fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

“وثائق الزرع الطبي”: الأوراك المعدنية والثمن الباهظ الذي يدفعه المرضى من حول العالم

دين ستاركمان ودلفين رويتر

كان مؤتمر المبيعات الذي عقدته في مدينة نيو أورلينز “شركة دوبوي لطب العظام” ناجحاً جداً. وصدح النظام الصوتي بالشعار “أخذ حصة الأعمال!” – في تلاعب بأغنية من سبعينيات القرن العشرين – فيما كان كبار المديرين التنفيذيين للشركة يرتدون ملابس خاصة بثلاثاء المرفع في قاعة مليئة بمندوبي المبيعات.

ولم لا؟ كانت “دوبوي”، وهي وحدة من الشركة العملاقة المتخصصة في الرعاية الصحية “جونسون أند جونسون”، تهيمن على واحد من أهم المنتجات في صناعة الأجهزة الطبية: الورك المعدني البديل، الذي وُصف بأنه أكثر دواماً من الأصناف التقليدية التي تستخدم البلاستيك ومواد أخرى.

وكانت في الطليعة العلامة التجارية “بيناكل” التي تُعتبر الحجر الزاوية لـ”دوبوي”، والتي ساعدت الشركة على احتلال أكثر من نصف هذا السوق.

وجاء الإعلان الرئيسي في المساء: توماس شملزريد، مطور “بيناكل” وجراح العظام الشهير، صاحب السيرة الذاتية المؤلفة من 34 صفحة من التكريمات وعضويات مجالس الإدارة والمطبوعات.

وهذا المساء، إذ ظهر في فيديو يعود إلى أوائل العام 2008 وجرى تحميله لاحقاً على “يوتيوب” وبرز في عرض في العام 2017 على “كاي إيه بي سي – تي في” في لوس أنجلوس، بدا مندوب مبيعات أكثر من طبيب.

وقال شملزريد، “طفلكم البالغة قيمته مليار دولار – بيناكل صاحب السنادات العالية الأداء؛ أنتم قادة السوق”.

وأضاف، “لكن هل تعلمون أنكم تستطيعون بيع أكثر من ذلك؟ هل تعلمون أن المليار الأول هو الأصعب؟ مليار من هنا، ومليار من هناك. ستتجمع قريباً إلى مبلغ مهم.

“هل من شخص يريد أن يقول مليارين؟ سأقول ذلك مرة أخرى. هل من شخص يريد أن يقول مليارين؟”

هتف مندوبو المبيعات وصاحوا.

“هذا ما أتحدث عنه!”، قال الجراح.

سيكون اجتماع مندوبي المبيعات في نيو أورلينز ذروة الترويج للأوراك المعدنية. فبفضل حملة تسويق شرسة، وعمولات ورشاوى للجراحين كشفتها التحقيقات لاحقاً، بيع نظام “بيناكل” للأوراك ومنتج شقيق ساهم شملزريد في تصميمه واسمه “إي إس آر إكس إل” في شكل محموم، ما دفع إجمالي مبيعات “دوبوي” في العام 2008 إلى 5 ملايين دولار.

لكن، مثل الغالبية العظمى من الأجهزة المباعة في الولايات المتحدة وحول العالم، لم يجرِ اختبار “بيناكل” و”إي إس آر إكس أل” في الإنسان قبل نزولهما إلى السوق.

وجرى سحب “إي إس آر إكس أل” و”إي إس آر”، وهو منتج ذو صلة، في العديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة في العام 2010، وجرى سحب “بيناكل” من السوق وسط موجة من الدعاوى القضائية فيما بدأ سوق المعادن الورك المعدني بالانهيار. وسحب المصنعون “زيمر بايوميت” و”سميث أند نفيو” و”رايت ميديكال” و”سترايكر” جميعهم منتجاتهم من الأوراك المعدنية أو عناصرها وسط وابل من التقارير المقلقة حول العالم المتعلقة بالتسمم من أيونات معدنية صغيرة كانت تحول النسيج المحيط بالزروع إلى حمأة سوداء سائلة.

ويقول مصنعو الأوراك إنهم يدعمون منتجاتهم في شكل كامل ويلتزمون بالسلامة.

وقال ناطق باسم “جونسون أند جونسون”: “نحن ندعم سلامة أجهزتنا، التي أفادت ملايين من المرضى ما زالوا يجدون تعافياً من الظروف الموهنة التي أدت إلى خضوعهم لعملية جراحية.  ونحن نلتزم بالمعايير التنظيمية المطلوبة ونسعى جاهدين للتفوق عليها، وأجهزتنا… تخضع لمراجعات دقيقة من قبل هيئات تنظيمية متعددة في كل أنحاء العالم. وبمجرد إتاحتها للاستخدام، نواصل تحليل معلومات مثل البيانات السريرية وتقارير الأحداث السلبية لتتبع أدائها”.

“عاصفة شبه كاملة”

قالت ديانا زوكرمان، رئيسة المركز الوطني لأبحاث الصحة، وهي مؤسسة فكرية مقرها واشنطن العاصمة، إن كارثة الأوراك المعدنية كانت رمزاً لعيوب ثقافية وهيكلية عميقة في النظام التنظيمي للأجهزة. وساهمت الثغرات القانونية والعلاقات الوثيقة للغاية بين المنظمين والصناعة، بالإضافة إلى سنوات من الهجمات على فكرة التنظيم من قبل الصناعة والسياسيين، في السماح للأجهزة الخطرة بالنفاذ إلى السوق والبقاء فيها لسنوات.

وقالت زوكرمان، “لقد كانت عاصفة شبه كاملة”.

ويساعد اتجاه أعمال الأوراك المعدنية على توضيح مسار صناعة الأجهزة الطبية في شكل كبير – من مجال للأطباء المصممين ورواد الأعمال الصغار إلى الشركات العابرة للحدود التي تعد أحد أعمدة صناعة الرعاية الصحية العالمية البالغة قيمتها سبعة تريليونات دولار واللاعبين الأقوياء في واشنطن وبروكسل وعواصم أخرى في كل أنحاء العالم. وكسب صندوق لأسهم شركات الأجهزة الطبية الرائدة نسبة كبيرة بلغت 125 بالمائة في السنوات الخمس الأخيرة حتى 14 تشرين الثاني / نوفمبر، مقارنة بـ52 بالمائة للاقتصاد الأوسع المنعكس في مؤشر “ستاندرد أند بورز 500”.  

وتُزرع في ما يقرب من مليون شخص في كل أنحاء العالم أجهزة لتنظيم ضربات القلب عبر الوريد في كل عام، وفق إدارة الأغذية والأدوية الأميركية؛ وزُرِعت في أكثر من 1.6 مليون امرأة في كل أنحاء العالم زروع ثديية تجميلية في العام 2017، وفق الجمعية الدولية للجراحة التجميلية.

ويأتي النمو الأسرع في هذه الصناعة الآن من الأسواق النامية، حيث تتزايد الثروة، لكن التنظيم ضعيف.

وحققت شركات الأجهزة الطبية نجاحات ملحوظة على مر السنين: عدسات داخل العين لإصلاح إعتام عدسة العين، وأجهزة لتنظيم ضربات القلب لتنظيم إيقاع القلب، واستبدال الورك والركبة لإعادة الحركة إلى الملايين من الناس، وأكثر من ذلك.

لكن هذه الصناعة مثقلة أيضاً بتاريخ طويل من التسرع في تسويق المنتجات المعيبة التي يمكن زراعتها والتي يمكن أن تصيب وتشوه وتقتل. فغالباً ما يجري اعتماد الأجهزة استناداً إلى أدلة سريرية ضئيلة تتعلق بالسلامة أو الفعالية – تدعمها أحياناً الأبحاث التي تمولها الصناعة نفسها. ثم يجري تسويقها بقوة للأطباء والمستشفيات في طرق تدفع الحواجز القانونية والأخلاقية أو تكسرها.

صعود مجمع الأجهزة الصناعية

يعود تاريخ استخدام الأجهزة المزروعة لتحسين الصحة إلى القسطرة البرونزية المستخدمة في العصر الروماني وما قبله. لكن الاختراقات الطبية في الحرب العالمية الثانية والعقود المزدهرة من الزمن التي أعقبت آذنت ببدء ثورة في الرعاية الصحية وسعت ما كان ممكنا طبياً.

ووفر تأسيس التأمين الطبي الأميركي في العام 1965 وصعود أسواق التأمين العامة والخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا وسيلة لسداد ثمن الابتكارات. وارتفع الإنفاق على الرعاية الصحية في ألمانيا إلى 10.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2000. واتسعت الرعاية الصحية في الولايات المتحدة. في العام 1950، بلغت تكاليف الرعاية الصحية 12.7 مليار دولار على الصعيد الوطني، وشكلت 4.5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وبحلول نهاية العام 2016، بلغت 17.9 بالمائة، أو 3.3 تريليون دولار، وفق خدمات التأمين الطبي العامة وتلك المخصصة للصغار.

وهذا يساوي 10 آلاف و348 دولاراً سنوياً لكل رجل وامرأة وطفل في الولايات المتحدة.

وكانت صناعة المستحضرات الصيدلانية من القطاعات التي استفادت باكراً من زيادة الإنفاق.  وجلبت “باير إيه جي”، و”ميرك وشركاه”، و”شركة فايزر”، و”إيلي ليلي وشركاه” وأسلافها، إلى السوق كمية ضخمة من الأدوية الجديدة: مضادات للجراثيم لمهاجمة السل والدوزنطاريا والحمى القرمزية والسعال الديكي والالتهاب الرئوي؛ وخافضات ضغط الدم لمعالجة مرض القلب؛ والأدوية المخفضة للكوليسترول؛ ووسائل منع الحمل لإدارة تنظيم الأسرة. وأدى النجاح في العام 1954 لتجارب لقاح شلل الأطفال “سولك”، الذي أدى إلى الوقاية من مرض الطفولة اللعين، إلى احتفال وطني وعزز الإيمان العام بالأطباء والطب والطريقة العلمية.

وانخفضت معدلات الموت في كل مكان. وارتفع متوسط العمر المتوقع.

وفي ظلال عمالقة المستحضرات الصيدلانية، كانت ذراع الثانية لهذا المجمع الطبي الصناعي الجديد ترتفع في شكل منفصل وأقل وضوحاً.

فالأجهزة الطبية، بما في ذلك المنتجات المصنعة المزروعة في جسم الإنسان، من شأنها أن تجلب مزيداً من الإنجازات التي أدت إلى إنقاذ الأرواح وتحسينها في شكل كبير.  وكانت المرشحات المخصصة للإمساك بجلطات الدم وهي في طريقها إلى القلب؛ والدعامات التي تبقي الشرايين مفتوحة؛ والشبكة المصممة لرتق الثقوب في جدران البطن لعلاج الفتق من بين المنتجات الأبسط والمبكرة التي اخترعها الأطباء المصممون ورواد الأعمال.

 

وعمل جون شارنلي، وهو جراح سابق في الجيش البريطاني كان قد عالج الجنود في دانكرك أثناء عملية الإخلاء التاريخية في العام 1940، في غموض طوال سنوات لبناء ورك اصطناعي عملي. وفي بحثه عن المادة الصحيحة لتشكيل تجويف الورك، قام ذات مرة بضخ راتنج تجريبي في فخذه – ومرض في شكل خطير. وفي نهاية المطاف، أُعلِن عن نظامه “لاستبدال الورك” المؤلف من معدن وبولي إثيلين في العام 1960، كأحد الإنجازات الطبية العظيمة في القرن العشرين، ما أغاث ملايين المرضى على مستوى العالم فيما نال شارنلي لقب الفروسية في العام 1977. كذلك أطلق الاختراع صناعة جديدة تنافسية بضراوة.

وبمرور الوقت، أصبحت الأجهزة أكثر طموحاً أكثر تعقيداً: أدوات تحفيز الدماغ العميقة، وزرع العمود الفقري بمحفزات للنمو العظمي نشطة بيولوجياً، وأجهزة لتنظيم ضربات القلب ممكَّنة سحابياً، ومحوّل للسوائل في الدماغ، والزروع الهرمونية، والمنبهات العصبية لعلاج الصرع والاكتئاب، وأكثر من ذلك.

وطورت “ميدترونيك”، التي تأسست كمحل لإصلاح الأجهزة الطبية في العام 1949 في ضواحي مدينة مينيابوليس، أول جهاز لتنظيم ضربات القلب يمكن ارتداؤه في العام 1957 وستصبح حبيبة وول ستريت مع موجة استحواذ في العقود التالية من الزمن. أما “جونسون أند جونسون”، وهي شركة لتصنيع الضمادات الجراحية تأسست في أواخر القرن التاسع عشر، فأُدرِجت في البورصة خلال الحرب العالمية الثانية، وتطورت إلى شركة عملاقة في مجال المستحضرات الصيدلانية مع شرائها في العام 1998 لـ”دوبوي”.

إن قطاع المستحضرات الصيدلانية قطاع ضخم: حوالي 1.1 تريليون دولار في الإيرادات العالمية. وأعمال الأجهزة كبيرة أيضاً:  حوالي 400 مليار دولار وهي أيضاً معقدة، فهي تنتج أكثر من 500 ألف منتج مختلف مقارنة بحوالي 20 ألف دواء مختلف. وهي منتشرة جداً: لقد وجدت دراسة أُجريت في العام 2002 أن واحداً من كل 10 أميركيين لديه جهاز طبي مزروع.

 

فعادة ما تخضع الأدوية لتجارب متعددة، أما الأجهزة فعادة ما تخضع لتجربة واحدة فقط.

 

لكن ثمة فارق كبير بين الاثنين. فاختبار الأدوية يجري في البشر قبل نزولها إلى السوق. لكن الأمر لا يصح على الأجهزة الطبية في الغالبية العظمى من الحالات.

فمعظمها يُعتمَد، بدلاً من ذلك، على ادعاء بأنها مشابهة بما يكفي لإصدار آخر أو إصدارات أخرى للمنتج نفسه أو منتج مشابه فلا تُطلَب تجارب بشرية جديدة. وحتى عندما تكون التجارب على البشر مطلوبة، يكون المعيار أقل: فعادة ما تخضع الأدوية لتجارب متعددة، أما الأجهزة فعادة ما تخضع لتجربة واحدة فقط.

وساهمت معايير الاختبار المنخفضة عموماً للأجهزة في سلسلة من عمليات السحب والكوارث والفضائح من نوع كان شائعاً في صناعة الأدوية وما زال يعصف بالأجهزة حتى يومنا هذا. وفي الأعوام الـ12 الماضية، شهدت الصناعة إخفاقات فادحة مع الورك المعدني، والشبكة المهبلية، وأجهزة القلب المختبرة بخفة، من بين أمور أخرى.

واختفت كل النسخ الإشكالية الآن من السوق أو تخضع لقيود شديدة.

صمامات القلب والمحامص:  بقعة تنظيمية عمياء

تُراقَب المستحضرات الصيدلانية عن كثب لأن التنظيمات تأتي عادة استجابة لفضيحة – وفضائح الأدوية جاءت مبكراً وغالباً في التاريخ الأميركي والأوروبي.

فقد تطلب الأمر ضجة حول إكسير سولفانيلاميد، وهو دواء لالتهاب الحلق يحتوي على مواد كيميائية مضادة للتجمد أدى إلى مقتل أكثر من 100 طفل وبالغ، ليمرر الكونغرس الأميركي قانون الأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل في العام 1938. ومكّن القانون إدارة الأغذية والأدوية الأميركية، التي كانت مهتمة في المقام الأول بصحة الغذاء، من تنظيم سلامة الأدوية. ودفعت فضيحة في خمسينيات القرن العشرين حول الثاليدوميد – وهو دواء للغثيان أُعطي لنساء حوامل وتسبب بعيوب خلقية فظيعة لأطفالهن – الكونغرس في العام 1962 إلى زيادة تعزيز معايير سلامة الدواء.

في هذه الأثناء، أصبحت الأجهزة الطبية غير منظمة في الولايات المتحدة، إذ نمت الصناعة لتصبح قوة اقتصادية وقوة ضغط. وفي العام 1971، بدأت شركة الأدوية “إيه إتش روبينز” في تسويق “دالكون شيلد”، وهو وسيلة لمنع الحمل توضع داخل الرحم استخدمتها أكثر من 2.5 مليون امرأة. ولم يمر وقت طويل حتى جرى ربط الجهاز بالعدوى المروعة، والمضاعفات المرتبطة بالحمل، وفقدان الخصوبة، ومئات الآلاف من المطالبات القانونية والغضب العام.

ومرر الكونغرس تعديلات تتعلق بالأجهزة الطبية للعام 1976 (تعديل قانون العام 1938)، وأخيراً جرى تمكين إدارة الأغذية والأدوية من الإشراف على الموافقة على الأجهزة الطبية لكن جرى ترك ثغرات كبيرة. فمن ناحية، تُصنَّف الأجهزة وفق مخاطر متوقعة، في حين أن كل الأدوية – من أدوية السرطان إلى أدوية الإمساك – تُخضَع للمعايير نفسها. وبالإضافة إلى ذلك، يسمح القانون لأي جهاز موجود بالفعل في السوق، حتى للأجهزة ذات المخاطر العالية، بأن يكون “معفياً” من دون اختبار. وثمة حكم آخر، معروف باسم 510 (ك)، ما لبث أن أصبح سيء السمعة. لقد صُمِّم الحكم للحالات الاستثنائية، وسمح بنزول الأجهزة الجديدة إلى السوق إذا كانت “مكافئة إلى حد كبير” لمنتج موجود بالفعل في السوق، حتى لو كان المنتج السابق نفسه لم يخضع للاختبار وحتى إذا فشل في وقت لاحق إلى درجة السحب.

ومن بين كل الأجهزة المزروعة التي جرى سحبها في الولايات المتحدة من العام 2008 إلى العام 2017، جرت الموافقة على 80 بالمائة على أساس التكافؤ الكبير، حسب ما تبين للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.

ومع تآكل المعايير التنظيمية، أصبح الاستثناء 510 (ك) هو القاعدة. والآن، يمر حوالي 97 بالمائة من الأجهزة المراجعة عبر المسار 510 (ك) أو بعض المسارات الأسرع.

وعلى مر السنين، أصبح النفوذ النسبي لإدارة الأغذية والأدوية أكثر ضعفاً مع إقرار الكونغرس لقوانين تجعل الوكالة تعتمد على رسوم المصنعين للحصول على جزء من إيراداتها، ما يسمح لأطراف من القطاع الخاص بالموافقة على التغييرات في الأجهزة الخطرة وأكثر من ذلك.

وبينما كافحت إدارة الأغذية والأدوية للحفاظ على استقلاليتها عن قطاع الأعمال، فإن الموافقة على الأجهزة الطبية في أوروبا هي عمل تجاري.

فهذه المهمة متروكة في الغالب لشركات في القطاع الخاص ممولة من قبل صانعي الأجهزة. وأدى هذا النظام المخصخص إلى وصول سلسلة من المنتجات المحظورة في الولايات المتحدة إلى أوروبا، فقط لتعيث فساداً. ومن بين هذه المنتجات: “بلوراسيل”، وهو جهاز لسد التسرب الرئوي ما لبث أن تسرب؛ وزروع الثدي “ترايلوسنت”، التي جرت الموافقة عليها من دون اختبار بشري، وثبت أنها سامة؛ و”روب دوك”، وهو جهاز جراحي روبوتي تسبب في تمزق الأوتار وتلف الأعصاب.

ويعود تاريخ نموذج الموافقة هذا إلى ثمانينيات القرن العشرين عندما عملت دول الاتحاد الأوروبي الوليدة على توحيد تنظيم السلع الاستهلاكية والصناعية من خلال تعيين ما يُسمَّى “الهيئات المبلَّغة” لفحص المنتجات والموافقة عليها من خلال إصدار ختم بالموافقة. ولأن معظم “الهيئات المبلَّغة” معفاة من قوانين السجلات العامة وتعتبر الشركات المصنعة “عملاء” لها، فهي تتحمل مسؤولية التصديق على سلامة كل شيء من السيارات إلى المحامص إلى الزروع.

وتفتخر صناعة الأجهزة الأوروبية علناً بالسرعة التي تعتمد بها أوروبا الأجهزة باعتبارها ميزة رئيسية تتفوق بها على الولايات المتحدة بالنسبة إلى صانعي الأجهزة. وتنظر وول ستريت أيضاً إلى النظام الأوروبي نظرة إيجابية.

ويعتمد العديد من البلدان النامية ذات التنظيمات الأضعف على الموافقات الصادرة في أوروبا والولايات المتحدة، على الرغم من أن بعضها قد يضطر إلى التغيير.

وتتحرك الهند الآن لتأسيس نظامها الخاص لتنظيم الأجهزة بعدما وجدت لجنة من وزارة الصحة أن الأوراك المعدنية نالت الموافقة من دون اختبار في أوروبا، وشهدت الولايات المتحدة “إهمالاً طبياً خطيراً” على صعيد وحدة “دوبوي” التابعة لـ”جونسون أند جونسون”.

وأدى الارتفاع والسقوط الهائلين للأوراك المعدنية إلى كشف عيوب الأنظمة الأميركية والأوروبية.

كارثة الأوراك المعدنية

استُخدِمت الأجهزة المعدنية على نطاق محدود منذ خمسينيات القرن العشرين لكن لم يجرِ تبنيها على نطاق واسع بسبب السلامة ومخاوف أخرى. فما كان يُعتقد أنه اختراق تحقق في العام 1997 عندما أعلن أحد أخصائيي تقويم العظام في برمنغهام، بإنكلترا، عن تقنية أقل تطلباً للجراحة تستخدم المعدن لكل من الورك والتجويف.

واكتسب الورك الجديد موافقة سريعة في أوروبا. وصنفته مجموعة “بي إس آي” في المملكة المتحدة، وهي “هيئة مبلَّغة” خاصة مخولة بفحص المنتجات البيطرية، وفق توجيهات الاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت على أنه متوسط الخطورة، ويتطلب فقط عملاً في المختبر ومراجعات للأدبيات السريرية – من دون اختبار بشري.  

وفي بيان، أفادت “بي إس آي” بأن الجهاز “سُحِب من السوق قبل بعض الوقت.  وفي وقت التقييم، استوفت المنتجات كل المتطلبات الواردة في التوجيهات”. وأضافت “بي إس آي” بأنها “تولي أهمية قصوى لسلامة المرضى”، و”لكي تضمن قوة تقييمات المطابقة المستقلة، تستثمر بي إس آي باستمرار في أخصائيين سريريين وفنيين يتمتعون بخبرة كبيرة وخبرة واسعة في مجموعة من قطاعات صناعة الأجهزة الطبية”. وأشارت إلى أن الورك المعدني أصبح الآن في فئة أعلى من المخاطر، الأمر الذي يتطلب “تقييماً محدداً للمنتج من قبل الهيئة المبلَّغة”.

وارتفعت مبيعات الورك الجديد. وأغرق صانعو الأوراك المتنافسون المنظمين بنماذج معدنية خاصة بهم.

وفي الولايات المتحدة، أُجيز كل من نظام استبدال الورك “بيناكل” و”إيه إس آر إكس أل”، وكانت بينهما اختلافات فنية مهمة، وفق معيار “التكافؤ الأساسي” الخاص بـ510 (ك) في إدارة الأغذية والأدوية.

وفي آب / أغسطس 2000، فازت “دوبوي” بتصريح لمنتج لورك معدني مسمى “ألتيما” بناء على طلب يزعم أنه كان مشابهاً لأربعة أوراك سابقة – بما في ذلك ورك من تصنيع شركة غير “دوبوي” خضع لتجارب واسعة ووركين آخرين جرى التخلي عنهما وسط مخاوف تتعلق بالأداء. وكانت هناك تجربة سريرية لـ”ألتيما”.

وجرت الموافقة على “بيناكل” بعد بضعة أشهر بناءً على تشابهه مع “ألتيما”.

وكان لطلب “إيه إس آر إكس إل” عبر 510 (ك) مراوغات خاصة به. فقد أمكن إرجاع الموافقة على أجزاءه المختلفة إلى عقود من الزمن من خلال 95 جهازاً مختلفاً، بما في ذلك العديد من الأجهزة التي جرى إيقافها، وفق ما ورد في مقالة رأي بحثية في مجلة نيو إنغلاند الطبية. واستندت إجازة الأجزاء المعدنية على ثلاثة أطراف اصطناعية استُخدِمت قبل العام 1976 وجرى إيقافها بسبب ضعف الأداء. وذكرت مقالة في مجلة طبية جرت مراجعتها من قبل الأقران أن هذه المكونات القديمة جرى التخلي عنها وسط معدلات فشل عالية، ورد فعل على الفتات المعدني، ومخاوف في شأن الأيونات المعدنية. ومع ذلك، جرت الموافقة على “إيه إس آر إكس إل” من قبل إدارة الأغذية والأدوية في العام 2005.

وقال الناطق باسم “جونسون أند جونسون” إن إدارة الأغذية والأدوية قررت فقط بعد “دراسة متأنية” الموافقة على الورك المعدني من خلال مسار 510 (ك)، الذي يمكن أن يتضمن تجارب سريرية واسعة النطاق وغيرها. وأضاف أن سلفاً لـ”ألتيما”، معروف باسم “ميتاسول”، جرى تقديمه في أوروبا في العام 1988، وخضع في وقت لاحق لاختبارات بشرية في الولايات المتحدة وفق ما يتطلبه مسار أكثر صرامة لدى إدارة الأغذية والأدوية. وأشار إلى وجود العديد من الأبحاث الطبية التي تؤكد نجاحه السريري بمرور الوقت.  وخضع “بيناكل نفسه لاثنتين من التجارب السريرية حول سلامته وفعاليته بعدما وصل إلى السوق و”أظهر نتائج ممتازة”، على حد قوله، وأظهرت مقالات متعددة جرى نشرها ومراجعتها من قبل الأقران أن الورك المعدني “بيناكل” “آمن وفعال في تلك المجموعات من المرضى”. وأضاف أن إدارة الأغذية والأدوية طلبت استخدام أكثر مساراتها صرامة وتجارب سريرية متعددة لإجراء متعلق بورك معدني ذي صلة، معروف باسم إعادة الصقل.

وقال الناطق إن الأجهزة أُخرجت من السوق لأسباب عديدة، وأن “التصاميم القديمة كان لا بد من التخلص التدريجي منها مع تطور التصاميم والمعرفة العلمية والمهنية”. ولفت إلى أن الأجهزة الأصلية التي لم تعد موجودة في السوق لم تشكل “الأساس الجوهري” لموافقة إدارة الأغذية والأدوية على “ألتيما” بل جرى تضمينها لإثبات أن استبدال الورك المعدني كان مستخدما قبل التعديلات على أنظمة الأجهزة الطبية في العام 1976. وأضاف أن إدارة الأغذية والأدوية تطلب من كل شركة مصنعة لأحدث الأجهزة المعدنية، بما في ذلك “جونسون أند جونسون”، تقديم أدلة سريرية على سلامة وفعالية الورك المعدني الأولي الخاص بالمصنّع، ولا يوجد سبب للاعتقاد بأن إدارة الأغذية والأدوية تجاهلت البيانات التي قدمتها الشركات المصنعة والمعرفة المعاصرة في تقييم الأجهزة.

وستجيز إدارة الأغذية والأدوية في نهاية المطاف 190 نظاماً مختلفاً للأوراك المعدنية لخمس مصنّعين مختلفين، معظمها عبر مسار 510 (ك).

وأنفقت شركات المفاضل مبالغ ضخمة على مدفوعات مباشرة لجراحين من خلال منح ومنح دراسية وعائدات وصفقات استشارية. ودفعت “دوبوي” لجراحين 184 مليون دولار من مدفوعات الإتاوات وحدها على تصاميم ذات الصلة بـ”بيناكل”، وفق أدلة مقدمة في المحاكمات المدنية. وحصل شملزريد، مطور الورك والمروج له، على نسبة مئوية من الأجهزة المباعة، وساعد في إعداد مواد مبيعات “دوبوي”، وتدريب الأطباء المقيمين وأطباء آخرين في بعض الأحيان على استخدام المنتجات. وحصل على 30 مليون دولار من الإتاوات من “جونسون أند جونسون” / “دوبوي” خلال أقل من عقدين من الزمن.

وقال الناطق باسم “جونسون أند جونسون” إن الشركة “تملك سياسات امتثال صارمة وإجراءات تنظم ترتيبات الإتاوات. وكان التعاون مع الجراحين جزءاً لا يتجزأ من صناعة تقويم العظام لسنوات عديدة، إذ أن الملكية الفكرية لمنتجات تقويم العظام، والتي تشكل أساساً لأي دفعة من رسوم الإتاوات، غالباً ما يكون منشؤها أو مالكها الطبيب. والأهم من ذلك، لا تُدفع الإتاوات على أي منتجات تُزرع في المرضى من قبل الجراح المولّد للإتاوات، أو شركاء الجراح، أو في مستشفى الجراح”.   

ومن خلال ممثل، رفض شملزريد التعليق.

وسيجد تحقيق للمفتش الأميركي للصحة والخدمات الإنسانية أن صانعي الأوراك والركب أنفقوا أكثر من 800 مليون دولار في رسوم الاستشارات وحدها المدفوعة للجراحين. وستؤدي ممارسات المبيعات والترويج إلى فرض رسوم ومستحقات عمولات وتسويات فيدرالية مع كبرى شركات صناعة الأوراك. وسيزعم لاحقاً حاكم نيوجيرسي السابق كريس كريستي، بصفته محامياً أميركياً في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قائلاً، “اتخذ العديد من جراحي العظام في هذا البلد قرارات تستند إلى مقدار المال الذي يمكن أن يحققوه – فاختاروا أي جهاز يُزرع من خلال اختيار أعلى مزايد”.

وبحلول أيار / مايو 2013، تلقى أكثر من نصف مليون أميركي وركاً معدنياً.

وكانت الإعلانات المباشرة للمستهلكين سبباً كبيراً. “ويقول 98 بالمائة من الجراحين إن مرضاهم تعرضوا لإعلانات مباشرة للمستهلكين”، وفق عرض داخلي في “دوبوي”. “ويقول 99 بالمائة إن المرضى يسألون عن علامة تجارية”.

وفي العام 2007، قامت “بايوميت”، وهي الآن جزء من “شركة زيمر بايوميت القابضة”، من وارسو، بولاية إنديانا، بتجنيد ماري لو ريتون، بطلة الجمباز الأولمبية للعام 1984، كناطقة باسم المنتج “إم 2 إيه – ماغنوم”.

وتقول ريتون في إعلان بالألوان الكاملة يصورها، وكانت في الخمسين من عمرها، وهي تلعب كرة القدم مع أطفالها الصغار وتبتسم وهي على جهاز للمشي بعد خضوعها لعملية جراحية بديلة في وركها الأيسر في العام 2005: “إن ورك إم 2 إيه – ماغنوم مثالي معي”. وفي وقت لاحق، جرى استبدال الورك الأيمن بجهاز “بايوميت” في العام 2011.

 

يساعد اتجاه أعمال الأوراك المعدنية على توضيح مسار صناعة الأجهزة الطبية في شكل كبير – من مجال للأطباء المصممين ورواد الأعمال الصغار إلى الشركات العابرة للحدود التي تعد أحد أعمدة صناعة الرعاية الصحية العالمية البالغة قيمتها سبعة تريليونات دولار واللاعبين الأقوياء في واشنطن وبروكسل وعواصم أخرى في كل أنحاء العالم

 

وفي تصريح إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، قالت مونيكا كندريك، نائبة رئيس “شركة زيمر بايوميت” للتواصل المؤسسي،  “كانت سلامة المرضى، ولا تزال، الأولوية الأولى لشركة زيمر بايوميت، ومما يشرفنا أن نكون رواداً في هذه الصناعة على مدار التسعين سنة الماضية. نحن نلتزم بالمعايير التنظيمية الصارمة ونعمل في شكل وثيق مع إدارة الأغذية والأدوية وكل الوكالات التنظيمية العاملة في كل منطقة من مناطقنا كجزء من التزامنا بتشغيل نظام من الدرجة الأولى لإدارة الجودة عبر شبكتنا العالمية للتصنيع. وتركز زيمر بايوميت على البقاء في طليعة الابتكار والتصرف من خلال الملايين من المرضى الذين يعتمدون على منتجاتنا”.

لكن تسويق الأوراك المعدنية كان أكثر شراسة في أوروبا.

فبحلول أوائل العام 2000، علم المديرون التنفيذيون لـ”جونسون أند جونسون” أن “دوبوي” أرسلت لسنوات في شكل روتيني مدفوعات إلى شركة توزيع يونانية وشركة استشارية في آيل أوف مان، وكلاهما مملوكان لوسيط يوناني دفع لجراحين يونانيين. ظاهرياً، كانت المدفوعات عبارة عن “تعليم مهني”، لكن جرى الكشف عنها لاحقاً من قبل لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية كرشاوى نقدية لاستخدام أوراك “دوبوي”. ونظرت “جونسون أند جونسون” في إنهاء العلاقة، كما كشفت وثائق خاصة بإحدى المحاكم، لكنها بدلاً من ذلك اشترت شركة التوزيع اليونانية، وأبقت عقد الاستشارات مع الشركة الواقعة في آيل أوف مان وأبقت الدفعات مستمرة.

وكانت الرشاوى للجراحين في اليونان وأماكن أخرى معروفة علناً في صناعة الأجهزة، كما ستكشف التحقيقات. فعندما عمدت “سميث أند نفيو بي إل سي” المنافسة في المملكة المتحدة في العام 2002 إلى تقليل الدفعات إلى موزعها الخارجي، احتج الموزع في رسالة إلكترونية قائلاً، “أنا بحاجة إلى هذا المال في شكل مطلق للترويج لمبيعاتي مع الجراحين، في وقت تقدم فيه المنافسة معدلات أعلى بكثير . . . وإذا لم يكن الأمر واضحاً لكم، فيرجى تفهم أنني أدفع حوافز نقدية بعد كل عملية جراحية مباشرة”.

وقال ناطق باسم الشركة للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، “تتعلق المسألة التي تشيرون إليها بأحداث وقعت قبل أكثر من عشر سنوات ولا تعكس قيم وممارسات سميث أند نفيو اليوم. لدينا توقعات عالية للغاية لسلوك موظفينا على كل مستويات الشركة”.

خضع ما يقرب من مليون شخص في السنة في الاقتصادات الغربية الكبرى، بما في ذلك أكثر من 600 ألف أوروبي، لاستبدال الورك بحلول منتصف العقد الحالي من الزمن. وكان أحدهم محلل الأنظمة البريطاني ستيف ألين. وقال إنه بدأ في معاناة التهاب المفاصل في الورك في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وجرب بداية محاولة تقنية أقل تطلباً للجراحة بدلاً من استبدال الورك بالكامل. وعندما ساءت الأمور بسرعة، أوصى جراحه بـ”بيناكل”، وخضع ألين لاستبدال كامل في العام 2006. وسرعان ما عاد يسبح ويمشي مرة أخرى. يقول ألين، البالغ من العمر 70 عاماً، “لأكون صادقاً، كان الأمر رائعاً للغاية. لقد اختفى الألم فجأة”.

وبعد بضع سنوات، بدأ يلاحظ شعوراً غريباً، مثل “حقيبة يد صغيرة” جرى دفنها في وركه. وبدأ يمشي بصعوبة.

وبحلول هذا الوقت، بدأ المسؤولون في السجل الوطني الأسترالي لاستبدال المفاصل، وهو الذراع البحثي المموّل من الحكومة التابع لجمعية جراحة العظام الأسترالية، يلاحظون معدلات فشل عالية بشكل غريب بالنسبة إلى “إيه إس آر إكس إل”، مما اضطر “دوبوي” إلى إصدار تحذير للسلامة للجراحين في العام 2007. واقترح التحذير أن الجراحين كانوا يزرعونها في شكل غير صحيح، وليس أن المنتج كان يعاني مشكلة.

لكن الجراحين في مناطق مختلفة من العالم كانوا يتحدثون بالفعل في ما بينهم عن مشاكل الأوراك المعدنية. وفي العام 2008، أفادت رسالة إلكترونية لأحد المسؤولين التنفيذيين في “دوبوي” الذي حضر مؤتمراً لـ”جمعية الأوراك” في شيكاغو، “بدت حالات الأوراك المعدنية مثيرة للقلق ومزعجة بوضوح. . . . كانت صور تفاعلات الأوراك المعدنية تبدو سيئة”. وأضاف أن البيانات والحالات المقدمة لم تظهر أن الأوراك المعدنية قد تسببت في المشاكل، “لكن 80 بالمائة من الحضور شاهدوا هذا النوع من التفاعلات النسيجية”.

وأجاب مدير التسويق في “دوبوي” الذي كان قد عرّف بشملزريد في مؤتمر المبيعات بنيو أورلينز في العام نفسه، “أصبر. سنتحكم بالأمر”.

اختفاء الأوراك المعدنية

اليوم، اختفت تقريباً الأوراك المعدنية من السوق. وتنصح السلطات الصحية المرضى الذين لا يزالون يملكونها بالخضوع لفحص كل عام أو عامين – أو بمجرد أن يشكوا بأن لديهم مشاكل صحية متعلقة بالورك. والأشخاص الذين يعانون من أعراض غالباً ما يحتاجون إلى ورك جديد.

وفي العام 2010، أعلنت “دوبوي” عن سحب عالمي لخط منتجات “إيه إس آر إكس أل” بالكامل، في حين غمرت مباني المحاكم حول العالم مطالبات تتعلق بالمسؤولية عن المنتجات والإصابات الشخصية والاحتيال.  

وفي الهند، أوصت إحدى لجان وزارة الصحة في كانون الثاني /يناير أن يحصل كل مريض على تعويض قدره 30 ألف دولار. ولم يتأكد المبلغ النهائي بعد.

وأصدرت إدارة الأغذية والأدوية الأميركية في العام 2011 نشرة بعنوان “مخاوف في شأن أنظمة زراعة الورك المعدني”، ثم خالفت نفسها فيما بعد وتطلبت في النهاية من المصنعين إنتاج بيانات سريرية لتبرير استخدام الورك المعدني، كما هي الحال مع أجهزة ضبط نبضات القلب وغيرها من الأجهزة الطبية الخطيرة.   

وبحلول العام 2014، قام كل من “جونسون أند جونسون” / “دوبوي” و”سميث أند نفيو” و”زيمر بايوميت” بتسوية التهم الجنائية والمدنية مع وزارة العدل الأميركية ولجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية المتعلقة برشاوى في أوروبا. وقامت “سترايكر” بتسوية اتهامات لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية من دون الاعتراف بالخطأ أو نفيه.

“نحن نعمل في صناعة منظمة وتُعد نوعية منتجاتنا للمرضى ومقدمي الرعاية أولويتنا القصوى. ونحن ملتزمون بالعمل مع عملائنا لجعل الرعاية الصحية أفضل في وقت نعمل فيه في شكل أخلاقي ووفق كل القوانين والتنظيمات المعمول بها”، وفق قول ناطق باسم “سترايكر” للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.

وسيتم رفع أكثر من 28 ألف دعوى قضائية في حالات تسمي كل صانعي الأوراك المعدنية تقريباً. وقامت ماري لو ريتون، تحت اسم ريتون – كيلي، بمقاضاة “بايوميت”، زاعمة أن عظامها وركها معيباً، واختُبر في شكل غير كاف، وتسبب في مستويات مفرطة من معدن الكوبالت في دمها وبـ”تشويه” وغير ذلك من الإصابات الدائمة. ولا تزال القضية معلقة.

وبعد صدور حكم في هيئة للمحلفين في العام 2013 في لوس أنجلوس منح 8.3 مليون دولار لمرضى “إيه إس آر إكس إل”، أعلنت “دوبوي” عن صندوق بقيمة 2.5 مليار دولار لتسوية المطالبات المتعلقة بـ”إيه إس آر إكس إل”؛ وقفزت التسويات لاحقاً إلى 4.4 مليار دولار.

 

خضع ما يقرب من مليون شخص في السنة في الاقتصادات الغربية الكبرى، بما في ذلك أكثر من 600 ألف أوروبي، لاستبدال الورك بحلول منتصف العقد الحالي من الزمن

 

ثم بدأت الأحكام المتعلقة بـ”بيناكل” تتالى. وبعد انحيازها إلى “جونسون أند جونسون” / “دوبوي” في أول قضية تُسمَّى رائدة، بدأت هيئات فيدرالية لمحلفين في ولاية تكساس تفرض مبالغ مذهلة، بما في ذلك حكم بمليار دولار في كانون الأول / ديسمبر 2016، وكان المبلغ كله تقريباً مخصصاً لعقوبات. وجرى تخفيض بعض من أكبر الأحكام أو عكسها في وقت لاحق.

وفي كل أنحاء العالم، كان الانتصاف غير متساوٍ على غرار التنظيم.

ولم يتلق المريض من كوريا الجنوبية، جيونغ سانغ هو، كان قد استبدل وركه المعطل من طراز “إيه إس آر إكس إل” بآخر في العام 2010 قبل معرفته بأي من عمليات السحب، سوى حوالي 620 دولار من وحدة “جونسون أند جونسون” في سنغافورة من خلال شركة كورية جنوبية لضبط التأمين. وهو يقاضي الآن في قضية معلقة في محكمة فيدرالية أميركية، على الرغم من أن المدعين الأجانب قد يواجهون عقبات قانونية إضافية.

وقال جيونغ لشركاء إعلاميين للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، “لم أتلق قط أي تفسير لمخاطر هذا الجهاز”. وقال إن مستويات الكوبالت لديه بلغت خمسة أضعاف المستويات الطبيعية، وفقد وظيفته نتيجة لسقوطه، والآن يعاني من مشكلة في حمل طفل رضيع.  “أنا غاضب ومحبط للغاية حول هذا الافتقار إلى التفسير، وأعتقد بأن الجهاز هو طفل ما كان ينبغي أن يخرج إلى هذا العالم”.

وقال الناطق باسم “جونسون أند جونسون”، “إن من ممارسات الشركة مراقبة إجمالي البيانات من مصادر متنوعة، بما في ذلك السجلات المشتركة، والأدبيات المنشورة، والتجارب السريرية التي ترعاها الشركة، وبيانات الشكاوى الداخلية وتقارير الأبحاث السريرية الخارجية. واستمر رصدنا المستمر للبيانات السريرية للورك المعدني من ألتمامت (بيناكل) في إظهار سجل حافل من تقليل الألم واستعادة الحركة للمرضى الذين يعانون من آلام الورك المزمنة”.

وأضاف أن الشركة قامت “بتعويض مرضى إيه إس آر طواعية من خلال اتخاذ خطوة غير مسبوقة في معالجة تكاليف الرعاية الطبية المتعلقة بالسحب وما يرتبط بها من نفقات إضافية وفقدان للأجور من خلال برنامج تعويض إيه إس آر. والبرنامج متاح لجميع المرضى على مستوى العالم، والمشاركة في البرنامج لا تتطلب من المرضى التنازل عن حقوقهم القانونية لمتابعة دعوى ضد الشركة”.

وقال ستيف ألين، محلل الأنظمة البريطاني، إن الأطباء الذين يستكشفون عدم ارتياحه في شأن وركه وجدوا أيونات معدنية في دمه. وفي النهاية، أزيل زرع” بيناكل” في العام 2014، وأخبره جراحه أن “الضرر كان مذهلاً في شكل مطلق”. ولديه الآن ورك مصنوع من معدن وبولي إثيلين ويقول إنه يشعر بأنه بخير، لكن بعد كل العمليات الجراحية، لا يزال التنقل مشكلة. وعلى الرغم من زيارات إلى ناد رياضي وعلاج طبيعي، “أمشي كما لو كنت قد صعدت إلى البر بعد حياة في البحر”. ويتابع العلاج مع طبيب لتقويم العظام.

وكان ألين من بين 312 مطالباً في محاكمة طويلة انتهت في أيار / مايو في المملكة المتحدة زعموا أن “بيناكل” انتهك قوانين وأنظمة حماية المستهلك في البلاد.

وحكمت القاضية في تلك المحاكمة بأن الورك “بيناكل” لم يكن معيباً وجاء الحكم ضد المدعين. وفي حكمها، قالت القاضية إن على الرغم من الموافقات الأوروبية والأميركية، فإن الجراحين “يدركون جميعاً” أن أجهزة “بيناكل” لم تخضع لاختبار بشري، وأن “مدى جودة أدائه في الحياة الحقيقية لم يكن معروفاً”. وبالإضافة إلى ذلك، كتبت تقول إن “تعليمات الاستخدام” الواردة في المنتج تضمنت تحذيرات حول مخاطر غير معروفة من تسرب أيونات المعادن.

ولاحظ الناطق باسم “جونسون أند جونسون” أن القاضية البريطانية قالت، من بين أمور أخرى، إن “بيناكل” “منتج جيد التصميم مع العديد من الميزات الهندسية الإيجابية”. وقال الناطق أيضاً إن المحكمة وجدت أن “على الرغم من أن منتجاً معدنياً سينتج، بحكم طبيعته، فتاتاً من المعدن – وهو ما قد يتسبب بدوره في رد فعل سلبي لدى بعض المرضى – فهذا ليس بحد ذاته عيباً” لأغراض قوانين حماية المستهلك في المملكة المتحدة.

ولم يترك القرار الجارف مجالاً كبيراً للاستئناف وقد وجه ضربة مميتة إلى دعاوى “بيناكل” التي لا تزال معلقة في المملكة المتحدة.

ولا يزال ألين، الذي حضر عدة أيام من المحاكمة، مذهولاً. ويقول، “أجد صعوبة في تقبل الإبقاء على الظلم”.

* المساهمون في هذه القصة:  بويونغ ليم، سبنسر ودمان.

 

 إقرأ أيضاً:

وثائق الزرع الطبي : “جمهورية ميدترونيك” حولت مضخات القلب إلى مضخات نقود

“وثائق الزرع الطبي” : تلك الشركات ماذا تزرع في أجسادنا؟

 “وثائق الزرع الطبي”: : ارتفاع مذهل في أرباح الشركات يوازيه ارتفاع الخسائر البشرية

 “وثائق الزرع الطبي”: السجل الأسود لـ”بيزنس” عمليات تكبير الثديين في لبنان

إقرأ أيضاً