fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

daraj admin

ana ladmin

مقالات الكاتب

“وثائق الزرع الطبي”: ارتفاع مذهل في أرباح الشركات يوازيه ارتفاع الخسائر البشرية

الرسوم لـ Christina Chung (ICIJ)

من أمستردام وسيول وليما ومومباي، إلى بلدة هياواسي الأميركية الصغيرة في ولاية جورجيا، تسبب الأعضاء الطبية المزروعة المرض والتشوه وأحياناً الموت، لدى الأشخاص أنفسهم الذين صُمِّمت لمساعدتهم.

فشلت السلطات الصحية في كل أنحاء العالم في حماية الملايين من المرضى من الأعضاء المزروعة التي لم تُختبَر في شكل جيد والتي يمكن أن تثقب الأعضاء الطبيعية، وتسفر عن صدمات عشوائية للقلب، وتهرئ العظام وتسمم الدم، وتؤدي إلى تعاطي جرعات زائدة من المواد الأفيونية، وتسبب ضرراً آخر لا داعي له، وفق الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.  فالحكومات تخضع حتى الأعضاء المزروعة المعقدة لمعيار لاختبار السلامة يقل عن نظيره الخاص بمعظم الأدوية الجديدة العادية. وتقبع الأجهزة الخاطئة في السوق مع تصاعد الإصابات. وفي ظل نظام عالمي غير مضبوط، تقوم شركات الأجهزة بنزع الأعضاء المزروعة من السوق في بعض البلدان مع الاستمرار في بيعها في بلدان أخرى – وغالباً ما لا يكون لدى السلطات نظام متماسك لتنبيه الأطباء والمرضى عند حدوث مشاكل.

في كل أنحاء الكوكب، يُعامَل المرضى غير المتنبهين كأهداف لاختبار التقنية الطبية الجديدة.

 

وفي جنوب أفريقيا، من المقرر إجراء عملية جراحية هذا الشهر لريناتي شيبرز، البالغة من العمر 51 عاماً، من أجل إزالة شبكة زُرِعت حول المثانة بهدف علاج السلس، بعد سنوات من نوبات متكررة من آلام البطن. وتقدمت أكثر من 100 ألف امرأة في كل أنحاء العالم بدعاوى قضائية ضد شركات التصنيع متهمةً إياها بتعريضهن للأذى بسبب منتجات شبكية معيبة.

وفي الهند، يعاني فيجاي فوجهالا، وهو بائع سابق لمعدات المستشفيات في مومباي يبلغ من العمر 44 عاماً، من مشاكل في الرؤية وصعوبة في المشي وإيقاع غير منتظم في القلب يعزوها إلى ورك صناعي من “جونسون أند جونسون”، يُلقى باللائمة عليه في تسميم آلاف المرضى.  وزُرِعت أوراك معدنية كهذه في أكثر من نصف مليون شخص قبل سحبها أو نزعها من السوق.

وفي الولايات المتحدة، توفيت تشارليسا دون بويس البالغة من العمر 27 عاماً بعد أن فشل مزيل للرجفان مزروع في إعادة قلبها إلى الخفقان الطبيعي، حسبما تدعي عائلتها في دعوى قضائية في ولاية تينيسي، وسُحِب الجهاز من قبل سانت جود ميديكال بسبب مشاكل في البطارية. وزُرِع ما يقرب من 350 ألفاً من هذه الأجهزة في مرضى حول العالم قبل سحبها بسبب بطارياتها المعيبة في العام 2016.

وقال كارل هينغان، عالم الأوبئة السريرية في جامعة أكسفورد في إنكلترا الذي كتب على نطاق واسع عن تنظيم الأجهزة الطبية، “إن من غير المقبول الحفاظ على هذا النظام. ففي مرحلة ما، يرفع المرضى أيديهم ويقولون إننا نتعرض لأذى كارثي. لكن عندما يحدث ذلك، غالباً ما تكون قد مرت [سنوات] على إصابة عدد كبير من الناس بالفعل”.

وتُعد ملفات وثائق الأعضاء المزروعة أول فحص عالمي على الإطلاق لصناعة الأجهزة الطبية والمشرفين عليها.

 وقام صحافيون من الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وفريق مكون من أكثر من 250 صحافياً ومختصاً في البيانات من 58 مؤسسة إخبارية في 36 بلداً بفحص مئات الحالات المشابهة من كل أنحاء العالم. ويستند هذا التحقيق إلى التقارير التي قدمتها جت شوتن في هولندا، وهي صحافية استقصائية في هيئة الإذاعة العامة الهولندية، كانت جزءاً من الفريق الدولي.

منذ العام 2008 تم دفع 1.6 مليار دولار تسويات قضايا فساد في مجال الأعضاء المزروعة

ضرر هائل

تحسن الأعضاء المزروعة الحياة، بل وتنقذها. ويقول صانعو الأجهزة إن منفعة منتجاتهم تفوق الضرر في شكل كبير. وقد دفعوا أيضاً مليارات الدولارات في تعويضات وتسويات مع مرضى ادعوا أنهم تضرروا من أجهزة معيبة. ويكشف تقرير الأعضاء المزروعة عن وجود صناعة تنافسية شديدة تتعارض مع سلطات إنفاذ القانون والسلطات المالية والصحية على الصعيد العالمي، وقد استخدمت نفوذها القوي للضغط على المنظمين من أجل زيادة سرعة الموافقات وخفض معايير السلامة. وقد دفع المصنعون ما لا يقل عن 1.6 مليار دولار منذ العام 2008 لتسوية اتهامات بالفساد والاحتيال وانتهاكات الأخرى مع المنظمين في الولايات المتحدة وبلدان أخرى، وفقاً لمراجعة الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين لبيانات من وزارة العدل الأميركية ولجنة الأوراق المالية والبورصات.

ولا تقوم الحكومات في عشرات البلدان في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية بتنظيم الأجهزة الطبية على الإطلاق، فتضع بدلاً من ذلك ثقتها في السلطات الأوروبية أو في إدارة الأغذية والأدوية الأميركية، التي تُعتبر عموماً أنها توفر رقابة أكثر قوة من أي وكالة صحية أخرى في العالم.  لكن حتى هذه الرقابة غير موجودة، مع اعتماد الأجهزة المعقدة بسرعة كبيرة من قبل السلطات الأميركية، وعدم نزع الأجهزة الأخرى المقلقة عن رفوف المستشفيات بسرعة كافية، كما يقول مناصرو المرضى وخبراء الصحة. وتدرس إدارة الأغذية والأدوية الآن مزيداً من تخفيف قواعدها من أجل نشر بعض الأجهزة الجديدة في السوق مع اختبارات أقل بكثير من ذي قبل، وهي خطوة يُنظَر إليها كجزء من جهد أوسع لتعزيز وضع الولايات المتحدة كمنافس لأوروبا، التي تقدم للمصنعين مساراً أسرع حتى للموافقة على المنتجات الجديدة.

وخلال سير التحقيق في ملفات الأعضاء المزروعة، قدم الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وشركاؤه أكثر من ألف و500 طلب إلى السجلات العامة وجمعوا أكثر من ثمانية ملايين سجل صحي مرتبط بالأجهزة. وتتضمن هذه السجلات إشعارات السحب وتحذيرات السلامة والوثائق القانونية والإيداعات المالية للشركات. وأُرسِل أكثر من 5.4 مليون تقرير حول “أحداث سلبية” إلى إدارة الأغذية والأدوية على مدى العقد الماضي من الزمن وهي تشكل أكبر حصة من هذه الثروة الوثائقية. وتأتي هذه التقارير من أطباء ومصنعين ومرضى وحتى محامين، وتصف الحالات التي يُشتبه في أن جهازاً قد تسبب في حدوث إصابة خطيرة أو وفاة أو ساهم فيهما، أو تعرض إلى خلل من المحتمل أن يؤدي إلى حدوث ضرر إذا تكرر حدوثه.

بـ1.7 مليون إصابة وما يقرب من 83 ألف حالة وفاة على مدى العقد الماضي من الزمن، وفق تحليل للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين

أما الأجهزة الطبية التي انكسرت أو أخطأت أو تآكلت أو تمزقت أو تعرضت لخلل آخر بعد الزرع أو الاستخدام – على الرغم من تأكيدات المنظمين والصناعة والأطباء بأنها آمنة – فرُبِطت بـ1.7 مليون إصابة وما يقرب من 83 ألف حالة وفاة على مدى العقد الماضي من الزمن، وفق تحليل للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين. وأورد ما يقرب من 500 ألف تقرير إجراء عملية جراحية لإزالة جهاز في سياق حدث سلبي. وفي بعض الحالات، لا يكون الارتباط بين الضرر الموصوف في تقرير عن حدث سلبي والجهاز واضحاً، وتفيد إدارة الأغذية والأدوية بأن الاستنتاجات حول سلامة الجهاز أو دوره في الإصابة أو الوفاة غير ممكنة من حدث سلبي وحده.  ومع ذلك، فإن تحليل الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، الذي تضمن تحديد الأجهزة المدرجة في بعض الأحيان تحت مئات من الأسماء التجارية أو التهجئات المختلفة، يعطي رؤية لم يسبق لها مثيل عن سلامة المنتجات الطبية.

لكن البيانات لا تحكي سوى جزء من القصة. فغالباً ما يفشل الأطباء والمصنّعون في الإبلاغ عن الأحداث السلبية، وعندما يحصل ذلك يمكن إبطال صحة المعلومات وتكون غير مكتملة. وعلى مساحات شاسعة من الكوكب، ترفض السلطات الصحية الكشف عن معلومات عن الأضرار التي تلحق بالجمهور – أو لا تجمعها أبداً في المقام الأول.

وفي الاتحاد الأوروبي، يقوم المنظمون بجمع أعداد متزايدة من التقارير عن الإصابات والأعطال كل عام، لكنهم يرفضون نشر البيانات، زاعمين أن ذلك سيكشف معلومات تجارية سرية ويخيف الجمهور من دون داع. وفي شيلي، أبلغت السلطات الصحية شركاء للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين بأن الإبلاغ عن الأحداث السلبية طوعي وأنها تلقت أربعة تقارير في غضون 10 سنوات، تعلق واحد فقط بجهاز مزروع. وفي المكسيك، لا تشارك السلطات بيانات الأحداث السلبية مع الجمهور.

وعندما يعرف مصنعو الأجهزة والمنظمون عن مشاكل، لا تصل الأخبار في كثير من الأحيان إلى الأطباء، ناهيك عن المرضى. وأصدر المصنعون أوامر سحب أو تنبيهات للسلامة، يمكن أن تتراوح من تغييرات بسيطة في التسمية إلى الإزالة الفورية لجهاز من السوق، في بعض البلدان دون غيرها. وفي حين أن صناعة السيارات يمكنها عموماً الوصول إلى مالكي السيارات لإخبارهم بمشاكل السلامة التي تتطلب إصلاحات، فإن صناعة الأجهزة وعملائها من المستشفيات لا تستطيع غالباً العثور على الأشخاص الذين لديهم أعضاء مزروعة.

ونظراً لعدم وجود مورد عالمي عن عمليات السحب وإشعارات السلامة، قرر الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أن يؤسس واحداً. وتجمع قاعدة البيانات الدولية للأجهزة الطبية للمرة الأولى حالات السحب وتنبيهات السلامة وإشعارات السلامة الميدانية لإنشاء بوابة قابلة للبحث يمكن لأي شخص الوصول إليها للمساعدة في اكتشاف ما إذا كان الجهاز قد أُبلِغ عنه بسبب مخاوف رسمية تتعلق بالسلامة. ونظراً إلى عدم وجود طريقة متفق عليها لتحديد الأجهزة، أنشأ الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أدوات لمنح المستخدمين القدرة على البحث في سجل الأمان الخاص بأجهزتهم، حتى لو وُصِفت في شكل مختلف في بلدان أخرى.

وأظهر تحليل للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين لبيانات قاعدة البيانات الدولية للأجهزة الطبية أن الشركات المصنعة أصدرت خلال العقد من الزمن أكثر من ألفين و100 سحب من “الدرجة الأولى” في الولايات المتحدة بسبب عيوب اعتُبِرت “فرصة معقولة” لـ”مشاكل صحية خطيرة أو الموت”. وأمكن التعامل مع بعضها بسهولة، مع تحديث سريع للبرمجية أو تغيير في صياغة التعليمات، في حين تعلق البعض الآخر بأجهزة زُرِعت في الملايين من المرضى ودفعت إلى الآلاف من عمليات الإزالة الجراحية.

83 ألف حالة وفاة خلال العقد الماضي جراء مضاعفات عمليات الزرع

سكان يشيخون وأعمال تنمو

تُعتبَر أعمال الأجهزة أعمالاً ضخمة، وهي تنمو بسرعة. فقد ازدادت المبيعات السنوية للصناعة أكثر من الضعف من حوالي 118 مليار دولار في العام 2000 إلى نحو 400 مليار دولار في العام 2018. وكسب صندوق يتكون من أسهم شركات الأجهزة الطبية الرائدة نسبة كبيرة بلغت 125 بالمائة في السنوات الخمس الأخيرة حتى 14 تشرين الثاني / نوفمبر، مقارنة بـ52 بالمائة للاقتصاد الأوسع المنعكس في مؤشر “ستاندرد أند بورز 500”. وأشار محلل استثماري في “يو بي إس” إلى أن أكبر سوق للأجهزة – أي الأشخاص الذين يبلغ عمرهم 65 عاماً أو أكثر – سينمو بأكثر من 60 بالمائة إلى ما يقرب من مليار شخص بحلول العام 2030.

فمراراً وتكراراً، تعرض المرضى لمنتجات تسببت في ضرر جسيم يمكن الوقاية منه.

وللصناعة قصص نجاح لا تُعَد ولا تُحصَى تستطيع أن تحتفل بها. لقد قامت أجهزة تنظيم ضربات القلب بتنشيط الملايين من المرضى المصابين بأمراض القلب أو إنقاذ حياتهم. ومكنت الزروع في العظام، التي تُعد من أكثر أنواع الأجهزة الطبية شيوعاً، ملايين أخرى من الوقوف على أقدامهم، حتى الأشخاص المصابين بسرطان العظم. ووفق “أدفا ميد”، المجموعة القطاعية الأميركية الرائدة لمصنعي الأجهزة الطبية، أعادت العدسات المزروعة داخل العين البصر لـ36 مليون شخص في الولايات المتحدة وحدها. وفي شباط / فبراير، قال عمر إشراق، الرئيس التنفيذي لـ”ميدترونيك”، أكبر صانع للأجهزة في العالم، إن منتجات شركته تجعل الحياة أفضل لأكثر من 70 مليون مريض جديد كل عام – ما يحسن حياة شخصين كل ثانية.

وفي تعليقات مكتوبة إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أكدت “أدفا ميد” وجوب تقييم الأجهزة في شكل مختلف عن الأدوية وشككت حتى في الحاجة إلى إجراء تجارب سريرية واسعة النطاق على الأجهزة الطبية. وشككت “أدفا ميد” أيضاً في مواجهة الصناعة لمشاكل في الوصول إلى المرضى بعد السحب. وقالت جانيت ترونزو، رئيسة قسم الشؤون التنظيمية والتنظيمية في “أدفا ميد”، “إن لدى الأجهزة الطبية العالية المخاطر، ولاسيما الأعضاء المزروعة التي تحافظ على الحياة، إجراءات تتبع محددة لضمان قدرة الشركات بسرعة على إخطار المرضى ومقدمي الخدمات بأي مشاكل مهمة”.

وفي إجابات مكتوبة واسعة على أسئلة الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أفادت إدارة الأغذية والأدوية بأن سلامة المريض “هي وستبقى حجر الزاوية” لالتزامها التنظيمي. وأقرت بوجود “قيود” طويلة الأمد في قدرتها على أن تحدد “بسرعة وفي شكل ثابت” مخاطر السلامة بعد إطلاق الجهاز في السوق، ولفتت إلى أنها تقود الجهود المبذولة لإنشاء برنامج يقوم بمسح المعلومات السريرية وغيرها من البيانات للكشف عن المشاكل بسرعة أكبر.

ويوم الثلاثاء، أعلنت الوكالة أنها وضعت “هدفاً جديداً مهماً وطموحاً” لتكون “دائماً أولى بين الوكالات التنظيمية في العالم في تحديد إشارات الأمان المتعلقة بالأجهزة الطبية والتحرك في شأنها”. ويعترف حتى أشد منتقدي صناعة الأجهزة بأن من المستحيل إنشاء منتجات لا تعرض المرضى للخطر، ولاسيما تلك التي توفر وظائف مستدامة للحياة.

لكن هناك خطر، وطيش. فمراراً وتكراراً، تعرض المرضى لمنتجات تسببت في ضرر جسيم يمكن الوقاية منه. وكثيراً ما تتكشف هذه الحوادث في الظل، وفي حركة بطيئة، وعلى مدى سنوات، وفي غرف النوم وفي المستشفيات في كل أنحاء العالم.

لقد وُضِعت “إيشور”، وهي وسيلة معدنية لمنع الحمل على شكل لفائف، في قناة فالوب لأكثر من مليون امرأة. وأفاد الآلاف في وقت لاحق عن إصابات مروعة، بما في ذلك ثقب في الرحم، ما تسبب بألم ونزيف. وتتضمن بيانات الأحداث السلبية الأميركية التي حللها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين توصيفات لما يقرب من ثمانية آلاف و500 حدث خلال العقد الماضي تطلبت إزالة “إيشور”. وفي العام 2017، كتبت “باير” إلى الأطباء الأوروبيين تطالبهم بوقف استخدام المنتج و”عزل المخزون المتبقي مؤقتاً حتى إشعار آخر”. وسرعان ما علقت الشركة المبيعات في كل بلد باستثناء الولايات المتحدة.

ميستي هولمان

وفي أيار / مايو، زُرِعت “إيشور” في ميستي هوليمان، وهي أم لأربعة أطفال تبلغ من العمر 26 عاماً وتعيش خارج إيرفينغ في ولاية تكساس. وهي واحدة من أكثر من 200 مريض أخبروا الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أو شريك لها بأنهم لم يُبلَّغوا بالمخاطر الصحية الحاسمة قبل الزرع.

وفي تموز / يوليو، أعلنت “باير” أنها ستتوقف عن بيع الجهاز في الولايات المتحدة بحلول نهاية العام. وفي تعليقات موجهة إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أفادت “باير” بأن قرارها بسحب الأجهزة عالمياً كان لأسباب تجارية وأشارت إلى انخفاض شامل في استخدام وسائل منع الحمل الدائمة فضلاً عن “الدعاية غير الدقيقة والمضللة حول الجهاز”. وأشارت “باير” أيضاً إلى أن النساء اللواتي يقاضين الشركة قد وضعن كثيراً من تقارير الأحداث السلبية التي قُدِّمت إلى إدارة الأغذية والأدوية. وتعاني هوليمان الآن من آلام حادة شديدة. وقد تحتاج إلى استئصال الرحم في شكل كامل، ولا يمكنها تحمل تكاليف هذا الإجراء. وقالت، “لا أستطيع أن أرى ما يجري داخل جسدي، ولا يمكنني إخراجه”.

ما بعد التنظيم

صيغت متطلبات الاختبار الحديثة للأدوية الجديدة في أعقاب فضيحة طبية هزت العالم. في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين، تسبب الثاليدوميد، وهو عقار يُباع للنساء كعلاج للوحام، في ولادة عشرات الآلاف من الأطفال بأطراف مشوهة ومجموعة واسعة من العيوب الخلقية الأخرى. ومات ما يصل إلى 40 بالمائة من الأطفال الذين عانوا من التعرض الشديد في مرحلة الطفولة، وعانت نساء كثيرات من ولادة أطفالهن ميتين ومن الإجهاض. وظهر طوفان من الأنظمة الصيدلانية الجديدة رداً على ذلك. وعلى الرغم من التكاليف الضخمة المرتبطة بالأنظمة، كان مطلوباً من صانعي الأدوية إظهار أدلة سريرية تثبت أن منتجاتهم آمنة وفعالة قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى السوق.

وكانت صناعة الأجهزة عبارة عن تطور ما بعد التنظيم، وتهربت من الرقابة الكاملة حتى العام 1976 في الولايات المتحدة والعام 1990 في أوروبا. ومنذ البداية، زعمت الصناعة أنه ينبغي التعامل مع أجهزتها في شكل مختلف عن الأدوية.ويتمثل المعيار المقبول دولياً للموافقة على كل الأدوية الجديدة تقريباً في أن تجربة عشوائية مراقبة، في مرضى بشريين اختباريين، يجب أن تظهر السلامة والفعالية. وفي كل أنحاء العالم، يقل معيار الموافقة على الأجهزة الجديدة عن نظيره الخاص بالأدوية الجديدة.

في الولايات المتحدة، يجب على صانعي الأدوية أن يظهروا “أدلة جوهرية” على سلامة منتج جديد وفعاليته، وهذا عادة ما يتطلب ثلاث تجارب. وبالنسبة إلى الأجهزة، يكون المعيار “تأكيداً معقولاً”، وهو يعني عادةً دراسة واحدة وليس تجارب عشوائية مراقبة، حيث تحصل مجموعات المرضى على معالجات مختلفة، وتُقارَن النتائج.لكن حتى هذا المعيار غالباً ما يكون نظرياً. فأقل من 5 بالمائة من الأجهزة التي راجعتها إدارة الأغذية والأدوية تخضع لموافقة قبل التسويق. وتسمح الهيئات التنظيمية بتغييرات رئيسية – وأحياناً مصيرية – في الأجهزة الموجودة في مسارات مخصصة لتحديثات إضافية.  

أقل من 5 بالمائة من الأجهزة التي راجعتها إدارة الأغذية والأدوية تخضع لموافقة قبل التسويق

وتجري الموافقة على معظم الأجهزة من خلال المسارات التي تقوم بمسح الأجهزة استناداً إلى ما إذا كانت “مكافئة جوهرياً” للأجهزة الموجودة بالفعل في السوق، أو إلى إصدار سابق من المنتج نفسه.

وفي بعض الأحيان وبعد سلسلة من هذه الموافقات المعتمدة على المعادلة، نادراً ما يشبه جهاز جديد النسخة الأصلية. تتبع بحث نشرته “بي إم جاي”، وهي شريك للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، شجرة العائلة لـ61 من المنتجات الشبكية الجراحية إلى جهازين أصليين جرت الموافقة عليهما في العامين 1985 و1996. ولم يكمل أي منهما التجارب السريرية في وقت الموافقة.

وقالت أدريان فو – بيرمان، الأستاذة في جامعة جورجتاون والتي تدرس ممارسات تسويق الرعاية الصحية، إن المرضى الذين يتناولون أدوية ذات نوعية رديئة يمكنهم إلقاء زجاجة الحبوب في سلة المهملات. أما الأشخاص الذين لديهم جهاز مزروع غير ضروري أو ضعيف الأداء فقد ينتهي الأمر بالجهاز داخل أجسامهم لبقية حياتهم. وقالت، “قد تصيبك عاهة إلى الأبد”.

فشل جهاز إزالة رجفان القلب: “البرق ضربني”

في العام 2004، فازت “ميدترونيك” بالموافقة على نسخة محدثة من خيط، أو سلك، يُستخدَم لتوصيل مزيل الرجفان المزروع في القلب. وكان الخيط في الجهاز المسمى “سبرينت فيديليس” أرق بكثير من الإصدارات السابقة، واعتُبِر الابتكار ميزة لأن الأسلاك الرفيعة كانت أرق وأسهل للثني.وعلى مدى الأعوام الثلاثة التالية، زُرِع “سبرينت فيديليس” في ما يقدر بنحو 268 ألف مريض في كل أنحاء العالم.

وفي كانون الثاني / يناير 2007، كانت شيري روبنسون، البالغة من العمر 32 عاماً، تستعد للنوم في منزلها في سيكتلت، وهي جزيرة تقع خارج فانكوفر، بكندا، عندما دفعتها هزة مذهلة في صدرها إلى الأمام. “رأيت هذا الضوء الأبيض من خلال عيني. وقد آلمني ألماً شديداً. وظننت أن البرق ضربني”. لقد صُمم جهاز روبنسون ليدفع القلوب مرة أخرى إلى العمل وفق الإيقاع الطبيعي، لكن اختبارات المستشفى أظهرت عدم فعاليته. وقبل تعطيله، صدم الخيط المعيب في “سبرينت فيديليس” روبنسون 18 مرة.

“لا يستطيع أحد تقريباً تحمل الصدمات المتعددة”، وفق قول أحد أطباء القلب في تقرير لخدمة بحوث الكونغرس نُشِر بعد نحو عقد من الزمن. “وبعد صدمة ثانية أو ثالثة، يقترب القلق من احتمال حدوث مزيد من الصدمات بسرعة إلى ما يشبه الإرهاب”. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، قام الأطباء بإزالة الجهاز المعطل – في عملية جراحية أخرى – لكن بعد ذلك وببساطة وضعوا “سبرينت فيديليس” آخر.  وفي تموز / يوليو 2007، نشر أحد أطباء القلب في ولاية مينيسوتا دراسة أظهرت أن “سبرينت فيديليس” فشل بمعدل أعلى من المتوقع وكان يصدم المرضى.وسحبت الشركة الجهاز وأخرجته من السوق في تشرين الأول / أكتوبر 2007. وبعد ذلك بسنتين، اعترفت “ميدترونيك” بأن سوء أداء الخيوط في “سبرينت فيديليس” ربما تسبب في وفاة 13 شخصاً.

الأطباء وغيرهم من المبلغين عن أحداث سلبية خلال العقد الماضي من الزمن، ربطوا نماذج مختلفة من “سبرينت فيديليس” بأكثر من 8 آلاف إصابة وألفي حالة وفاة

تدهور أداء الجهاز مع مرور الوقت. ووجدت دراسة أُجرِيت في العام 2015 على ما يقرب من ألف مريض في فرنسا أن أكثر من واحد من كل خمسة خيوط تمزق بعد خمس سنوات. وكان المرضى الأصغر سناً والأكثر نشاطاً عرضة للإصابة. ويفيد تحليل للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين لتقارير الأحداث السلبية الصادرة عن إدارة الأغذية والأدوية تظهر أن الأطباء وغيرهم من المبلغين عن أحداث سلبية خلال العقد الماضي من الزمن، ربطوا نماذج مختلفة من “سبرينت فيديليس” بأكثر من 8 آلاف إصابة وألفي حالة وفاة. وعلى الرغم من اعتبار “سبرينت فيديليس” جهازاً عالي المخاطر من قِبل إدارة الأغذية والأدوية، لم يخضع لاختبار المرضى: فقد وافقت الوكالة عليه من خلال “ملحق” لإصدار جرت الموافقة عليه قبل أكثر من عقد من الزمن.

ولم ترد “ميدترونيك” على سؤال محدد حول “سبرينت فيديليس”، لكنها أفادت بأنها لا تجلب جهازاً أو علاجاً إلى السوق “إلا إذا أكدنا وإلى أن نؤكد أن المنتج آمن وفعال في علاج الحالة الطبية المعنية”. وأضافت الشركة أنها تواصل مراقبة سلامة أجهزتها وأدائها بعد طرحها في السوق.

موافقات المسار السريع

أتت الإصدارات الجديدة من الأجهزة العالية المخاطر إلى السوق كذلك من خلال مسار سريع ضخم التكافؤ يُسمَّى 510 (ك). وفي العام 2009، انتقدت مراجعة لمكتب المحاسبة الحكومية إدارة الأغذية والأدوية لاستمرارها في الموافقة على الأجهزة العالية المخاطر من خلال 510 (ك) على الرغم من أمر من الكونغرس مضى عليه عقود من الزمن بعدم القيام بذلك.  وبعد ذلك بعامين، حض معهد الطب، وهو الآن وحدة من الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب، إدارة الأغذية والأدوية على إلغاء البرنامج 510 (ك) بالكامل. ورفضت إدارة الأغذية والأدوية هذه التوصية، واعتبرت أنها غير مجدية.

ولا تزال الأجهزة العالية المخاطر تذهب إلى السوق من خلال ثغرة 510 (ك) – ويبلغ العدد 42 على الأقل منذ العام 2011، وفق الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين. وتعرض ستة منها، بما في ذلك العديد من أجهزة تنظيم ضربات القلب ومراقبتها، في وقت لاحق إلى 14 سحباً.وحذرت جانيس هوغان، وهي محامية في صناعة الأجهزة تدربت في الهندسة الميكانيكية الحيوية، من أن بعض طلبات المسار 510 (ك) بسيطة نسبياً، لكن العديد منها يشمل تجارب بشرية واسعة وآلاف الصفحات من الوثائق. “تمتلك إدارة الأغذية والأدوية تقديراً كبيراً في  شأن البيانات المطلوبة”.

وأفادت الوكالة، “خلال السنوات القليلة الماضية، بذلت إدارة الأغذية والأدوية جهوداً متضافرة لضمان أن نطلب المستوى المناسب من الاختبارات”. وفي بعض الحالات، قد تتطلب إدارة الأغذية والأدوية “اختباراً شاملاً” للأجهزة الخاضعة للمسار 510 (ك)، ما يتطلب مزيداً من الأدلة، حسبما أفادت الوكالة في ردود مكتوبة على أسئلة الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين. ولفتت إدارة الأغذية والأدوية إلى أن الاختبارات السريرية وتجارب المرضى ليست مناسبة ولا تحتاجها غالبية الأجهزة. وأشارت الإدارة إلى أن التخلص من موافقات المسار السريع “لن يوفر بالضرورة ضمانات أفضل للمرضى، بل سيؤدي إلى تكاليف وتأخيرات غير ضرورية فيما سيحوِّل موارد إدارة الأغذية والأدوية عن دراسة وتقويم الأجهزة العالية المخاطر والجديدة”.

وشككت ترونزو، الناطقة باسم “أدفا ميد”، في فكرة أن التجارب السريرية القوية ضرورية للموافقات على الأجهزة، وجادلت بأن الأشكال الأخرى من الاختبارات غير السريرية، مثل الاختبارات المعملية، يمكن أن تنتج استنتاجات أكثر دقة.

الشركات المصنعة للزرع سجلت 2100 سحب لمنتجات خلال العقد الماضي

الحافة الأوروبية

يُعتبر نظام الاتحاد الأوروبي للموافقة على الأعضاء المزروعة أكثر ملاءمة للأعمال. وفي الواقع، هو شركة. يدفع صانعو الأجهزة لشركات خاصة، معروفة باسم الهيئات المبلَّغة، للتصديق على أن الأجهزة العالية والمتوسطة المخاطر تتوافق مع معايير السلامة الأوروبية.

ويختم اللاعبون الكبار، بما في ذلك “مجموعة بي إس آي” في المملكة المتحدة و”تي يو في راينلاند” و”تي يو في سود” في ألمانيا، الأجهزة الطبية بعلامة CE التي تظهر على العديد من السلع الاستهلاكية في أوروبا – المحامص والألعاب النارية ولعب الأطفال – التي تثبت أنها قد استوفت “المتطلبات الأساسية” للسلامة وحماية البيئة.  ومن بين مزايا الصناعة، تُعفَى غالبية الهيئات المبلَّغة من القوانين التي تتطلب من الوكالات الحكومية إعداد سجلات عامة تتعلق بالموافقة على الأجهزة. وفي حالة الأعضاء المزروعة، يُعد الأمر مصدر قلق خاص. وفق رسالة إلكترونية في آذار / مارس 2016 بين كبار المسؤولين الصحيين في ألمانيا والدنمارك، لا يملك المنظمون في الاتحاد الأوروبي أي بيانات سريرية عن ما يُقدَّر بـ90 بالمائة من الأجهزة ذات المخاطر الأعلى، إذ جرى تقييمها على أنها تشبه في شكل كافٍ المنتجات الحالية.

ولطالما كافح المدافعون عن حقوق المرضى لإلغاء نظام الشركات المبلَّغة، ووصفوه بأنه سري ومتضارب بشدة وعرضة للسماح للأجهزة الكارثية بالوصول إلى السوق. وحتى مع ذلك، تُقبَل علامة CE في كل أنحاء العالم، ما يجعل أوروبا نقطة دخول مهمة لصناعة الأجهزة. وفي المملكة العربية السعودية، والهند، والفلبين، وسنغافورة، ومعظم أمريكا اللاتينية، يجري الترحيب الأجهزة، أو إخضاعها لتمحيص قليل، إذا كانت معتمدة بالفعل على أنها آمنة في أوروبا.  

الحواجز المخفضة اندفاع نحو السوق

يتنافس صانعو الأجهزة لجلب أجهزة جديدة إلى السوق وإدخال نماذج جديدة بميزات جديدة لتحسين الجودة وزيادة المبيعات. ويتابع محللو وول ستريت عن كثب الوقت الذي تستغرقه إزالة العقبات التنظيمية. ويقدر الخبراء أن دورة حياة الجهاز القياسية قبل استبداله بالنموذج التالي هي الآن من 18 إلى 24 شهراً فقط.

ومع نمو هذه الصناعة، ازداد تعقيد أجهزتها. وتبيع “بوسطن ساينتفيك كوربوريشن”، و”ميدترونيك”، و”أبوت لابوراتوريز” وصناع الأجهزة الأخرى أعضاء مزروعة تسمى المنبهات العصبية المبهمة التي ترسل نبضات كهربائية إلى الدماغ أو الرقبة أو البطن لمكافحة الأمراض التي تتراوح من آلام الظهر إلى الفواق المزمن والاكتئاب. ويمكن توصيل صمامات قلب قابلة للطي، صنعتها شركة “إدواردز لايف ساينسس” وغيرها من الشركات، من خلال شق صغير إلى القلب باستخدام قساطر قابلة للتوجيه، تفتح إلى حجمها الكامل عند الوصول إلى وجهتها مثل سفينة في قنينة. وتقوم “ميدترونيك” بتصنيع “مضخة ألم” قابلة للزرع بالكامل ترسل جرعات مصغرة من الأدوية التي تسكن الألم في العمود الفقري وتنتج تقارير أداء يمكن للمرضى قراءتها على جهاز لوحي.  وتوفر هذه الأجهزة فوائد – لكنها تخلق أيضاً مخاطر.

أصبحت مشاكل البطاريات منتشرة إلى حد كبير لدرجة أن “أبوت” طلبت في العام 2016 من الأطباء الذين يستخدمون “نانوستيم” “التوقف” والامتناع عن زرع أجهزة جديدة.

وفي بعض الأحيان يمكن أن تكون حسابات المخاطرة والمكافأة جيدة في شكل رائع. مثلاً، صمام القلب القابل للطي، المسمى استبدال الصمام الأورطي عبر القسطرة في الولايات المتحدة، منطقي للمسنين جداً أو المرضى لأنه يلغي الحاجة إلى جراحة القلب المفتوح الصادمة. لكن لا أحد يعرف كم من الوقت يدوم، لذلك من غير المنطقي أن يكون المريض أصغر سناً وأكثر صحة. لكن ما هو السن المناسب ومقدار الصحة المناسبة؟ ويمكن لتسويق منتج رائد قبل الآخرين أن يجعل العام عاماً سعيداً للشركة.

في العام 2014، ظهر دان ستاركس، المدير التنفيذي السابق لـ”سانت جود ميديكال”، في برنامج “ماد ماني” التابع لـ”سي إن بي سي”، وهو يخرج قطعة أصغر من بطارية “إيه إيه إيه” من جيبه، وأمسكها فيما كبرتها الكاميرا. كان “نانوستيم”، أول منظم لضربات القلب من دون خيوط، أي الأسلاك الرفيعة التي تربط الجهاز بالقلب وتسبب منذ فترة طويلة مشاكل للشركات المصنعة. وقال ستاركس، “نعتقد بأن هذا سيؤدي إلى إحداث ثورة في هذا المجال”.

وكان تصميم “نانوستيم” الذي لا يحتوي على الخيوط سبباً رئيسياً للبيع. فالكسر أو سوء الأداء الذي أصاب الخيوط، مثلما حدث مع “سبرينت فيديليس”، إلى مصائب على صعيد الزرع في القلب سابقاً.

وقال ستارك في “ماد ماني”، “أستطيع أن أقول لكم إننا قمنا بعملية الزرع الأولى باستخدام هذه التقنية في بريطانيا العظمى في الأسبوع الماضي فقط، وزمن الزرع بين يدي ذلك الطبيب الخاص كان ثماني دقائق”. وكانت المريضة مورين ماكليف، وهي جدة تبلغ من العمر 77 عاماً، من لندن. وقالت لصحيفة “ديلي ميل” في إحدى المقابلات العديدة التي نظمتها “سانت جود” بعد مغادرتها المستشفى، “أشعر بأنني امرأة جديدة. إذا كان لدي جهاز تقليدي لتنظيم ضربات القلب، فربما لا أزال في المستشفى الآن، وبالتأكيد لن أشعر بأنني بحالة جيدة كما أفعل الآن”.

وبعد ثلاثة أشهر من العملية، كشفت “سانت جود” عن المخاوف الأولى حول “نانوستيم”. لقد وجد الأطباء أن ستة من بين 147 مريضاً شاركوا في تجربة أوروبية عانوا من ثقب في عضلة القلب. وتوفي اثنان. وفي وقت لاحق، فشلت بطارية “نانوستيم” في العديد من المرضى الآخرين، ما جعل أجهزة ضبط نبضات القلب عديمة الفائدة.

وأصبحت مشاكل البطاريات منتشرة إلى حد كبير لدرجة أن “أبوت” طلبت في العام 2016 من الأطباء الذين يستخدمون “نانوستيم” “التوقف” والامتناع عن زرع أجهزة جديدة. واستمر “التوقف” منذ ذلك الحين. وفي نهاية العام 2016، بدأ ماكليف تعاني من خفقان القلب والشعور بالتعب. وقالت لشركاء إعلاميين للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، “كنت أعرف أن هناك خطأ ما في مكان ما”.

وفي مستشفى، أوضحت ممرضة أن جهاز تنظيم ضربات القلب قد توقف. وكانت ماكليف، التي بلغ عمرها آنذاك 80 عاماً، في حاجة إلى جراحة إضافية، وبسرعة. وعلى الرغم من أن “نانوستيم” سُوِّق على أن عمر بطاريته يصل إلى 19 سنة – أي أكثر بست سنوات من جهاز تنظيم ضربات القلب العادي – فشل جهاز ماكليف في ثلاث سنوات.

ومن السهل نسبياً استبدال أجهزة تنظيم ضربات القلب التقليدية بمجرد توقف البطارية. فهي تُوضع تحت الجلد مباشرة، أسفل عظمة الترقوة، وتعمل عن طريق إرسال نبضات كهربائية إلى القلب من خلال الخيوط التي يمكن أن تبقى في مكانها إذا كانت هناك حاجة إلى جهاز بديل لتنظيم السرعة. أما استخراج “نانوستيم” من داخل القلب فمحنة أكبر بكثير. وكانت العملية الثانية لماكليف صعبة. وزرع الجراحون جهاز تنظيم ضربات القلب آخر وتركوا “نانوستيم” الفاشل في مكانه، معتبرين أن من الخطر جدا إزالته. وقالت ماكليف: “كان الأمر صعباً لأنني نزفت كثيراً”.  وكانت الموافقة على الجهاز القلبي المستقبلي لـ”سانت جود” جرت على أساس أنه آمن مع الحد الأدنى من الاختبارات. يتطلب الاتحاد الأوروبي خضوع الأدوية التي تُباع بوصفات طبية شائعة أن تخضع لتجارب سريرية متعددة – تُتوج بدراسة تشمل مئات أو آلاف المرضى لتحديد السلامة والفعالية. أما “نانوستيم” فاختُبِر على 33 مريض بشري، ولوقت قصير نسبياً – 90 يوماً. وكانت أهداف الاختبار الأخرى الوحيدة عبارة عن قطيع من 10 خرفان.وتقول ماكليف متذكرة دخولها الثاني إلى المستشفى، “شعرت وكأنني قليل من القمامة أُلقِي جانباً”.

الضغط من أجل التغييرات في الولايات المتحدة

في الماضي، انتقد المنظمون في الولايات المتحدة في شكل صريح تنظيم الأجهزة في بقية العالم في شكل عام، وفي أوروبا في شكل خاص.

ويمثل لوبي الأجهزة الطبية قوة في واشنطن. فمنذ العام 2008، أنفقت الصناعة أكثر من 362 مليون دولار للتأثير على التشريعات

“نحن لا نستخدم شعبنا كفئران مختبرات في الولايات المتحدة”، قال رئيس قسم الأجهزة في إدارة الأغذية والأدوية، الدكتور جيفري شورين، في اتصال مع الصحافيين في العام 2011 خلال معركة في الكونغرس حول تبني قواعد تشبه القواعد الأوروبية في الولايات المتحدة. وأثارت الملاحظة زوبعة دبلوماسية. وفي العام 2012، أصدرت إدارة الأغذية والأدوية تقريراً أُطلق عليه اسم “الأجهزة غير الآمنة وغير الفعالة” التي تمت الموافقة عليها من خلال اختبارات محدودة في الاتحاد الأوروبي. وتشمل القائمة الزروع الدعامية المستخدمة لإصلاح تمدد جدران الأبهر أو انتفاخها. ووجدت إدارة الأغذية والأدوية أن العديد منها شكل “مخاطر شديدة على المرضى”، وفق التقرير، “بما في ذلك جلطات الدم وفشل الزروع وتمزق الجدران المتمددة”.

وفي العام التالي، بثت إدارة الأغذية والأدوية رسالة مختلفة: ستسعى الولايات المتحدة لأن تكون “الأولى في العالم” كمدخل للأجهزة المهمة للصحة العامة. وتحت إدارة ترامب، الذي تعهد بتقليص التنظيمات، اقترحت إدارة الأغذية والأدوية إجراء اختبارات في المسار السريع قبل تسويق بعض الأجهزة العالية المخاطر. وقد تنهي هذه الخطوة سنوات من الاختبار قبل إطلاق المنتج، وتوفر على الشركات ملايين الدولارات. وفي كلمة ألقاها أمام مجموعة صناعية في أيار / مايو، أقر شورين بأن السياسة المقترحة تعني “قبول مزيد من عدم اليقين في شكل أساسي”.

لوبي الأجهزة الطبية من آقوى اللوبيات في الولايات المتحدة

وفي العام 2017، وافقت إدارة الأغذية والأدوية على أكثر من ثلاثة أضعاف عدد الأجهزة التي وافقت عليها في العام 2010، في حين أن تحذيراتها إلى مصنعي الأجهزة حول سلامة المنتجات انخفضت بنحو 80 بالمائة.

وأخبرت إدارة الأغذية والأدوية الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أن هدفها جعل الولايات المتحدة “الأولى في العالم” يعكس المخاوف من التأخيرات التي تمنع “التكنولوجيات الجديدة الرائدة” من الوصول إلى المرضى الأميركيين في شكل أسرع مقارنة بالمرضى في البلدان المتقدمة الأخرى، وأنها لا تزال ملتزمة بضمان أمن هذه الأجهزة وفعاليتها. وعلى الرغم من أن الوكالة تصدر عدداً أقل من رسائل التحذير، إلا أنها تجري مزيداً من عمليات التفتيش في المصانع.

ويقول النقاد إن نبرة إدارة الأغذية والأدوية تشير إلى تحول مثير نحو أجندة تروج لها الصناعة. وقال الدكتور بيتر لوري، وهو مفوض سابق في إدارة الأغذية والأدوية: “إن مسألة إلغاء القيود في السنوات العديدة الماضية تثير أسئلة حقيقية حول ما إذا كانت الوكالة قادرة في شكل كافٍ على حماية الجمهور الأميركي من الأجهزة غير الآمنة أو غير الفعالة”.

ويمثل لوبي الأجهزة الطبية قوة في واشنطن. فمنذ العام 2008، أنفقت الصناعة أكثر من 362 مليون دولار للتأثير على التشريعات، وفق مركز السياسة المستجيبة. وتمول صناعة الأجهزة أيضاً  35 بالمائة من ميزانية برنامج الأجهزة في إدارة الأغذية والأدوية من خلال “رسوم المستخدم” التي يعاد التفاوض بشأنها كل خمس سنوات.

وتعطي هذه الرسوم قوة للصناعة في إعادة تشكيل الجهة المنظمة لها، وفق الدكتور مايكل كاروم، مدير المجموعة العامة لبحوث صحة المواطن. وقال كاروم إن نتيجة المفاوضات المتعلقة بالرسم “غالباً ما ترقى إلى قائمة الرغبات الصناعية”.كذلك يتجلى الوجود الهائل للصناعة في الوكالة في الجدل المستمر منذ عقود حول سلامة الزروع الثديية. فبعد حظر ظاهري، وقتال داخلي شرس، سمحت إدارة الأغذية والأدوية بإرجاع زروع السيليكون إلى السوق في العام 2006 – على الرغم من أن البيانات التي تبين سلامة المنتج على المدى الطويل بقيت محدودة.

وقالت سوزان وود، مديرة مكتب صحة المرأة في إدارة الأغذية والأدوية في الفترة من 2000 إلى 2005، “لقد كانوا عنيدين.  فخلافاً لغيرها من الشركات، عادت الشركات المعنية بعد أن قيل لها لا. وعادت وعادت وعادت. وقاموا فقط بقمع أي مقاومة”.

وبعد المنظمين، يقف خط دفاع أخير بين المريض والجهاز السيء: طبيبه. لكن هذا الخط اختُرِق أيضاً.

خرق للثقة

يتأثر علماء القلب والجراحة العظمية وغيرهم من الأطباء الذين يقومون بزرع الأجهزة الطبية بمجموعة واسعة من المصادر، بما في ذلك المؤتمرات الطبية والندوات التدريبية وممثلي المبيعات. ومن الشائع أن ينضم هؤلاء الممثلون إلى الجراحين في غرفة العمليات، ويقدموا نصائح حول الأجهزة المعقدة التي يبيعونها. وفي العام 2016، وجد باحثون في جامعة جورجتاون أن المناسبات التي ترعاها الشركات وموظفي الشركات في غرف العمليات تقوض استقلال الأطباء وقدرتهم على اختيار أفضل علاج. ووصف أحد مستشاري المستشفى الذي ورد ذكره في الدراسة العلاقة بين الجراحين وممثلي المبيعات بأنها “دلو حصين من الديدان”.

ويكون الأطباء والمصنعون، في بعض الحالات، في الأعمال التجارية معاً. وتدفع الشركات إتاوات للتكنولوجيات التي تُطوَّر مع أطباء، وتقدم لهم المنح البحثية وخيارات الأسهم، ما يخلق تضارباً في المصالح يجذب انتباه السلطات الحكومية في كثير من الأحيان.

ففي الولايات المتحدة، حيث يُطلب من مصنعي الأدوية والأجهزة الكشف عن دفعاتهم للأطباء، دفعت أكبر 10 شركات للأجهزة الطبية ما يقرب من 600 مليون دولار للأطباء أو مستشفياتهم في العام الماضي، وفق تحليل الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين لبيانات من مراكز الرعاية الطبية والخدمات الطبية. ولا يشمل هذا الرقم الدفعات المتعلقة بالأجهزة من الشركات العملاقة التي تبيع منتجات أخرى، بما في ذلك “جونسون أند جونسون” و”أليرغان”.

وحصل جراح عظام في مدينة لوس أنجلوس، واسمه توماس شملزريد، على ما يقرب من 30 مليون دولار من العائدات ومدفوعات أخرى من “جونسون أند جونسون” لدوره في تصميم نظامين للأوراك المعدنية البديلة، يخضع أحدهما لسحب عالمي. وسُحِبت هذه الأجهزة في وقت لاحق من السوق وسط مخاوف من أنها أفرزت مستويات خطيرة من أيونات المعادن.

ولم يرد شملزريد على طلبات الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين للتعليق. وفي الوقت الذي حصل فيه شملزريد على الإتاوات، وفق “جونسون أند جونسون”، لم يحصل على أي مدفوعات لقاء المنتجات التي استخدمها في عمله أو التي زُرِعت في مستشفيات حيث كانت لديه امتيازات. ولفتت الشركة إلى أن سياساتها تمنع مدفوعات كهذه.

وقامت شركات الأجهزة بتوجيه الأموال، في بعض الأحيان عن طريق الحسابات الخارجية، إلى موزعين خارجيين دفعوا بعد ذلك لجراحين أو منظمات غير ربحية أعدها الأطباء لاستلام المدفوعات، وفق وثائق ادعاء أميركية وإيطالية.  

وبعد سلسلة من الفضائح التي أدت إلى صدور قانون المدفوعات الطبية العلنية للعام 2010، وهو قانون أميركي فرض الكشف عن هذه المدفوعات، نقحت الرابطة التجارية لصناعة الأجهزة مدونة أخلاقياتها. ودعت المجموعة إلى تعويض “متواضع” و”معقول” للأطباء المشاركين في المناسبات التي ترعاها الشركات وإلى قيود على الإتاوات والاتفاقيات الاستشارية.

وعلى مدى العقد الماضي من الزمن، عززت الرابطة التجارية الأوروبية مدونة الأخلاقيات الخاصة بها من 15 صفحة إلى 61 صفحة، حتى أنها حذرت الشركات من “التصورات العامة السلبية المحتملة” للموقع المختار للمناسبات الدعائية. ووفق المدونة، “فإن السفن السياحية أو نوادي الغولف أو المنتجعات الصحية والأماكن المشهورة بمرافق الترفيه ليست أماكن مناسبة”.

ومع ذلك، استمر المسؤولون عن إنفاذ القانون في اتهام شركات الأجهزة بسوء السلوك. وادعى أطباء ومطلعون على الشركات والسلطات الحكومية في قضايا المحاكم أن ممثلي المبيعات يؤثرون على القرارات السريرية للجراحين ويشجعونهم على استخدام المنتجات في طرق غير معتمدة. وكانت شركات مدرجة في قائمة مجلة “فورتشن” لأكبر 500 شركة مثل “ميدترونيك” ولاعبون أصغر في الصناعة عرضة لهذه الادعاءات.

وفي العام 2014، دفعت “بيوترونيك”، وهي شركة ألمانية للأجهزة الطبية، مبلغ 4.9 مليون دولار لتسوية تهم رفعتها وزارة العدل الأميركية بأنها دفعت رشاوى للأطباء وروجت في شكل غير قانوني لأجهزتها القلبية في علاجات غير مصرح بها من قبل المنظمين.

وقام ممثلو المبيعات في الشركة بمكافأة الأطباء الذين روجوا لعلاجات غير مصرح بها وزرعوا أعداداً كبيرة من أجهزة “بيوترونيك” بتذاكر للمناسبات الرياضية ونزهات غولف ووجبات فاخرة، وفق ما ذكره براين سانت، وهو موظف يعمل في “بيوترونيك” تحول إلى مبلغ أثارت دعواه القضائية تحقيقات الحكومة. وكتب مدير المبيعات في رسالة إلكترونية مذكورة في شكوى سانت، مشيراً إلى العائدات التي يمكن أن يحصل عليها الأطباء من تسجيل المرضى في دراسات ترعاها الشركة: “يشبه الأمر الأقساط تقريباً”.

وفي رد كتابي على الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أكدت “بيوترونيك” أن “ممارساتها كانت قانونية وأخلاقية”. وأفادت أيضاً بأن الحكومة لم تتابع مزاعمها حول ممارسات التدريب أو البرامج التعليمية الخاصة بالشركة.

في العام 2014، دفعت “بيوترونيك”، وهي شركة ألمانية للأجهزة الطبية، مبلغ 4.9 مليون دولار لتسوية تهم رفعتها وزارة العدل الأميركية بأنها دفعت رشاوى للأطباء

كذلك وجدت الحكومات في كل أنحاء العالم شركات مصنعة مذنبة بالدفع إلى مديري المستشفيات والأطباء بساعات “أرماني” وحزم عطلات مكلفة لزيادة المبيعات وتأمين العقود. ففي المكسيك، كان الموظفون في شركة المسؤولون عن رشوة الأطباء يملكون كلمة سر للمدفوعات غير المشروعة: الشوكولاتة. وتجري محاكمة مندوب مبيعات لـ”جونسون أند جونسون” في إيطاليا بتهمة رشوة جراح بارز في ميلانو بأكثر من 20 ألف دولار، بالإضافة إلى رحلات غالية الثمن ووجبات عشاء وأكثر له ولولده، في مقابل قيام الجراح بزراعة المفاصل الصناعية التي تنتجها الشركة وتعزيز علامتها التجارية في عروض تلفزيونية. ولم ترد الشركة على طلب للتعليق على القضية.

ورداً على الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، قال مات ويتزل، المستشار العام المساعد في “أدفا ميد”، إن هذه الصناعة “مكرسة لممارسة الأعمال التجارية بالطريقة الصحيحة، وإن شركات التكنولوجيا الطبية استثمرت موارد – رأسمالية وبشرية – لا تُعد ولا تُحصى في تطوير برامج الامتثال الرائدة”.

الرغبات الصناعية والتسويقية تتقدم على معايير السلامة

ضرر خفي

مع انخفاض الحواجز أمام الأعضاء المزروعة الجديدة المقبلة إلى السوق، فإن مزيداً من المسؤوليات يتحول إلى البحث عن المشاكل وإبلاغ المرضى عند ظهورها. وتملك الولايات المتحدة البيانات العامة الأكثر – بأشواط – حول الأعضاء المزروعة التي تشوه وتقتل. وتحتفظ إدارة الأغذية والأدوية قاعدة البيانات المعروفة باسم “تجربة المصنّع والمستخدم لأجهزة التسهيل” أو “مود”.

لكن، بالنسبة إلى الكم الهائل من بياناتها، تعتمد “مود” على شركات الأجهزة نفسها. وبموجب القانون، من المفترض أن تجمع الشركات شكاوى من الأطباء والمستشفيات والمرضى والمحامين وغيرهم وتمررها إلى إدارة الأغذية والأدوية. وفي الممارسة العملية، تقوم شركات الأجهزة في شكل متكرر بتوفير معلومات خاطئة أو مضللة، أو أنها لا تقوم بالإبلاغ على الإطلاق.

وبين العامين 2008 و2018، استشهد مفتشو إدارة الأغذية والأدوية أكثر من أربعة آلاف و400 مرة بانتهاك المصنعين سياسة التعامل مع الشكاوى. ويمكن أن يشمل كل انتهاك مئات أو حتى الآلاف من الشكاوى المساء التعامل معها أو المفقودة أو المدفونة.

واستشهدت إدارة الأغذية والأدوية بمرفق “فيليبس للرعاية الصحية” في كليفلاند بولاية أوهايو، لسوء التعامل مع آلاف الشكاوى المتعلقة بمعدات التصوير الطبي التي كشفت عن وجود مشاكل عالية المخاطر كان يمكن أن تتسبب في حدوث إصابات أو حتى وفيات، بما في ذلك تقارير تفيد بأن ماسحات للجسم مزجت صوراً بين المرضى. وفي إجابات مكتوبة إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أشار “فيليبس” إلى أن أي مرضى لم يصابوا في الحوادث وأن فريق مراجعة سجلاته قام بتقييم كل الشكاوى. وعندما تقوم الشركات بالإبلاغ عن الأحداث السلبية، تخفي في بعض الأحيان شدتها. ووجد الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أن المصنّعين صنّفوا حدثاً بأنه “عطل” أو “إصابة” حتى لو تضمن موت المريض.

وجد الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ألفين و100 حالة مات فيها أشخاص، لكن الوفيات صُنِّفت على أنها أعطال أو إصابات

وباستخدام خوارزمية التعلم الآلي للبحث في ملايين التقارير، وجد الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ألفين و100 حالة مات فيها أشخاص، لكن الوفيات صُنِّفت على أنها أعطال أو إصابات. ومن بين هذه التقارير، أظهر 220 تقريراً أن الأجهزة تسببت في الوفيات أو ساهمت فيها. ولم تتضمن التقارير الأخرى معلومات كافية لتحدد في شكل قاطع ما إذا كان الجهاز قد أدى دوراً في وفيات المرضى.

وتدعو توجيهات إدارة الأغذية والأدوية المصنعين إلى الإبلاغ عن الوفيات التي قد تكون مرتبطة بأجهزتهم، حتى لو كانت الصلة غير مؤكدة. وتستخدم إدارة الأغذية والأدوية تقارير الأحداث السلبية للمساعدة في تحديد الأجهزة الخطيرة. وقال مادريس تومز، وهو خبير سابق في بيانات إدارة الأغذية والأدوية، ويدير شركة تقوم بتحليل الأحداث السلبية، “إذا صُنِّفت الوفاة على أنها عطل، فمن المحتمل ألا يُقرَأ التقرير على الإطلاق”. وقال الدكتور جاكوب شاني، رئيس قسم أمراض القلب في “مركز ميمونز الطبي” في بروكلين، بنيويورك، إن المعلومات السلبية عن الأحداث التي يقدمها المصنعون والأطباء ضرورية لتحديد أي منتج يجب زرعه. وأضاف، “إذا لم تكن لديك شفافية، وليس لديك الصدق، انس الأمر”.

نظام الإنذار المعطل

يمكن أن تؤدي التقارير التي تصل في النهاية إلى المنظمين إلى تنبيه حول السلامة أو عملية سحب. ويمكن أن يتطلب الأمران من المستشفيات إزالة الأجهزة من أرففها، أو اعتماداً على شدتها، إطلاق موجة من العمليات الجراحية لإزالة الأجهزة من المرضى.

وتبين للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أن سحب المنتج أو تقييده يجريان اعتماداً على المكان الذي تعيش فيه. فخلال العام الماضي، فرضت السلطات الصحية في نيوزيلندا وإيرلندا وإسكتلندا وإنكلترا قيوداً شديدة على استخدام نوع من الشبكات المهبلية المستخدمة في علاج سلس البول أو تثبيت الأعضاء التناسلية وغيرها من الأعضاء في مكانها بينما تقوم الهيئات التنظيمية بدراسة سلامة الأجهزة. لكن المنتجات ظلت إلى حد كبير في السوق المفتوح في بلدان أخرى، بما في ذلك كندا وجنوب أفريقيا، حيث زُرعت شبكة ريناتي شيبرز.

ويمكن لتنبيهات السلامة التي تشرف عليها الحكومة، والتي غالباً ما تُسمى “عمليات سحب” في الولايات المتحدة أو “إشعارات سلامة ميدانية” في أماكن أخرى، أن تتراوح بين تغييرات بسيطة في التسمية وإزالة الجهاز من السوق في شكل فوري. وسحبت الشركات المصنعة أيضاً في بعض الحالات المنتجات بهدوء من السوق من دون الاعتراف بالخطأ. وأخبر خبراء الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين بأنه يتعين على الحكومات إصدار إشعارات تنبيه حول السلامة حتى يكون المرضى والأطباء على دراية بالمشاكل. ووجد تحليل للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أن بعض الحكومات تنشر تحذيرات في شكل متكرر والبعض الآخر لا يفعل ذلك. فالمنظمون الصحيون في المكسيك قاموا بتبادل للمعلومات فقط حول عمليتي سحب تم الأمر بهما وكان هذا كل شيء. وفي الولايات المتحدة، نشرت إدارة الأغذية والأدوية أكثر من 26 ألف تحذير في العقد الماضي من الزمن.

ورُبط الورك المعدني الذي تصنعه “بايوميت” ومقرها إنديانا بالتعفن المعدني للأنسجة، وتوقفت الشركة عن بيع الجهاز قبل عدة سنوات. وفي وقت لاحق أرسلت “بايوميت” تنبيهات سلامة إلى الجراحين وغيرهم من مقدمي الرعاية الصحية في أستراليا والمملكة المتحدة وعدد كبير من بلدان أوروبا الغربية الأخرى في العامين 2015 و2016، لكن ليس في كندا والولايات المتحدة. وأفادت الشركة التي تُسمى اليوم “زيمر بايوميت”، “نحن نلتزم بالمعايير التنظيمية الصارمة ونعمل في شكل وثيق مع إدارة الأغذية والأدوية وكل الوكالات التنظيمية العاملة في كل منطقة من مناطقنا كجزء من التزامنا بتشغيل نظام من الدرجة الأولى لإدارة الجودة عبر شبكتنا العالمية للتصنيع”.

وكثيراً ما لا يجد المسؤولون المرضى الذين يعانون من مشاكل في الأجهزة – أو حتى الأطباء الذين زرعوها. أشار هارولد باز، كبير المسؤولين الطبيين ونائب الرئيس التنفيذي في “إيتنا”، وهي واحدة من أكبر شركات التأمين الصحي في الولايات المتحدة، إلى سجل صناعة السيارات الذي يسير في شكل جيد نسبياً للوصول إلى أصحاب السيارات التي تقرر سحبها.  وقال باز، “ليس لدينا في الوقت الحالي أي طريقة لتحديد أي من أعضائنا حصل على العضو المزروع المصاب”.

وقال المرضى الذين يعيشون مع أجهزة تقرر سحبها بالفعل أنهم لم يُبلَغوا عن المشاكل. وفي مقابلات مع شركاء دوليين للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، قال المئات من متلقي الأعضاء المزروعة إن الأطباء لم يحذروهم قط من المخاطر ولم يخبروهم عن عمليات السحب أو تنبيهات السلامة. وتُعتبر كوني هيل، 72 عاماً، وهي من سكان صن سيتي بولاية أريزونا، واحدة من العديد من المرضى الذين يقولون إنهم كانوا يرغبون في الاطلاع في وقت سابق على عمليات السحب الأجنبية للورك الاصطناعي من “بايوميت”. وقالت هيل للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، “لم اسمع أي شيء عن ذلك”.

إصلاح “نظام مكسور”

في أوائل تسعينيات القرن العشرين، كان جراح العظام الأسترالي المسمى ستيفن غرافز يزداد قلقاً في شأن الأجهزة الطبية التي كان يزرعها. فمنتجات استبدال الورك والركبة كانت تحمل فوائد كبيرة للمرضى ومخاطر كبيرة – لكن كان لديه القليل من المعلومات حول الجهاز الذي كان أكثر أماناً من جهاز آخر. وقال غرافز، “لم نكن نعرف عدد الأجهزة أو أنواعها. ولم نكن نعرف الأداء المقارن للأجهزة”. وفي العام 1996، بدأ غرافز العمل مع مجموعة من الجراحين الزملاء لإنشاء قاعدة بيانات مركزية لتعقب الأستراليين الذين زرعوا أوراكاً وركباً ومراقبة صحتهم. وفي غضون بضع سنوات، تمكن السجل الوطني لغرافز للأجهزة من تسجيل الغالبية العظمى ممن استبدلوا وركاً وركبة في أستراليا – وكشف عن العشرات من الأجهزة ذات المشاكل.

وفي العام 2009، كان المنظمون الأستراليون يستخدمون بيانات غرافز ليثيروا في وقت مبكر القلق المتعلق بسلامة “إيه إس آر إكس إل” وهو ورك اصطناعي من “جونسون أند جونسون” كذلك المزروع لدى فيجاي فوجهالا في مومباي. وقال غرافز إن السجل حدد حتى الآن أكثر من 150 منتجاً بديلاً لاستبدال المفاصل ضعيف الأداء.

ويتمتع نظام أفضل لتتبع الأجهزة بعد دخولها إلى السوق بتأييد واسع بين مناصري الصناعة والأطباء والمرضى. وقال الدكتور هنريك مالتشو، وهو جراح تقويم سويدي ساعد في إنشاء عدة سجلات وطنية، إن السجلات تسمح للسلطات بتنبيه الأطباء والمرضى من المشاكل. وبالإشارة إلى القضية الأسترالية، قال، “كان جمالها يتمثل في أنهم استطاعوا العودة والعثور على جميع المرضى”. وبعد عمليات سحب رفيعة المستوى للأجهزة أخيراً، تفكر الهند في اقتراح لإنشاء سجل بديل مشترك خاص بها، في حين تقدم سجلات أخرى في فنلندا والنرويج والمملكة المتحدة، وفق مالتشو.

ولا تزال الولايات المتحدة متخلفة. في محاولة لتحسين مراقبة الأجهزة بعد الزرع، تحاول إدارة الأغذية والأدوية توحيد مختلف السجلات الصغيرة والخاصة مع بيانات مطالبات التأمين في نظام مركزي واحد.

لكن هذا البرنامج يعتمد إلى حد كبير على نجاح مبادرة إدارة الأغذية والأدوية ذات الصلة التي تدعو إلى تخصيص رقم تعريف فريد لكل جهاز من أجل جعلها أكثر قابلية للتتبع – وهي خطوة تم اتخاذها قبل زمن بعيد من قبل منظمي قطاع السيارات. وفي حين أن برنامج “معرف الجهاز الفريد” يمكن أن يستهل عصراً من المراقبة المتقدمة في الأسواق، فإن تنفيذه بالكامل يستغرق سنوات. وثمة عقبة محتملة: لا يزال على الحكومة الفيدرالية أن تصدر القواعد النهائية التي تقضي بتضمين معرّفات الأجهزة في السجلات الصحية الإلكترونية وفي بيانات مطالبات التأمين – وهي طرق مهمة يمكن استخدامها في المساعدة على تعقب المرضى وأداء أجهزتهم. ويبقى احتمال وجود نظام متناسق عالمياً لـ”معرف الجهاز الفريد” – قيد المناقشة حالياً من قبل منظمي الأجهزة الطبية – بعيداً أكثر. وقالت حنيفة كويا، وهي طبيبة لأمراض النساء في ولنغتون بنيوزيلندا أجرت العديد من العمليات الجراحية الشنيعة لإزالة الشبكات المعيبة، إن تتبع الأجهزة المباعة والمزروعة أساسي. وأضافت، “إذا كان الجراحون يتطلعون إلى تبني أجهزة مبتكرة باستمرار، ولا يطلبون سجلاً، فهذا نظام مكسور”.

وقالت كويا إن مجالس أخلاقيات المستشفيات يجب أن تكون لديها القدرة على منع الأطباء من استخدام الزروع التي لم تُختبَر أو التي تخضع لمخاوف تتعلق بالسلامة. لكنها تدرك أن إصلاحاتها المأمولة لن تأتي بسهولة. وحتى تلك المشاكل هي جزء صغير من المشاكل النظامية الأكبر. وقالت كويا، “عندما يتعلق الأمر بحماية الناس الذين سيعانون، فإن النظام في حالة فوضى مطلقة”.

* المساهمون في هذه القصة:  بن هولمان، جت شوتن، دين ستاركمان، سيمون باورز، إميليا دياز – ستراك، جيرارد رايل، ساشا تشافكين، سبنسر ودمان، كات فيرجسون، بترا بلوم، سيلا ألشي، سيدني ب. فريدبرغ، فيرغس شيل، ريتشارد إتش بي سي، توم ستيتس، مارتا م. هاملتون، جو هيلهاوس، ريغوبيرتو كارفاجال، سيسيل شليس – غاليغو، هيلاري فونغ، مارينا ووكر غيفارا، ميغيل فياندور، بيير روميرا، هميش بولاند – رودر، ويل فيتزجيبون، دلفين رويتر، آمي ويلسون – تشابمان، مارغوت ويليامز، باولينا سينياوار، رزان نخلاوي، جيسي ماكلين، ماثيو بيروني، هولبروك موهر، ميتش فايس، تشارلز باككوك، أندرو ليهرن، وإيميلي سيجيل.

 

[هل أنت مريض أو مقدم رعاية صحية أو مشارك في صناعة الأجهزة الطبية؟ نود أن نسمع منك].

 

 إقرأ أيضاً:

وثائق الزرع الطبي : “جمهورية ميدترونيك” حولت مضخات القلب إلى مضخات نقود

“وثائق الزرع الطبي” : تلك الشركات ماذا تزرع في أجسادنا؟

 “وثائق الزرع الطبي”: : ارتفاع مذهل في أرباح الشركات يوازيه ارتفاع الخسائر البشرية

 

 

إقرأ أيضاً