقارير الأحداث السلبية خلال السنوات الخمس الماضية.

وفي بيان الشركة إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أكد الناطق كلارك على أحدث أنظمة السلامة في “ميدترونيك” والمراقبة المستمرة للمنتجات قبل موافقة المنظمين وبعدها لتوضيحها لاستخدام المرضى.  ومع ذلك، قال إن كل المنتجات الطبية – بغض النظر عن مدى حسن تصميمها ودقة اختبارها – تنطوي على مخاطر.

وفي السنوات العشر التي تلت تعهّدها بأخلاقيات المهنة، خصّصت “ميدترونيك” 6.7 مليار دولار للتكاليف القانونية، وذلك لأسباب منها تسوية حوالي 20 ألف مطالبة من المحاكم والمرضى. وخلال الفترة نفسها، حققت الشركة صافي دخل بلغ مجموعه 34 مليار دولار. ونمت قيمتها السوقية إلى 124 مليار دولار من 35 مليار دولار قبل عقد من الزمن.

يقول الدكتور تشارلز روزين، جراح العمود الفقري في كاليفورنيا والذي شارك في تأسيس جمعية أخلاقيات الطب، وهي مجموعة من المدافعين عن المرضى، “إنه نموذج تجاري ناجح ذلك الذي تتبعه ميدترونيك، حتى لو كان يضر بالمرضى”. وأبلغ روزين عن دراسات أجراها استشاريون يعملون في الصناعة وضغط من أجل كشف العلاقات المالية بين شركات الأجهزة والأطباء. وقال إن تكاليف سحب المنتجات أو تسوية حالات المسؤولية “بسيطة نسبياً” مقارنة بالأرباح، و”هي عبارة فقط عن ثمن ممارسة الأعمال”.

من العمل بالسر إلى المبلغين

تأسست “ميدترونيك” في مرأب بمدينة مينيابوليس في العام 1949 من قبل مهندس كهربائي يعمل سراً اسمه إيرل باكن. وبعد ثماني سنوات، صنع باكن جهازاً لتنظيم ضربات القلب يعمل بالبطارية، وبحجم الهاتف الذكي تقريباً، يمكن لصقه على الصدر، لتحرير مرضى القلب من البقاء في الأسرة.

ووظف باكن، الذي توفي الشهر الماضي عن عمر يناهز 94 سنة، مديرين وموظفي مبيعات لتلبية احتياجات السوق المتنامية من الجراحين وأطباء القلب.

وبحلول العام 1977، سيطرت “ميدترونيك” على سوق أجهزة تنظيم ضربات القلب، وتفرعت في مجال أجهزة التنفس، وأدوات علاج الدوالي، والمحفزات الكهربائية لعلاج ضعف عضلات المعدة.  وكانت الشركة أُدرِجت في البورصة في ذلك العام وفي قائمة مجلة “فورتشن” لأكبر 500 شركة في العام 1985.

وفي محاولة لقضم جزء من السوق الضخمة لعلاج آلام الظهر، استحوذت “ميدترونيك” على الشركة الرائدة للصناعة “سوفامور دانيك” في العام 1999. وكانت الشركة المقيمة في مدينة ممفيس طورت “إنفيوز”، وهو زرع عظمي لعلاج الأقراص الشوكية الضعيفة، وامتصاص الصدمات بين الفقرات. ويحتوي “إنفيوز”، المعروف في أوروبا باسم “إندكتوس”، على جزئين: مسحوق مصمم بيولوجياً يحفز نمو العظام، وإسفنج قابل للامتصاص للإمساك بالمسحوق. ويُستخدَم “إنفيوز” مع قفص معدني يوضع بين الفقرات، التي تُدمَج معاً بعدئذ.

ووافقت إدارة الأغذية والأدوية الأميركية على “إنفيوز” في العام 2002 لاستخدامه في قسم صغير من أسفل الظهر. وكشفت نتائج الاختبار الآثار الجانبية الضارة المحتملة من الاستخدامات الأخرى. ومنذ البداية، زرع الجراحون “إنفيوز” بطرق لم تسمح بها إدارة الأغذية والأدوية بما في ذلك إصلاح فقرات العنق والجماجم.

ومن القانوني أن يستخدم طبيب منتجاً بطرق لم توافق عليها إدارة الأغذية والأدوية، لكن يُمنع المصنِّعون من الترويج لاستخدامات تُوصَف بأنها خارج التسمية.  وشددت “ميدترونيك” في بيانها الصادر إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين على أنها تسوق المنتجات للاستخدامات المعتمدة فقط.

ومع ذلك زعم موظفون سابقون في دعوى قضائية ضد الشركة أن مندوبي المبيعات والمستشارين في “ميدترونيك” شاركوا في حملة ترويجية لإجبار الأطباء على استخدام “إنفيوز” في إجراءات أخرى خارج التسمية تتعلق بالعمود الفقري.

وقالت بوبي فادين، وهي كاتبة سابقة في قسم العمود الفقري في الشركة، في مقابلة أجريت معها، إن كبار البائعين حصلوا على عمولات سخية. وتذكرت قائلة، “كانوا يُدفعون بالقول ‘بيعوا أكثر، بيعوا أكثر'”.

وقالت صديقة فادين، وهي المديرة الأولى السابقة لشؤون السياحة في الشركة، جاكلين كاي بوتيت، في مقابلة منفصلة إن عملها كان ترتيب رحلات إلى منتجعات فاخرة للأطباء وتشجيع الولاء من خلال هدايا مثل ساعات “رولكس”. كذلك ساعدت في تنظيم ندوات وعيادات لكبار الشخصيات، شُجِّع خلالها الأطباء الذين دفعت لهم “ميدترونيك” على استخدام “إنفيوز” وغيره من منتجات “ميدترونيك” وفق التسمية وخلافاً لها، وذلك وفق ادعاء قضائي تبليغي تقدمت به بوتيت وفادين.  

 

في السنوات العشر التي تلت تعهد الشركة بالنزاهة، اتهمت الحكومات في أربع قارات “ميدترونيك” بالترويج لاستخدامات غير مصرح بها للمنتجات، والاحتيال على برامج الصحة الحكومية

 

وقالت بوتيت إن الأطباء قبلوا هذه الخدمات وأحياناً طلبوا غيرها، واتصلوا في كل الأوقات للتقدم بطلبات شخصية.  وقالت، “كانوا يعتبرونني صديقتهم عندما أتمكن من الحصول على تذاكر من الدرجة الأولى لهم. وبعد ذلك لا أعود صديقتهم”.

وكان الدكتور ديفيد بولي جونيور، الرئيس السابق لجراحة العظام في ما كان آنذاك يُعرَف بـ”مركز والتر ريد الطبي للجيش” في واشنطن، من الأطباء الذين عملت معهم. وقالت بوتيت إنها حجزت لبولي مقعداً في الدرجة السياحية ليتحدث عن إجراءات العمود الفقري في مؤتمرات في منطقة الكاريبي وأوروبا. وكانت “ميدترونيك” قد دفعت لبولي ما يقرب من 600 ألف دولار من العام 2003 إلى العام 2005، وفقا لدفتر الأستاذ المقدم إلى محققي مجلس الشيوخ الأميركي.

ولم يستجب بولي، وهو الآن أستاذ في جامعة مينيسوتا، لطلبات الحصول على تعليق، لكن الوثائق تظهر أنه قدم المشورة وعمل دورات تدريبية لصالح “ميدترونيك”. وسبق أن أخبر بولي صحيفة “نيويورك تايمز” أن المدفوعات من “ميدترونيك” لم تؤثر على قراراته الطبية.

كذلك استخدم “إنفيوز” خارج التسمية لعلاج جنود جرحى في أفغانستان والعراق، حسب ما أوردته الدعوى القضائية. وفي العام 2004، نشر بولي وجراحان آخران تقريراً إيجابياً عن القفص القابل للامتصاص والمستخدم مع “إنفيوز” لعلاج ظهور الجنود. وكانت إدارة الأغذية والأدوية وافقت على استخدام هذه الأقفاص لكن ليس في العمود الفقري لأنه لم تكن قادراً على تحمل الأحمال الثقيلة.

وعلى الرغم من أن الأطباء يستطيعون أن يستخدموا الأجهزة التي وافقت عليها إدارة الأغذية والأدوية خلافاً للتسمية، إلا أن الجراحين لم يطلبوا إذناً لنشر البحث، وفق مسؤولين في الجيش.

وفي العام 2008، نشر جراح آخر من الجراحين الثلاثة، الدكتور تيموثي كوكلو، دراسة عن الجنود المصابين الذين عولجوا بواسطة “إنفيوز” في “والتر ريد”. وسُحِبت الدراسة بعدما أخطر الجيش المجلة الطبية بأن كوكلو أدرج العديد من الجراحين كمؤلفين مشاركين من دون علمهم. وأوضحت صحيفة “نيويورك تايمز” نقلاً عن محققين في الجيش أن الدراسة بالغت أيضا في فوائد “إنفيوز”. وكشفت “ميدترونيك” في وقت لاحق أنها دفعت إلى كوكلو ما يقرب من 800 ألف دولار في رسوم استشارية من العام 2001 إلى العام 2009.

ولم يستجب كوكلو لطلبات للحصول على تعليق. وقال محاميه السابق، هنري دين، إن مراجعة وجدت أدلة غير كافية للاستنتاج بأن أي من نتائج الدراسة قد اختُلِقت. ولم يستجب الجيش أيضاً لطلبات التعليق.

وبحلول ربيع 2008، كانت السلطات تضيق الخناق على “ميدترونيك” على عدة جبهات. وفي أيار / مايو، وافقت “ميدترونيك” على دفع 75 مليون دولار لتسوية ادعاءات بأن فرعاً آخر لعلاج العمود الفقري احتال على برامج صحية حكومية أميركية. ووقّعت الشركة على اتفاقية سلامة العمل المؤسسي لمدة خمس سنوات مع مكتب المفتش العام في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، ووعدت بتشديد الرقابة والتدقيق في المعاملات مع الأطباء والالتزام بالقانون. وهذا هو التعهد الذي فصلته “ميدترونيك” في الوثائق التي نُقِلت إلى واشنطن في وقت لاحق من العام.

واعتباراً من ربيع 2008، استُخدِم “إنفيوز” “بنجاح” لعلاج أكثر من 500 ألف مريض، وفق إعلان من الشركة. وقدرت تحليلات السوق التي ورد ذكرها في تحقيق داخلي أن “إنفيوز” كان يستخدم خارج التسمية في 60% إلى 85% من الوقت.

وفي 1 تموز / يوليو 2008، أصدرت إدارة الأغذية والأدوية تحذيراً للأطباء. وأفادت الوكالة بأنها تلقت 38 تقريراً حول “مضاعفات تهدد الحياة” من استخدام “إنفيوز” في أعناق المرضى. وأبلغ مرضى عن تورم في الرقبة والحلق ما تسبب في مشاكل في البلع والتحدث وحتى التنفس. وتطلب بعضهم جراحة طارئة لإحداث فتحة في الحلق لتسهيل التنفس.

توقيت رهيب ومأساوي

لم تتلقَ شيرلي نيسبت التحذير قط.

ويوم الخميس، 21 آب/ أغسطس، 2008، قبل الفجر، نقلها زوجها، والتر، إلى مستشفى في بالدوين بارك، بولاية كاليفورنيا، لإجراء جراحة في العنق. كانت نيسبت تشعر بألم مستمر. وكان جراح العظام، الدكتور يوهانس بيرنبيك، قال إن أنسجة تضغط على الحبل الشوكي تحتاج إلى الإزالة.

وكان ممثل “ميدترونيك” موجوداً في غرفة العمليات – وهي ممارسة شائعة في صناعة الزرع خلال الإجراءات الخاصة بأجهزة معقدة. وفي منتصف العملية جراحية، وفق دعوى قضائية قدمتها عائلتها، شجع ممثل “ميدترونيك” بيرنبيك على علاج العمود الفقري العنقي لنيسبت، وهو جزء من العمود الفقري يمر في الرقبة، بـ”إنفيوز”.

وبعد العملية، عانت نيسبت من كل التعقيدات المذكورة في التحذير. لقد تضخمت رقبتها. وواجهت صعوبة في البلع. وأصبح تنفسها صعباً. وفي صباح 26 آب / أغسطس، وقعت الأم البالغة من العمر 74 سنة في غيبوبة.  وتوفيت بعد أربعة أيام.

وأحال بيرنبيك، الذي لم يرد اسمه كمدعى عليه في الدعوى القضائية، الأسئلة إلى المستشفى. ورفض المستشفى التعليق، مشيراً إلى خصوصية المرضى. وفي ذلك الوقت، نفت “ميدترونيك” ارتكاب مخالفات وأكدت أن ممثلها لم يوصِ باستخدام مخالف للتسمية لـ”إنفيوز” في حالة نيسبت.

ورُفِضت القضية.

وبعد أربع سنوات من وفاة نيسبت، أصدرت لجنة المالية في مجلس الشيوخ الأميركي تقريراً قوياً مكوناً من ألفين و300 صفحة استناداً إلى خمسة آلاف صفحة من سجلات الشركة تغطي الأحداث من 1996 إلى 2011.

واتهم التقرير “ميدترونيك” بإخفاء 210 ملايين دولار من رسوم الاستشارات ورسوم الإتاوة للأطباء الذين كتبوا 13 دراسة مؤيدة لـ”إنفيوز”. ولم تذكر تلك الدراسات المخاطر الجدية التي اعترف بها الباحثون المستقلون، مثل السرطان والعقم عند الذكور.

وأفادت الشركة بأنها عمدت بعد تحقيق مجلس الشيوخ، إلى تعزيز السياسات المتعلقة بالمدفوعات للباحثين واتخذت خطوات أخرى لزيادة الشفافية. وفي أوائل العام 2012، عينت “ميدترونيك” جيمس كيروين، وهو خبير في الصناعة، لتحسين تطوير المنتجات السريرية في قسم العمود الفقري. وبعد حوالي سنة، قال كيروين في مقابلة، إن أحد زملائه وجد دراسة على رف. ووثقت الدراسة تقارير تفيد بوجود أكثر من ألف إصابة ووفاة بسبب “إنفيوز” لم تُقدَّم إلى إدارة الأغذية والأدوية.

وشعر كيروين بالقلق من أن “ميدترونيك” انتهكت القانون من خلال عدم الإبلاغ عن الأحداث السلبية في العام 2008، عندما توقفت الدراسة. وفي نهاية المطاف، قامت “ميدترونيك” بالإبلاغ عن تلك الأحداث للهيئات التنظيمية وعزت التأخير إلى حفظ المعلومات في شكل غير صحيح. وقال الناطق باسم “ميدترونيك” كلارك إن الشركة تبذل قصارى جهدها لإبلاغ المنظمين على الفور عن كل الأحداث السلبية.

وقال كيروين إنه لم يدرك تماماً سبب عدم الإبلاغ عن النتائج.  وأضاف، “لا يمكنني أبداً معرفة ما إذا كانوا غير أكفاء أو أشراراً”.

دورغابور، الهند: “قلب صحي للجميع”

فشلت اتفاقية الأخلاق للعام 2008 في إنهاء مشاكل “ميدترونيك” مع الحكومة الأميركية. وبعد سنتين، مع تركيز مجلس الشيوخ على مدفوعات “ميدترونيك” للأطباء، أعلن الرئيس التنفيذي للشركة هوكينز عن تقاعده في سن الـ56. وخلفه عمر إشراق، المهندس البنغالي المولد من وحدة الرعاية الصحية الشاملة التابعة لـ”جنرال إلكتريك”.

وبدأ إشراق بالإعلان عن التزام متجدد بالأخلاق. وقال إن مهمة الشركة “تدعونا لأن نكون معياراً غير مسبوق للمقارنة وأن يُعترف بنا كشركة من التفاني والأمانة والنزاهة والخدمة”.

وفي أول مؤتمر جماعي له مع المستثمرين، قال إشراق إن الشركة ستركز على تقديم رعاية أفضل وأقل تكلفة للمرضى، وخلق نماذج أعمال جديدة، وتسريع المبيعات الدولية، ولاسيما في البلدان النامية.

ونظرت “ميدترونيك” إلى الهند، مع 1.2 مليار عميل محتمل، كهدف رئيسي. ووصفها إشراق، في مقابلة في ذلك الوقت، بأنها “أكبر ثقب في الشركة”.

وتمثل أحد التحديات التي واجهتها الشركة في تكلفة منتجاتها. ولم يكن لمعظم الهنود تأمين صحي، وكان متوسط الدخل السنوي للفرد حوالي ألف و500 دولار.

وفي نهاية العام 2010، أُطلقت وحدة “ميدترونيك” في الهند باسم “قلب صحي للجميع”. وكان هدفها بيع أجهزة تنظيم ضربات القلب ودعامات الشرايين التاجية للمرضى ذوي الدخل المنخفض عن طريق خفض تكلفة الأجهزة، وكذلك وفي تطور في عملها، تقديم قروض للمرضى لشرائها.

ووجدت الشركة شركاء بين المستشفيات الهندية الخاصة.

وكان الشريك الأول مستشفى ميشن، وهو مرفق جديد بسعة 360 سريراً في دورغابور، وهي بلدة تقوم على صناعة الصلب تقع على بعد 100 ميل (161 كم) من كولكاتا. وسعى المستشفى إلى توفير الرعاية بأسعار معقولة لجميع الهنود، لكن سرعان ما اصطدم هدفه المثالي بالواقع. وقال رئيس مجلس إدارة المستشفى الدكتور ساتياجيت بوس في مقابلة، “كان شعارنا في البداية الصحة للجميع. لكن الغداء لا يأتي مجاناً.”

وعرض مديرو “ميدترونيك” في الهند مساعدة المستشفى على اجتذاب مرضى جدد من خلال برنامج تمويل المستهلك، بدعم من الحملات التسويقية على الطريقة الأميركية. وبالتعاون مع شركة استشارية كلفتها “ميدترونيك”، نشر المستشفى إعلانات في الصحف المحلية للترويج لصحة القلب ونظم أنشطة ترويجية في وسط مدينة دورغابور.

 

حدد تحليل الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين لتقارير الأحداث السلبية المرفوعة إلى المنظمين الأميركيين في الفترة من 2008 إلى 2017، تسعة آلاف و300 حالة وفاة و292 ألف إصابة يحتمل ارتباطها بمنتجات مصنوعة من قبل “ميدترونيك” أو شركات تابعة لها

 

وكان المريض الأول عبارة عن أم عازبة من دورغابور. ووُضع وجهها المبتسم على لوحات الإعلانات في كل أنحاء المدينة. وورد في إعلان، “أن جراحة زرع جهاز تنظيم ضربات القلب أصبحت الآن بأسعار معقولة لمن هم دون خط الفقر”.

وأجرى المستشفى فحوصاً للقلب مجانا في المدارس والمعابد الريفية. واصطف مئات المرضى لاختبارات تشخيص مشاكل القلب. وأُحيل حوالي واحد من كل 10 إلى المستشفى لإجراء فحوص إضافية أو لزرع منظم للضربات، أو دعامات تاجية، أو مزيل للرجفان من “ميدترونيك”، وفق تقرير للدكتور بوس وتقارير للشركة.

وفي المستشفى، كان يمكن للمرضى التقدم بطلب للحصول على القروض التي دفعت ما يصل إلى 85 بالمائة من تكلفة الجهاز، بسعر فائدة 8.25 بالمائة، كما تظهر وثائق التسويق. وقدمت القروض “مؤسسة ماتريكا”، وهي مؤسسة غير ربحية صغيرة تقبع في مبنى سكني متداعٍ شمال مومباي. وقال كيران مور، وهو أحد أمناء المؤسسة، للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين إن “ميدترونيك” قدمت أموالاً للقروض. ولم ترد الشركة على أسئلة حول هذا الترتيب.

وبحلول أواخر العام 2012، أفادت “ميدترونيك” بأن الحملة فحصت 20 ألف مريض، مع تلقي ألفين منهم لأجهزة قلبية. وبعد مرور سنة، قفز عدد المدن التي تضم مستشفيات تبنت البرنامج إلى 20 من أربع.

في ذلك الوقت، أشاد الدكتور سانجاي تارليكار، مدير مركز القلب في مستشفى شوشروشا، الشريك لـ”ميدترونيك” الواقع في إحدى ضواحي مومباي، ببرنامج “قلب صحي للجميع”، واصفاً إياه بأنه “راحة للمرضى والمستشفيات على حد سواء”.

لكن البرنامج أثار انتقادات من بعض الأطباء القلقين من ارتفاع الديون بين الفقراء. كذلك أقلقهم أن تمويل المستهلك للأجهزة الطبية قد يدفع الأطباء إلى التوصية بإجراء عمليات جراحية لمرضى قد لا يحتاجون إليها.

وقال الدكتور أجيت مولاساري، مدير طب القلب في “بعثة مدراس الطبية”، “إن إغراق الأشخاص الفقراء بالفعل في الديون غير معقول”.

وفي العام 2014، قدمت مجموعة دعم المستهلك في مومباي شكوى إلى إدارة الأغذية والأدوية في ولاية ماهاراشترا. واتهمت وحدة “ميدترونيك” في الهند وستة موزعين ببيع منتجات بأسعار “باهظة” ودفع رشاوى للأطباء. وعلى الرغم من أن الوكالة الهندية لم تجد دليلاً على وجود فساد، إلا أنها أشارت في تقرير لها إن المرضى دفعوا أسعاراً “مبالغاً فيها” لدعامة “ميدترونيك” ما يصل إلى 12 ضعف ما دفعته الشركة لاستيرادها.   كذلك أفاد المنظمون بأن وحدة “ميدترونيك” الهندية حققت “ربحاً هائلاً” على حساب “الضحايا الفقراء”، أي المرضى.

وقطع كل من مستشفى “البعثة”، في دورغابور، و“مركز القلب” في شوشروشا، في ضواحي مومباي، روابطهما ببرنامج “قلب صحي للجميع” بعد مزاعم بالتلاعب في الأسعار، على حد قول مديريهما في مقابلات. ولم تستجب أربعة مستشفيات أخرى حددها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين كمشاركة في البرنامج على طلبات للتعليق.

واليوم، يقول تارليكار، مدير “مركز القلب” في شوشروشا، إن “ميدترونيك” لم تف بوعدها بمساعدة الأطباء على علاج المرضى المحتاجين بأجهزة منخفضة التكلفة. وقال، “لقد خدعونا”.

المبيعات قبل السلامة؟

لم يكن مسعى “ميدترونيك” للنمو أقوى في أي مكان منه في وحدة مرض السكري التي تتخذ من نورثريدج بكاليفورنيا مقراً لها. تصنع الوحدة جهازاً لمراقبة الغلوكوز وأجهزة استشعار ومضخات تقدم الأنسولين في جرعات خاضعة للرقابة، ما يلغي الحاجة إلى وخز دائم للأصابع وحقن يومية متعددة.

ويُعتبر السوق العالمي لمرض السكري ضخماً لكل من مصنعي الأدوية والأجهزة. وأنفقت الحكومات حول العالم 1.3 تريليون دولار على علاج مرض السكري في العام 2015، مع اتجاه التكاليف إلى الارتفاع. ويمكن أن تكلف مضخة الأنسولين ستة آلاف دولار وتقدّر تكلفة تعبئتها بما بين ثلاثة آلاف وستة آلاف دولار في السنة. ويمكن للمرضى الذين يتحولون من حقن الأنسولين المتعددة إلى المضخات تقليل نفقات الأنسولين بحوالي 650 دولاراً سنوياً.

وسيطرت “ميدترونيك” لفترة طويلة على سوق علاج مرض السكري من النوع الأول، وهو في الغالب أخطر أشكال المرض. وهو عادة ما يتطور في الأطفال والشباب البالغين ويمثل 5 إلى 10 بالمائة من كل حالات السكري.  

وفي السنوات الأخيرة، بدأ المنافسون في الإطباق على سوق السكري الأوسع مع أجهزة جديدة صديقة للعملاء، ما أدى إلى تآكل المزايا التكنولوجية لشركة “ميدترونيك”. وارتفع الضغط داخل وحدة نورثريدج من أجل نمو المبيعات، وفق زعم موظفين سابقين في وقت لاحق في دعاوى قضائية.  

وبحسب دعوى قضائية صادرة عن آدم ويتكن، وهو مدير سابق لمبيعات الأراضي في أوريغون، سعت الشركة إلى توسيع قاعدة عملائها من مرضى السكري من النوع الثاني، الذي غالباً ما يرتبط بالسمنة والشيخوخة.

وقال ويتكن إن الشركة كافأت الأطباء الذين روّجوا لمضخات الأنسولين بندوات مدفوعة الأجر، ومعدات مجانية، وتمويل للأبحاث، ورحلات، ووجبات عشاء فخمة.  

وشجعت إحدى مذكرات الشركة، التي قُدِّمت كدليل في الدعوى القضائية، ممثلي المبيعات على تطوير علاقة مع موظفي مكاتب الأطباء ووصفت سهولة الوصول إلى المعلومات السرية للمرضى في مكتب لطبيب متخصص في الغدد الصماء في لاس فيغاس. وأفادت المذكرة، “يجب أن تكون لديك حرية في مكتب الطبيب، وسوف يسمح لك بسحب الرسوم البيانية. وذات مرة، مررت بملفات جميع مرضاه وأبلغت عن المرضى المحتمل استفادتهم من المضخة. لقد حان الوقت للقيام بذلك مرة أخرى”.

 

في السنوات العشر التي تلت تعهّدها بأخلاقيات المهنة، خصّصت “ميدترونيك” 6.7 مليار دولار للتكاليف القانونية، وذلك لأسباب منها تسوية حوالي 20 ألف مطالبة من المحاكم والمرضى

 

وفي طريقة لدفع مبيعات المضخات، قال ويتكن في الدعوى القضائية المعلقة، قام هو ومندوبو مبيعات “ميدترونيك” في بعض الأحيان بإدخال أجهزة استشعار مراقبة إلى المرضى، وهو إجراء طبي لم يكن بعضه مرخصاً له.

وكتب ويتكن في خطاب أرسله في شباط / فبراير 2011 إلى الإدارة القانونية في “ميدترونيك” يقول، “ليس لديّ أي عمل قانوني أو شهادة معروفة للقيام بأي إجراء تشخيصي أو المشاركة فيه”.

وقال ويتكن إنه طُرد لعدم قيامه بتحقيق حصته من مبيعات مضخات الأنسولين. وعارضت “ميدترونيك” مزاعمه، مشيرة في ملفات المحكمة إلى أن قسم مرض السكري لديه أعلى المعايير الأخلاقية. وأضافت الشركة أن ويتكن وجميع الموظفين تلقوا تدريباً في قواعد مكافحة الرشاوى، وأُبلِغوا مراراً وتكراراً بأن الأطباء أو الموظفين المرخص لهم فقط هم الذين يمكنهم القيام بإجراءات طبية. ولم يُسمح للأطباء مطلقاً بطلب فواتير في مقابل خدمات لم يقدموها، وفق الشركة.

وقال ديفيد زوزيك وهو موظف سابق آخر في قسم مرض السكري إنه حذر المشرفين في أربع مناسبات بين 2009 و2013 من أن جهازاً جديداً لمراقبة الغلوكوز، اسمه “سنترينو”، لم يكن جاهزاً لاستخدام المرضى. أو على الأقل، لم يكن جاهزاً من دون “تحذيرات جوهرية” لمستخدميه في شأن حدوده. وأُدخل الجهاز إلى السوق في أوروبا من دون اختبارات كافية للسلامة، وفق قضية صرف غير مشروع تقدم بها زوزيك في محكمة بولاية كاليفورنيا.

وقال زوزيك، وهو مدير سابق للتخطيط للمنتجات،  أيضاً إن مديري “ميدترونيك” طلبوا منه طمس البيانات السريرية “التي لم تدعم سلامة سنترينو وأدائه”.

ونفت “ميدترونيك” كل المزاعم في ملفات المحكمة قبل التوصل إلى تسوية سرية مع زوزيك في العام الماضي. وفي بيانها إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أنكرت الشركة قيامها بطمس البيانات السريرية حول أي منتج.

وقال زوزيك في الدعوى القضائية إن مخاوفه في شأن مشاكل الجودة والتنمية قد تم التحقق منها في أيلول / سبتمبر 2013، عندما أرسلت إدارة الأغذية والأدوية رسالة تحذير إلى “ميدترونيك”. وأشارت الرسالة إلى عيوب شبيهة بتلك التي قال زوزيك إنه كان يرفع تقارير عنها إلى الإدارة لما يقرب من سنتين.  

وازدادت مبيعات منتجات “ميدترونيك” لمرض السكري، إذ وافقت دول مثل ألمانيا وأستراليا وشيلي على إعانات حكومية جديدة أو تغطية تأمينية لمضخات الأنسولين. وفي الولايات المتحدة، فازت “ميدترونيك” بصفقات حصرية لمضخاتها مع شركة التأمين “يونايتد هيلثكاير” ووزارة شؤون المحاربين القدامى الأميركية.

وعلى مدار العقد من الزمن الذي بدأ في العام 2008، تعرضت مضخات الأنسولين من “ميدترونيك” وأجزائها لـ20 عملية سحب، ونحو 100 دعوى قضائية تدعي خللاً في عملها.

وفي رسالة التحذير للعام 2013، وجهت إدارة الأغذية والأدوية اللوم إلى الشركة لفشلها في التحقيق أو الاستجابة الفورية لشكاوى المستهلكين أو تقارير حول الوفاة. وفي إحدى الحالات التي تأخرت فيها في الإبلاغ، وفق الوكالة، ربما أدى عطل محتمل في المضخة إلى ضخ زائد للأنسولين تسبب في وقوع المريض في غيبوبة السكري.

وأشارت رسالة التحذير إلى انتهاكات لقواعد جودة المنتجات الأميركية، بما في ذلك تسرب المضخة، ومشاكل في التصنيع، وتغييرات غير مختبرة في التصميم، وعيوب في البرمجيات، وعدم كفاية تدريب الموظفين.

ووجد تحليل للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين لتقارير الأحداث السلبية لإدارة الأغذية والأدوية من 2008 إلى 2017 أن مضخات الأنسولين من “ميدترونيك” ربما ترتبط بأكثر من ألف و800 حالة وفاة وما يقرب من 96 ألف إصابة – أي أكثر من أي نوع من الأجهزة الطبية.  

وأشارت “ميدترونيك” إلى أن تقارير الأحداث السلبية عن الإصابات والوفيات يمكن أن تكون مضللة أو تستند إلى معلومات غير كاملة أو غير دقيقة، لذلك من المستحيل استخلاص استنتاجات حول ما إذا كان الجهاز الطبي هو الملام. وساعدت مضخات الأنسولين لديها مئات الآلاف من المرضى على إدارة داء السكري، ولا يعني سحب جهاز ما أنه معيب أو خطير، وفقاً للشركة.  وقال الناطق باسمها كلارك، عندما تكون هناك حاجة إلى سحب، فالشركة تتصل بالأطباء والمرضى.

وفي مقابلات مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وشركائها من وسائل الإعلام، قالت أسر في فنلندا وألمانيا وكندا والهند والولايات المتحدة إن “ميدترونيك” كانت بطيئة في الرد على الشكاوى وفشلت في إبلاغهم عن مشاكل في مضخات الأنسولين.

وفي آب / أغسطس 2017، في بلدة ألهارما في غرب فنلندا، استيقظ روبي كاوبي البالغ من العمر 12 عاماً في إحدى الليالي مع انخفاض في نسبة السكر في الدم في شكل خطير. وصرخ. وأثناء انتظاره لسيارة إسعاف، انهار على ذراع والده وغاب عن الوعي. وتعافى الصبي، لكن والديه قالا إنهما يشكان في أن مضخة الأنسولين من “ميدترونيك” ضخت من الأنسولين أكثر مما يجب.

وتلقي الأسرة باللوم على الشركة لعدم إبلاغها على الفور بمشاكل السلامة المحتملة.

وقال آل كاوبي إنهم أرسلوا المضخة إلى “ميدترونيك” لاختبارها وينتظرون النتائج.  

وقال تاباني، والد روبي، “إنه جهاز جيد عندما يعمل. لكن يمكن أن يكون خطيراً عندما لا يعمل. فأي شيء يمكن أن يحدث”.

آلة الضغط

في مؤتمر لـ”غولدمان ساكس” في رانشو بالوس فيرديس، بكاليفورنيا، في حزيران / يونيو 2014، واجه الرئيس التنفيذي لـ”ميدترونيك” إشراق حشداً من المستثمرين والمطلعين على الصناعة. وأرادوا أن يعرفوا عن المنتجات المحتملة وما هو الابتكار الذي سيدفع أسهم الشركة بعد ذلك.

وقال أحد المشاركين، “أرني المال”.

وبعد أقل من أسبوع، أعلنت “ميدترونيك” واحدة من أكبر الصفقات في تاريخ شركات التكنولوجيا الطبية: الاستحواذ في مقابل 42.9 مليار دولار على شركة منافسة، هي “كوفيديان بي إل سي” ومقرها دبلن. وستحتفظ “ميدترونيك” بمقرها في مينيابوليس لكنها ستُسجَّل في إيرلندا حيث ستحتل طابقاً واحداً من مبنى متواضع للمكاتب في دبلن. وكانت المناورة تعني أن “ميدترونيك” ستدفع ضرائب بمعدل ايرلندي يبلغ 12.5 بالمائة بدلاً من نسبة أميركية تصل إلى 35 بالمائة. ويمكن أن تضع 14 مليار دولار في الخارج من دون دفع ضرائب أميركية.

وصفقت لها وول ستريت. ومع ذلك، فإن ترتيبات كهذه، في وقت كانت فيه المناورة الهادفة إلى تجنب الضرائب شائعة بين الشركات العابرة للحدود التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، كانت تجذب أيضاً نيراناً سياسية.  فقد دعا الرئيس الأميركي باراك أوباما الترتيبات، المعروفة باسم الانقلابات الضريبية، طريقة “للتلاعب بالنظام” واقترح مشروع قانون لفرض وقفها.

وكان لدى “ميدترونيك” بالفعل لوبي وفرق قانونية قوية، تضمنت انتصاراتها البارزة قضية كانت أمام المحكمة العليا الأميركية في العام 2008 وخفضت في شكل كبير من قدرة المرضى على المقاضاة بسبب الأجهزة المعيبة.  وعندما شارك واحد من كل أربعة أعضاء في الكونغرس في رعاية تشريع لاستعادة حقوق التقاضي، نجحت “ميدترونيك” وشركات الأجهزة الأخرى في الضغط لقتل التشريع. وفي العام 2012، أنفقت الشركة ما يقرب من مليوني دولار للحد من السلطة التنظيمية لإدارة الأغذية والأدوية والمساعدة في تسهيل بيع الأجهزة الطبية غير المثبتة للأطفال والبالغين الذين يعانون من خيارات علاجية محدودة.

وبعد تعرضها لانتقادات بسبب اقتراحها الانتقال إلى إيرلندا لأغراض ضريبية، احتفظت “ميدترونيك”بمكتب محاماة يتألف من عضوي مجلس الشيوخ الأميركي السابقين ترينت لوت، وهو زعيم الأغلبية الجمهوري السابق في مجلس الشيوخ، وجون بورو، وهو ديمقراطي من ولاية لويزيانا. ودفعت الشركة للمكتب 200 ألف دولار، أي ما يقرب من أربعة بالمائة من رسوم كسب التأييد التي أنفقتها وبلغت خمسة ملايين و310 آلاف دولار في العام 2014 – وهي أكثر نفقات تكبدتها “ميدترونيك” على الإطلاق في عام – لمعارضة منع الانقلاب الضريبي. وانطفأ مشروع القانون، الذي عارضته شركات أميركية كبيرة كثيرة، في اللجنة. وكان انقلاب “ميدترونيك” في طريقه إلى الاكتمال.

وقال كلارك، الناطق باسم “ميدترونيك”، إن جهود الضغط التي تبذلها الشركة تتسق مع مهمتها للحصول على علاجات لإنقاذ حياة المرضى. ولتحقيق هذا الهدف، قال إن على “ميدترونيك” “الحفاظ على حوار صحي مع المسؤولين الحكوميين الذين لديهم أثر كبير في سياسة الرعاية الصحية”.

وعلى صعيد آخر، دفعت “ميدترونيك” 862 مليون دولار من 2014 إلى 2017 للأطباء والمؤسسات البحثية في مقابل دراسات وتدريب واستشارات، وفقاً للبيانات الصادرة عن المركزين الأميركيين لخدمات التأمين الطبي العامة وتلك المخصصة للصغار. وحصل جراح الأعصاب، الدكتور كيفن فولي، الذي يدير مختبراً للبحث والتدريب في ممفيس، على 74 مليون دولار من “ميدترونيك” في مقابل براءات اختراعه، وأبحاثه واستشاراته، وفقاً لبيانات المركز الأميركي لخدمات التأمين الطبي.

وخلال تلك الأعوام نفسها، تبرعت “ميدترونيك” أيضاً بالملايين لمجموعات المناصرة التجارية والصحية للترويج لمنتجاتها.  ومن بين التبرعات: خمسة ملايين دولار لمؤسسة أبحاث القلب والأوعية الدموية، وهي مجموعة بحثية غير ربحية تلصق شعار “ميدترونيك” على البرامج والمقصورات والمناقشات الدعائية في مؤتمراتها التي تستقطب جمهوراً واسعاً.

ميثاق الأخلاقيات بعيد المنال

فيما انتقلت إلى الصفوف الأمامية لصناعة الرعاية الصحية العالمية، ظلت “ميدترونيك” تواجه ادعاءات بانتهاك تعهدها بالامتثال للقانون.

وفي أوائل العام 2015، دفعت الشركة مبلغ 7.2 مليون دولار لتسوية قضيتين لمبلغين أمام وزارة العدل الأميركية. وزعمت إحداهما أن “ميدترونيك” دفعت عمولات إلى الأطباء لاستخدام أجهزة لتحفيز العمود الفقري. وزعمت الأخرى أن الشركة استوردت أجهزة العمود الفقري من الصين، ثم أعادت تسميتها على أنها “صُنعت في ممفيس”. ولم تعترف “ميدترونيك” بخطأ في كلتا الحالتين.

كذلك واجهت الشركة تساؤلات حول أحد منتجاتها الرائجة، وهو مضخة لإدارة الألم تسمى “سنكروميد 2”. وفي نيسان / أبريل 2015، وبعد 22 عملية سحب تعود إلى العام 2004 واستنتاجات بأن “ميدترونيك” فشلت في تصحيح الانتهاكات، وقع إشراق اتفاقية من 27 صفحة مع وزارة العدل لتقليص مبيعات المضخة في شكل حاد.  وتسببت العيوب في بعض الأحيان في ضخ كثير من الأدوية أو قليل منها، ما عرض المرضى لجرعات زائدة أو توقف مؤلم.

ووجد تقرير عن فحص أجرته إدارة الأغذية والأدوية في العام التالي أن “ميدترونيك” لم تكن قد أصلحت بعد كل المشاكل.  

وخلال العقد الذي بدأ في العام 2008، رُبِطت أكثر من 800 حالة وفاة و35 ألف إصابة بمضخات إدارة الألم في تقارير عن أحداث سلبية قُدِّمت إلى إدارة الأغذية والأدوية.

وأفادت “ميدترونيك” بأنها تعمل مع إدارة الأغذية والأدوية لتصحيح المشاكل. وقال كلارك إن الشركة تقوم حالياً بإنتاج نظام “سنكروميد” الآمن وتسويقه.

وفي الخارج، تصاعدت المشاكل. في أيار / مايو 2015، وجد المنظمون الهنود أن “ميدترونيك” وبعض منافسيها تقاضوا أكثر مما ينبغي في مقابل الأجهزة، ما دفع الحكومة إلى خفض سعر الدعامات.  وأعلنت الشركة أنها قطعت علاقاتها مع بعض الموزعين.

وفي تشرين الثاني / نوفمبر من ذلك العام، قدمت “ميدترونيك” معلومات إلى وكالة مكافحة الاحتكار البرازيلية توضح بالتفصيل كيف شاركت في برنامج لتزوير العطاءات مدته 10 سنوات مع ثلاثة منافسين. ويُزعم أن “ميدترونيك” اعترفت بأن شركات الأجهزة تآمرت لتضخيم سعر أجهزة القلب، ما أدى إلى تقسيم السوق سراً فيما بينها وإخراج المنافسين.

ولا يزال التحقيق مستمراً، ولم تعلق “ميدترونيك” عليه. وفي تقرير مؤلف من 119 صفحة، أفاد المجلس الإداري للدفاع الاقتصادي في البرازيل بأن “ميدترونيك” “اعترفت” بـ”التواطؤ المزعوم” من ضمن تسوية لخفض أي عقوبة محتملة.

وفي كانون الأول / ديسمبر 2016، قام المنظمون الصينيون بتغريم وحدة “ميدترونيك” في شنغهاي بمبلغ 17 مليون دولار بسبب تحديد الأسعار مع المنافسين. ووجدوا أن الشركة من 2014 إلى 2016، فرضت الحد الأدنى من أسعار إعادة البيع على تجار التجزئة والموزعين الصينيين. ووفق اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، خنقت ممارسات كهذه المنافسة، ومن خلال الحفاظ على ارتفاع الأسعار، أضرت بالمرضى.  

امتلاك المرض

مع حلول العام 2016، كان إشراق يرسم مساراً جديداً لشركته.  لم تعد “ميدترونيك” تبيع الأجهزة الطبية فقط. فقد بدأت في إدارة عيادات قسطرة القلب وعيادات السكري في المستشفيات، والإشراف على معداتها وسلاسل توريدها، ما ساعد على زيادة مدفوعات مستحقات المستشفيات، وبدأت كذلك في تقديم الخدمات الاستشارية وأكثر من ذلك.

باختصار، قامت “ميدترونيك” بتحويل نفسها إلى ما أسمته “متجر واحد” للمجتمع الطبي، وهو مشروع مترامي الأطراف على خلاف أي نشاط تجاري في الأجهزة. وكما قال المحللون المتحمسون في “برايس ووترهاوس كوبرز”، فإن “ميدترونيك”، في علاج مشاكل القلب ومرض السكري، قد “تمتلك المرض”.

وقضى إشراق تلك السنة في جولة حول المناسبات الصناعية في كل أنحاء العالم، واختلط مع مسؤولين حكوميين ورسم صورة قاتمة لنظام الرعاية الصحية العالمي باعتباره غير فعال ومكلف وبحاجة لإعادة تنظيم.  

وفي خطاب ألقاه في كليفلاند في ذلك الخريف، قال إشراق إن صناعة الأجهزة الطبية، وكل الرعاية الصحية، يجب أن تتغيرا. وأضاف، “لقد رأينا تكلفة الرعاية الصحية تتصاعد. هناك قصور هائل في النظام، ونحن نشعر، ما لم يتم التعامل مع ذلك، بأن الابتكار الأساسي سيبدأ في المعاناة”.

وخلال مغازلتهم المستثمرين، جادل المديرون التنفيذيين في “ميدترونيك” بأن نموذج الحلول الصحية المتكاملة للشركة   مزود واحد لمجموعة من المنتجات والخدمات  – من شأنه أن يساعد المستشفيات على تخفيض التكاليف وتحسين تقديم الرعاية الصحية. ومن شأنه أيضاً ضمان أسعار جيدة على الأجهزة وتحويل “ميدترونيك” إلى عملاق للرعاية الصحية.

وانتشر عملاء “ميدترونيك” للضغط على المسؤولين الحكوميين ومسؤولي المستشفيات، وتقديم مجموعة من المقترحات لجذب المرضى وتحسين الرعاية وزيادة الدخل لغرف العمليات. واستُغني عن ساعات “رولكس” ووجبات العشاء الغنية باللحوم للأطباء لصالح حوافز أخرى لإغراء العملاء المحتملين: سيتم توفير الأعضاء المزروعة والمعدات الطبية والموظفين مجاناً بموجب العقود التي وقعتها المستشفيات مع الشركة. وستحصل “ميدترونيك” على نسبة مئوية من زيادة دخل المستشفى نتيجة لإدارة أكثر كفاءة.

في عيادة صغيرة في تيخوانا بالمكسيك، تمارس الشركة مزيداً من الأثر على قرارات الرعاية الصحية: فهي تقوم بتجهيز غرفة العمليات، وتدريب الأطباء على زرع الأجهزة، وكتابة بروتوكولات العلاج، ومراقبة مشتريات الأجهزة بموجب عقد مدته خمس سنوات، وفق المجلة الطبية البريطانية، شريكة الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين في المملكة المتحدة.

ويصف إشراق هذه الترتيبات بأنها مفيدة للجانبين، وأشاد بعض مديري المستشفيات بـ”ميدترونيك” لتقديمها أحدث الرعاية الصحية مع خفض التكاليف وتوفير المال.  

وبعدما وقعت “إمبيريال كوليدج” في لندن اتفاقية مع “ميدترونيك”، وجد رئيس قسم أمراض القلب في المستشفى، الدكتور كيفين فوكس، نفسه “يعمل مع مختبرات لقسطرة القلب مجهزة في شكل كامل بشرياً ومادي، ولا داعي للقلق في شأن أشياء مثل، هل لدي مجموعة الأدوات المناسبة[؟]”، وفق قوله لموقع لأخبار المهنة الطبية في العام الماضي.

ويقول بعض الخبراء إن هذه الترتيبات تخلق تضارباً في المصالح من خلال ربط الموظفين المجانيين والتسعير الأفضل بنمو إيرادات المستشفيات. ونتيجة لذلك يمكنهم تشجيع استخدام أو الإفراط في استخدام لأجهزة “ميدترونيك”، حتى عندما تكون العلامات التجارية الأخرى أفضل للمريض.

وقال الدكتور نورتن هادلر، أستاذ الطب الفخري بجامعة نورث كارولينا في تشابل هيل ومؤلف سبعة كتب عن سياسة الرعاية الصحية، “سيحول دافع الربح أنظمة الرعاية الصحية هذه إلى مضخات نقود بدلاً من مهن خدمية. وأستطيع أن أتخيل شعاراً تسويقياً لمستشفى على غرار ‘ما هو جيد لميدترونيك، هو جيد للمريض'”.

وزعم الموظفون السابقون أن شراكات مماثلة قد خلقت بالفعل حوافز للأطباء لاستخدام مزيد من أجهزة القلب ومضخات الأنسولين من “ميدترونيك”.  

في دعوى قضائية معلقة في المحكمة الفيدرالية في ولاية بنسلفانيا، قالت كاثلين فورني، وهي مديرة سابقة في “ميدترونيك بنسلفانيا”، إن برنامج “ميدترونيك” “قدم مكافأة في شكل ملايين الدولارات من خدمات التوظيف لأولئك الذين اتخذوا قرارات شراء في شأن منتجات ميدترونيك”.

وسمت قضيتها أطباء في 21 ولاية، قالت إنهم قاموا في شكل غير قانوني بتسجيل نفقات للرعاية الطبية في مقابل إجراءات يقوم بها موظفو “ميدترونيك”، بما في ذلك فحص وبرمجة أجهزة المرضى. وكان النظام شكلاً من أشكال الرشوة، كما تدعي فورني، لأنه سمح للأطباء بتجنب توظيف موظفيهم.

وأشارت “ميدترونيك” في وثيقة قدمتها للمحكمة إلى ضرورة إلغاء دعوى فورني نظراً إلى أن تقديم خدمات دعم المنتج للأطباء والمستشفيات ليس عملاً غير قانوني.

وفي بيانها إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أنكرت الشركة أن نموذجها الجديد يهدف إلى تشجيع استخدام منتجاتها في شكل مفرط أو خارج التسمية. وأضافت أنها تعمل في شكل وثيق مع المنظمين والمشرعين لتطوير “إطار مسؤول وأخلاقي” للشراكات.

 

فشلت اتفاقية الأخلاق للعام 2008 في إنهاء مشاكل “ميدترونيك” مع الحكومة الأميركية

 

وحتى الآن، قامت “ميدترونيك” بإبرام حوالي 120 صفقة بقيمة 2.6 مليار دولار مع مستشفيات في أوروبا وكندا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وإفريقيا، ويشمل الزبائن الأميركيون “المستشفيات الجامعية” في كليفلاند، و”شبكة ليهاي فالي هيلث” في ولاية بنسلفانيا، و”إمبريال كوليدج هيلثكير إن إتش إس تراست” في لندن، و”مركز غباغدا للقلب والكلى” في لاغوس، بنيجيريا.

وفي إيطاليا، اشتكى بعض الأطباء وخصوم “ميدترونيك” إلى المشرعين الإيطاليين من أن نموذج الأعمال الجديد قد حد من المنافسة وأعطى الأفضلية لشراء أجهزة “ميدترونيك”. وقالوا إن الشركة التابعة لـ”ميدترونيك” في إيطاليا، واسمها “إن جي سي ميديكال إس بي إيه”، قدمت فقط منتجات “ميدترونيك” في بعض مختبرات القسطرة التي تديرها.

وفي أوائل العام 2017، وصف السناتور لويجي غاتي، وهو أخصائي علم الأمراض من مانتوفا، وغيره من المشرعين سلوك “ميدترونيك” بأنه “مناهض للمنافسة” وطلب من وزراء الحكومة مراجعة هذه الادعاءات.   وتقوم الوكالة الإيطالية لمكافحة الاحتكار الآن بفحص هذه المسألة، وفقاً للسجلات التي حصل عليها “ريبورت”، وهو برنامج إخباري تلفزيوني إيطالي وشريك للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.

وطلب الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وشركائه م وسائل الإعلام في سويسرا وإيطاليا والمملكة المتحدة والمكسيك وكندا والولايات المتحدة معلومات حول الصفقات من شركاء “ميدترونيك” من المستشفيات. ورفضت المستشفيات. واستشهد مستشفى جامعة لوزان والمركز الطبي للمستشفى الجامعي في كليفلاند بشروط سرية في العقود.

وقال بريان داونز، الناطق باسم ليهاي فالي، إن الشراكة كانت أحدث من أن تتيح تبادل التفاصيل، لكن موظفي “ميدترونيك” لم يؤدوا رعاية للمرضى.

ورفضت “ميدترونيك” أيضاً تقديم تفاصيل العقود، لكن الناطق باسمها كلارك نفى أن الشراكات تخنق المنافسة أو تؤذي المستهلكين. وقال كلارك، “نحن لا نسيطر أو نوجه عملية صنع القرار في مجال الرعاية الصحية عندما يتعلق الأمر برعاية المرضى أو مؤشرات الإجراءات أو استخدام التكنولوجيا في رعاية المرضى أو اختيار أجهزة طبية محددة”.

الناس في مقابل العملاق

في يوم ربيعي دافئ في العام الماضي، وصل مغلف سميك إلى منزل جو غارتريل في أورلاندو بولاية فلوريدا. وأحضره إلى الداخل وأخبر زوجته، ميلدريد: “يجب أن يكون ما انتظرناه”.

وفتحاه في غرفة نومهما. كان “ما انتظراه” عبارة عن بيان نهائي مفصل يعرض جائزته، مع بعض الاستقطاعات، من التسوية الخاصة بعملية زرع “إنفيوز” من “ميدترونيك” لتصحيح مرض الفقرات التنكسية.

وانزعج غارتريل. وبدا وجه زوجته “كوجه غزال يواجه سيارة مسرعة”، كما ذكر في مقابلة. لم يكن ما كانا يتوقعان.

لقد انتقلت “ميدترونيك” إلى حل النزاعات النهائية حول استخدام “إنفيوز” خارج التسمية. وفي العقد من الزمن الذي تلا حذرت إدارة الأغذية والأدوية من محفز لنمو العظام ربطته تقارير مقدمة إلى الوكالة بـ20 حالة وفاة وألف إصابة.

وفي العام الماضي، توصلت الشركة إلى تسوية سرية في دعوى قضائية تتعلق بالابتزاز رفعتها شركة التأمين الأميركية “هومانا”، متهمة “ميدترونيك” بالتلاعب بالدراسات حول “إنفيوز”. وحلت “ميدترونيك” أيضاً دعاوى تسويق خادع رفعها خمسة من وكلاء الدولة العامين في الولايات المتحدة في مقابل 12 مليون دولار.  ودفعت 43 مليون دولار في تموز / يوليو لإنهاء دعوى قضائية لمستثمرين تزعم أن دراسات “إنفيوز” التي تلاعبت بها الشركة ضخمت سعر السهم في شكل مصطنع.

وأفادت “ميدترونيك” بأنها تواصل البحث عن استخدامات جديدة لـ”إنفيوز”، التي تصفها بأنها آمنة، وتؤكد أنها درستها على نطاق واسع، وأنها خيار مهم للمرضى الذين يحتاجون إلى أنواع معينة من إجراءات العمود الفقري والإجراءات الخاصة بالصدمات.

وبعد حادث فر منفذه في أيار / مايو 2009، وُضِع “إنفيوز” في رقبة كاتب السيناريو في هوليوود جيروم لو خارج التسمية، إلى جانب قفص لم تتم الموافقة على استخدامه في الرقبة. وقال ليو إن العملية التي أجراها طبيب يعمل في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس وله علاقات مالية مع “ميدترونيك” سببت له آلاماً في الأعصاب ومشاكل في البلع وضعف في الذراعين.  وقال، “حُرِمت باكراً من حمل أطفالي بين ذراعي ومساعدتهم في خطواتهم الأولى”. وحصل ليو، الذي يبلغ الآن من العمر 55 عاماً، على مبلغ لم يكشف عنه من الشركة و4.2 مليون دولار من جامعة كاليفورنيا.

وتلقت عائلة هيلي ستار رويتر البالغة من العمر ستة أشهر تسوية تضمنت مبلغاً يساوي 650 ألف دولار من المركز الطبي لمستشفى الأطفال في سينسيناتي بسبب إجراءات لأطباء عالجوا الطفلة. فقد خضعت لزرع في الجمجمة لـ”إنفيوز”، غير المرخص للمرضى الأطفال، من دون موافقة والديها.  وقالت عائلتها إن “إنفيوز” تسبب في توقف محيط رأس هيلي عن النمو لأنه تسبب في التحام منطقة من جمجمتها قبل الأوان. وأدى ذلك إلى ثلاثة إجراءات إضافية في الجمجمة والوجه.

 

وفي العام الماضي، خصصت “ميدترونيك” مبلغ 300 مليون دولار في “رسوم التقاضي” الخاصة بالتسويات الضخمة. وتم تقسيم بعض المال وفقاً لصيغة تعتمد على مضاعفات كل مريض

 

وقالت أمها تريشيا في مقابلة، “تنتشر ندباتها الآن من أذن إلى الأذن الأخرى”.

أما غارتريل، المدير التنفيذي السابق لحساب “بيبسيكو” البالغ من العمر 55 عاماً والذي تسلم بيان التسوية، فيمشي الآن بعصا. ويشعر بخدر في ساقيه ولا يستطيع بعد الآن صيد السمك أو الغوص.

وقال إنه استُخدم “كفأر اختبار” في غرفة العمليات في أيار / مايو 2006، ولا يمكن لأي مبلغ من المال أن يعوض ما حدث له – لكنه سيساعد.

وفي العام الماضي، خصصت “ميدترونيك” مبلغ 300 مليون دولار في “رسوم التقاضي” الخاصة بالتسويات الضخمة. وتم تقسيم بعض المال وفقاً لصيغة تعتمد على مضاعفات كل مريض.

ونظر غارتريل في التسوية النهائية – 105 آلاف دولار. ثم قرأ عن الاستقطاعات.

كل ما كان يريده حقاً هو شيك كبير بما فيه الكفاية لدفع فاتورته الطبية. وإلى جانب ذلك، قال، يريد اعتذاراً.

وبعد الرسوم القانونية، وتكاليف الخبراء، ونفقات النسخ وقرض التقاضي، لم يحصل على شيء.

ولا حتى اعتذار.

 

كتابة ومشاركة: كات فرغسون، إيميليا دياز – ستراك، ريغوبرتو كارفاجال، بترا بلام، كريستيان بارس، باولو بيونداني، ليتيسيا شيريل، ألان دي أبرو، مينا كانوس – غالان، كارولين كوبزانسكي، جيان لنزر، بويونغ ليم، جيسي ماكلين، كاري بارفيكس، كوناين شيريف، كولم كينا، جوليو فالسني، كريستوف جيسن، هولبروك موهر، وإيلينا كوخ.

 

 

 إقرأ أيضاً:

وثائق الزرع الطبي : “جمهورية ميدترونيك” حولت مضخات القلب إلى مضخات نقود

“وثائق الزرع الطبي” : تلك الشركات ماذا تزرع في أجسادنا؟

 “وثائق الزرع الطبي”: : ارتفاع مذهل في أرباح الشركات يوازيه ارتفاع الخسائر البشرية

 

إقرأ أيضاً