fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

“وثائق الزرع الطبي” : تلك الشركات ماذا تزرع في أجسامنا؟

درج” شريك الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ في وثائق الزرع الطبي”

 

حين اتصل بنا الزملاء في “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ)، وأبلغونا بأنهم يرغبون في أن يكون “درج” شريكاً في مشروعهم الجديد، أي “وثائق الزرع الطبي”، أُصبنا ببعض الحيرة. ذاك أننا أبناء منطقة تعيش معاً نحو أربع حروبٍ على الأقل، وتشهد ما لا يحصى من الانتهاكات على كل الأصعدة، وتحكمها أنظمة وحكومات فاسدة ومُضطهدة. منطقة قمعَت ثوراتها وطردَت طاقاتها وجففت أنهارها ولوثت مياهها. هذه كلها حسبنا أنها تقع خارج المشروع الجديد الذي نحن بصدده مع (ICIJ) والمتمثل بـ”وثائق الزرع الطبي”. وهكذا، إلى أن بدأنا بالعمل، وبدأت الوثائق والأرقام تصلنا، وانتقلنا بفعل ذلك من الحيرة إلى الذهول. ففي موازاة المصائب المعلنة التي نعيش في ظلها، ثمة كوارث مضمرة، نحن شركاء للعالم فيها، ولكنْ مع فارق كبير: ففي العالم البعيد ثمة من يبحث ويتقصى ويحاسب ويدقق ويشرع، فيما نحن غارقون في ما يصلنا من فساد هذا العالم ومن فشله، في غياب أي نوع من أنواع الرقابة.

لقد أُهملت هذه القضية في سياق انشغالنا بقضايا نقول كذباً إنها كبرى. فالصحافة المُتيّمة بـ “حروب التحرير”، فاتها أن ضحايا مضمرين، تفوق أعدادُهم أعدادَ ضحايا الاحتلال وأنظمة الاستبداد، لم يطرح أحد على نفسه مهمة حمل قضيتهم. أمّا قضيّتهم فأشبه باحتلال الشركات ووكلائها لأجسامنا، وزرع الأمراض فيها. مع هذا فهو يبقى احتلالاً من دون قضية، ومن دون دعوات إلى “المقاطعة”.

ما كشفته لنا “وثائق الزرع الطبي”، يُضاعف مخاطرَه أننا لا نسمع، كي لا نقول: لا نقرع، الأجراس الكثيرة التي قُرعت محذّرة من مخاطر مئات الأجهزة التي تُزرع فينا، بعدما وصلت إلينا عبر وكلاء شركات عالمية. ففي بلاد المنشأ يحدّ من مخاطر المجازفة الناجمة عن زرع جهاز في جسم إنسان، واقع الرقابة التي تلي الزرع، وإن بقيت هذه المخاطر كبيرة. ذاك أن اختبارها غالباً ما يحصل بعد الزرع، لكنْ فيما نحن ننتظر النتائج، يكون عشرات الآلاف ممن حُشرت الأجهزة في أجسامهم قد تراجعت فرص نجاتهم.

 

الصحافة المُتيّمة بـ “حروب التحرير”، فاتها أن ضحايا مضمرين، تفوق أعدادُهم أعدادَ ضحايا الاحتلال وأنظمة الاستبداد، لم يطرح أحد على نفسه مهمة حمل قضيتهم. أمّا قضيّتهم فأشبه باحتلال الشركات ووكلائها لأجسامنا، وزرع الأمراض فيها. مع هذا فهو يبقى احتلالاً من دون قضية، ومن دون دعوات إلى “المقاطعة”.

 

فإذا كانت هذه هي الحال في الدول التي تصنّع الأجهزة وتملكها، فما بالك بنا نحن، الذين لا تملك وزارات الصحة في بلداننا أية معلومة موثّقة عن خريطة انتشار الأجهزة الطبية في أجسام مواطنيها، ناهيك عن أن هذه الحكومات غير موصولة بما تصدّره دول المنشأ من إنذارات للشركات بوقف تصنيع منتَج ما، وللوكلاء بوقف توزيعه. هذا فضلاً عن أن حكوماتنا غير راغبة أصلاً في القيام بتلك المهمة.

ولنا في هذا تجربة: فحين قصدنا وزارة الصحة في لبنان للسؤال عن إحصاءات تطال ضحايا الزرع لأنواع من سيليكون في أثداء نساء لبنانيات، جاءنا الجواب: لا معلومات من هذا النوع لدى الوزارة!

الأرقام العالمية حول صناعة أجهزة الزرع الطبي مذهلة: اقتصاد كامل تصل موازنته إلى نحو ٤٠٠ مليار دولار، فيما لوبيّات الصناعة هذه تملك نفوذاً على المشرّعين، وهي أنفقت، بحسب الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، نحو ٣٦٢ مليون دولار في الولايات المتحدة الأميركية وحدها على ما أسمته “موافقات المسار السريع”، أي اختصار مراحل الاختبار الضرورية للتأكد من سلامة المنتج.

كل هذا يضعنا، نحن أبناء دول “العالم الثالث”، أمام أسئلة مضاعفة. ذاك أن الحد الأدنى من الحصانة والرقابة غير متوفر في بلداننا، وإذا كانت شركات إنتاج أجهزة الزرع الطبي في الغرب غارقة في دعاوى تقديم الرشاوى لمستشفيات وأطباء، كما هي حال شركة “ميدترونيك” الألمانية، فإن هذه الشركات تصول بين مستشفياتنا وأطبائنا من دون حسيب ولا رقيب. ففي الوثائق التي بين أيدينا هناك عشرات الدعاوى على أطباء ومستشفيات في بلدان الغرب أقامها مرضى متضررون من زرع أجهزة سيئة في أجسامهم. كثيرون من هؤلاء ربحوا الدعاوى القضائية واعترفت المستشفيات بفعلتها، وعوقب الأطباء. في بلداننا أمثلة معاكسة. في لبنان، منعنا القضاء من تقصّي فضيحة طبية ذهبت ضحيتها سيدة بين يدي طبيب تجميل. قرار المنع، في حينه، تضمن العبارة التالية: “منع وسائل الإعلام المرئي والمسموع والالكتروني من تناول القضية موضوع الاستدعاء الراهن في جوانبها التحقيقية حفاظاً على القيم والمصالح المبينة في متن هذا القرار…”.

 

الحد الأدنى من الحصانة والرقابة غير متوفر في بلداننا، وإذا كانت شركات إنتاج أجهزة الزرع الطبي في الغرب غارقة في دعاوى تقديم الرشاوى لمستشفيات وأطباء، كما هي حال شركة “ميدترونيك” الألمانية، فإن هذه الشركات تصول بين مستشفياتنا وأطبائنا من دون حسيب ولا رقيب.

 

والحال أن دولاً مثل فرنسا بدأت تستبق ظهور وثائق الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين بتوصيات يمكن أن تتحول قرارات، فأوصت الجمعية الفرنسية لجراحة التجميل قبل أيام قليلة الأطباء بوقف استعمال allergan biocell بسبب مخاطر يمثلها، وأوصت المنظمة الوطنية لصحة الدواء أطباء التجميل بوقف استعمال حشوات الصدر القاسية. لكن هذه تبقى توصيات قد لا يؤخذ فيها، لا سيما وأن رئيس اتحاد أطباء التجميل في فرنسا أعلن أنه لن يلتزم بها.

ولبنان الذي تمثل السياحة الطبية فيه ١٠ في المئة من حجم القطاع السياحي، تتجاوز الجراحة التجميلية فيه نسبة الـ٧٠ في المئة من حجم السياحة الطبية. ويشير إحصاء غير رسمي إلى أن مليون ونصف المليون عملية تجميل أجريت في لبنان في ٢٠١٧. أما مجال الجراحة التجميلية فمن أكثر القطاعات استدراجاً للشكوك. ذاك أن الزرع الطبي هو موضوعه الرئيسي، لا سيما مادة “السيليكون” وما استدرجته من نقاش حول ضرورة استبدالها بـ “السيلين” الأقل خطراً على أجسام النساء، وإن كانت أقلّ استجابة لمعايير “الجمال” السائد.

الرسوم لـ Christina Chung (ICIJ)

وكم تبدو انقساماتنا في ظل هذا النوع من المخاطر تافهة وهامشية. فما يجمع المتضررين من انعدام الرقابة على أجهزة الزرع الطبي، وهم بمئات الآلاف في بلداننا، أكبر بكثير مما يفرقه الانقسام بين السنة والشيعة في هذا الإقليم البائس. وأن تتحول السياسة من وظيفتها الانقسامية إلى تنافس على حماية الناس، فهذا هو التحول الذي يجب أن نسعى إليه في عملنا الصحافي: أن يتوفر لنا قضاء لا يحمي طبيباً فاسداً، وصحافة حرة وظيفتها تعقب الشركات التي تقدم الرشاوى للمستشفيات ترويجاً لمنتوجاتها التي صدرت قرارات من هيئات رقابية دولية بوقف توزيعها.

وأخيراً، نحن هنا أمام ضحية بلا صوت. ضحية لا تعرف أنها ضحية: ذاك أن الجهاز الذي زرع في جسمها كان أشبه بقدر لا هروب منه.

هذا الملف يطمح إلى أن يكون منصة تمنح الضحية صوتاً. تنقلها من كونها ضحية صامتة لأن تغدو ضحية ناطقة ومسموعة. ولهذه المهمة أطلق “الاتحاد الدولي للصحافيين” إعلاناً للراغبين في إعطاء معلومات عن تجارب عانوها أو عرفوها مع الأجهزة الطبية المزروعة فيهم، سواء كانوا ضحايا أم أطباء أم عاملين في هذا المجال، على أن تُحفظ للمتقدمين بهذه المعلومات حقوقهم في سرية المعلومات التي زوّدوا الاتحاد بها. وهذا سيكون فرصة فعلية لجعل الوثائق قضية دائمة ومستمرة، بما يضاعف فرص المحاسبة، كما يجعلنا، نحن أبناء هذه المنطقة، جزءاً من المجهود العالمي لضبط جنوح الشركات في الاستثمار على حساب صحتنا.

 

*يمكن لمتصفحي موقع “درج” الوصول إلى استمارة الاستبيان هنا على هذا الرابط

 

 

 إقرأ أيضاً:

وثائق الزرع الطبي : “جمهورية ميدترونيك” حولت مضخات القلب إلى مضخات نقود

“وثائق الزرع الطبي” : تلك الشركات ماذا تزرع في أجسادنا؟

 “وثائق الزرع الطبي”: : ارتفاع مذهل في أرباح الشركات يوازيه ارتفاع الخسائر البشرية

 

 

 

إقرأ أيضاً